أخبار العالمليبيا

حكومة الدبيبة تواجه اتهامات دولية بالقرصنة البحرية وأعمال العنف في المتوسط

ليبيا 24

منظمة ألمانية تقاضي حكومة الدبيبة بتهم قرصنة وإطلاق نار


تقارير حقوقية تدين سلوك خفر السواحل وتطالب بوقف التدريب الأوروبي للقوات الليبية

في تطور ينذر بتصعيد دبلوماسي وقضائي خطير ضد السلطات القائمة في طرابلس، كشفت منظمة غير حكومية تعمل في مجال الإنقاذ البحري عن تحرك قانوني مزدوج أمام القضاء الإيطالي والألماني، يستهدف بصورة مباشرة قوات خفر السواحل التابعة لحكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية بعدما تجاوزت آجال شرعيتها الدستورية. وتأتي هذه الدعاوى الجنائية لتلقي بظلال كثيفة على مستقبل التعاون الأمني بين الدول الأوروبية والإدارة المنبثقة عن توافقات سياسية سابقة، في وقت تتصاعد فيه المطالبات بإعادة تقييم هذا التعاون جذرياً في ضوء ما يُوصف بأنه “انتهاكات جسيمة للقانون الدولي وأعراف الملاحة البحرية”.

وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية، وطالعته ليبيا 24 فإن منظمة “سي ووتش” الخيرية تقدمت بملفات قانونية مستفيضة أمام جهات الادعاء المختصة في كل من برلين وروما، تتهم فيها أفراداً وقيادات في جهاز خفر السواحل الليبي بارتكاب أفعال تُصنف في نصوص القانون الدولي على أنها أعمال قرصنة وتعريض حياة بحارة ومدنيين للخطر. وتستند هذه البلاغات إلى شهادات موثقة ولقطات مرئية التقطت خلال عمليات اعتراض نفذتها زوارق ليبية في عرض البحر الأبيض المتوسط، في منطقتين تُعدان خارج حدود المياه الإقليمية الليبية وفقاً لاتفاقيات الأمم المتحدة لقانون البحار.

تفاصيل البلاغات: مناورات مميتة وإطلاق رصاص حي

يتركز محور الاتهامات على حادثتين منفصلتين وقعتا خلال العام المنصرم، وتحديداً في شهري أغسطس وسبتمبر، حيث تزعم المنظمة المدعية أن سلوك أطقم الزوارق الليبية تجاوز حدود صلاحياتهم القانونية ليتحول إلى ما يشبه “عمليات حربية عدائية” ضد سفن إنسانية ترفع أعلاماً أوروبية. ففي السادس والعشرين من شهر سبتمبر، وخلال عملية روتينية لإنقاذ مهاجرين غير نظاميين كانوا على متن قارب مطاطي متهالك، تعرضت سفينة الإنقاذ “سي ووتش 5” لما وصفه طاقمها باعتداء مباشر من قبل زورق اعتراضي ليبي.

حكومة الدبيبة تواجه اتهامات دولية بالقرصنة البحرية وأعمال العنف في المتوسط
حكومة الدبيبة تواجه اتهامات دولية بالقرصنة البحرية وأعمال العنف في المتوسط

وتفيد الوثائق المرفوعة للقضاء أن الزورق الليبي قام بمناورات حادة وخطيرة على مسافة لا تتجاوز أمتاراً قليلة من بدن السفينة الإنسانية، في استعراض للقوة كان من شأنه أن يتسبب في تصادم بحري محقق. والأخطر من ذلك، بحسب البلاغ، هو قيام عناصر خفر السواحل بإطلاق أعيرة نارية في الهواء، وربما في محيط السفينة، لترهيب الطاقم وإجباره على التخلي عن مهمته الإنسانية، على الرغم من أن العملية برمتها كانت تجري خارج نطاق الولاية القضائية الليبية. ويؤكد محامو المنظمة أن هذا السلوك ينتهك صراحة المادة 98 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تفرض على كل دولة أن تلزم ربابنة السفن التي ترفع علمها بتقديم المساعدة لأي شخص يلقى في البحر خطر الهلاك.

أما الحادثة الثانية التي شكلت دافعاً إضافياً للتحرك القضائي، فتعود إلى الرابع والعشرين من شهر أغسطس، حين تعرضت سفينة “أوشن فايكنج”، التي تديرها منظمة “إس أو إس ميديتيراني” الإغاثية، لوابل من النيران استمر قرابة عشرين دقيقة، صادر عن وحدة بحرية ليبية. وتصف الروايات التي جمعتها المنظمات الحقوقية تلك الدقائق بأنها حالة من “الإرهاب المسلح في عرض البحر”، حيث اضطرت السفينة الإنسانية إلى اتخاذ مناورات مراوغة لحماية أفراد طاقمها، في مشهد يعيد إلى الأذهان فصولاً من فوضى السلاح التي تعاني منها السواحل الليبية منذ سنوات.

مناورات فلينتلوك بسرت تجمع قوات الشرق والغرب تحت مظلة القيادة العامة. خطوة استراتيجية نحو توحيد الجيش بدعم دولي.
مناورات فلينتلوك بسرت تجمع قوات الشرق والغرب تحت مظلة القيادة العامة. خطوة استراتيجية نحو توحيد الجيش بدعم دولي.

اليد الخفية للدعم الأوروبي: شراكة تتحول إلى مسؤولية جنائية

وفي قلب هذه الاتهامات، ثمة إدانة صريحة ليس فقط لقادة الميدان الليبيين، بل للحكومات الأوروبية التي وفرت الغطاء السياسي واللوجستي لهذه القوات. فالدعاوى المرفوعة لا تكتفي بالمطالبة بمعاقبة المتورطين المباشرين في إطلاق النار، بل تتجاوز ذلك للمطالبة بإنهاء “جميع أشكال التعاون” مع جهاز خفر السواحل الليبي. وتجادل المنظمة في مرافعتها بأن استمرار التدريب والتسليح الأوروبي لتلك الوحدات يجعل حكومات الاتحاد شريكة في المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الانتهاكات التي ترتكبها هذه القوات باسم “ضبط الحدود”.

وتشير المنظمة إلى مفارقة صارخة: فبينما تتشدق العواصم الأوروبية بقيم حقوق الإنسان وسيادة القانون، فإن حكومة في برلين سمحت، وفقاً لتقارير حديثة، للجيش الألماني بالمشاركة في برامج تدريبية لصالح قوات خفر السواحل الليبية التابعة للإدارة المتمركزة في طرابلس. وفي السياق ذاته، قامت الحكومة الإيطالية بتزويد هذا الجهاز بزوارق دورية حديثة، ثبت وفقاً للأدلة المقدمة استخدام إحداها على الأقل في عمليات اعتراض عدائية ضد سفن المجتمع المدني. ويطرح هذا الواقع سؤالاً ملحاً حول جدوى وشرعية هذا الاستثمار الأوروبي في أجهزة أمنية تنتهك أبسط قواعد الاشتباك البحري وتتعامل مع المنظمات الإنسانية كأهداف عسكرية معادية.

معضلة الشرعية وتآكل السيادة الفعلية

لا يمكن فصل هذه الوقائع عن السياق السياسي المعقد في غرب ليبيا. فالاتهامات الموجهة لخفر السواحل تصب في جدل أوسع حول شرعية المؤسسات التي تدير الشأن العام في طرابلس. فبعد فشل العملية الانتخابية التي كان مقرراً لها نهاية عام 2021، ظل عبد الحميد الدبيبة ممسكاً بزمام السلطة التنفيذية، متذرعاً بضرورة منع حدوث فراغ سياسي، بينما تعتبره أطراف ليبية عديدة ومؤسسات دولية حكومة “تصريف أعمال” تجاوزت ولايتها الدستورية. هذا الغياب للتفويض الشعبي والرقابة البرلمانية الفاعلة أفرز، بحسب مراقبين، بيئة مواتية لتفلت بعض الأجهزة الأمنية من عقال المساءلة والمحاسبة.

ويرى المحللون أن هذه الحوادث تكشف عن خلل بنيوي في استراتيجية التعامل مع الملف الليبي. ففي سعيها لإيقاف تدفق قوارب المهاجرين نحو السواحل الأوروبية، تغاضت الحكومات الغربية عن وسائل العمل التي تنتهجها قوات الأمن الليبية. لقد أُعطيت الأولوية لاعتبارات “الأمننة” على حساب مبادئ حقوق الإنسان، مما أدى إلى تمكين أجهزة غير خاضعة لرقابة قضائية حقيقية من القيام بدور “دركي أوروبا” في المتوسط، ولكن بثمن باهظ يدفعه المدنيون العزل في عرض البحر. إن إطلاق النار على سفن الإنقاذ ليس حادثاً معزولاً، بل هو عرض لمرض أعمق يتمثل في غياب إطار سيادي واضح ومحاسبة حقيقية في بلد ممزق بين حكومتين وعدد لا يحصى من الميليشيات المسلحة.

صمت رسمي واستنفار أوروبي أمام القضاء

في مقابل هذا الزخم القضائي والإعلامي، يقابلنا صمت مطبق من قبل المؤسستين المعنيتين بشكل مباشر: حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تصدر أي إدانة رسمية من طرابلس لسلوك العناصر البحرية، كما لم تُعلن أي جهة رسمية عن فتح تحقيق شفاف في ملابسات إطلاق النار على سفن ترفع أعلام دول حليفة وصديقة. ويعزز هذا الصمت الرسمي الانطباع السائد بأن هذه القوات الأمنية إما تتصرف وفق تعليمات عليا، أو أنها خارجة تماماً عن سيطرة السلطة المركزية المزعومة في العاصمة، وهو سيناريو أكثر إثارة للقلق لأنه يعني أن من يتولون مناصب سيادية عاجزون عن فرض هيبة الدولة على أجهزتهم الأمنية.

أما على الضفة الأخرى من البحر المتوسط، فالأمر مختلف تماماً. فالدعاوى الجنائية المرفوعة في إيطاليا وألمانيا تضع حكومتي البلدين في موقف لا تحسد عليه. فإذا ما قررت النيابات العامة المختصة قبول الدعاوى وبدء التحقيقات، فقد تضطر السلطات التنفيذية إلى تقديم إجابات محرجة حول طبيعة ومدى دعمها العملياتي لخفر السواحل الليبي. وقد تتطور الأمور إلى استدعاءات رسمية لدبلوماسيين أو ضباط مخابرات شاركوا في صياغة برامج التدريب المشتركة. وفي بادرة تُظهر عمق الأزمة، تحتجز السلطات الإيطالية حالياً سفينتي الإنقاذ “سي ووتش 5″ و”أورورا” في موانئها، ليس بتهمة مخالفة قوانين البحر، بل بسبب رفض طاقمهما الانصياع لتعليمات التواصل مع خفر السواحل الليبي أثناء أداء مهامهم، وهو ما تراه المنظمات الإنسانية إجراءً عقابياً لتأييد رواية طرابلس على حساب حماية أرواح المهاجرين.

مستقبل غامض للتعاون البحري في ضوء التهديد القضائي

تفتح هذه التطورات القانونية فصلاً جديداً في أزمة الهجرة غير النظامية عبر المتوسط. فإذا نجحت منظمات المجتمع المدني في إثبات تورط قوات خفر السواحل الليبية في جرائم دولية أمام محاكم أوروبية، فإن أي تعاون مستقبلي بين حكومات الاتحاد الأوروبي وجهاز خفر السواحل الليبي سيصبح سيفاً مسلطاً على رقاب صانعي القرار في العواصم الأوروبية. إن التحدي الذي تطرحه هذه القضية يتجاوز مجرد محاكمة فرد أو ضابط بحري ليبي، ليصل إلى جوهر السياسة الخارجية الأوروبية تجاه الشمال الأفريقي. فهل ستستمر برلين وروما في تدريب وتسليح قوات متهمة بالقرصنة أمام محاكمها الوطنية؟ وهل يمكن للحكومة الليبية الحالية، في ظل اتهام أذرعها الأمنية بانتهاك القانون الدولي، أن تستمر في التمتع بعلاقات طبيعية مع الشركاء الغربيين؟

في الأثناء، تتضاعف المخاوف الإنسانية مع اقتراب موسم تحسن الأحوال الجوية في البحر المتوسط، حيث من المتوقع أن تزداد أعداد المغامرين بالهجرة غير النظامية. وفي ظل احتجاز سفن الإنقاذ وتقييد عملها، وتصاعد عدوانية خفر السواحل الليبي المدعوم أوروبياً، يصبح البحر المتوسط ساحة للموت ليس فقط بسبب غرق القوارب المتهالكة، بل أيضاً بفعل فوضى السلاح وعقلية الإفلات من العقاب التي تغذيها حكومة تفتقر إلى الشرعية الدستورية وتتمسك بالسلطة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن تلطيخ سمعة الدولة الليبية أمام العالم وارتكاب أفعال توصف في سجلات العدالة الدولية بأنها جرائم ضد الإنسانية في عرض البحر.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى