ليبيا

سرت: من ثكنة الحرب إلى مختبر بناء الدولة الليبية الموحدة

رياح التوافق العسكري تهب من قلب ليبيا الاستراتيجي.

ليبيا 24

في مشهد يتجاوز بكثير بروتوكولات التدريب العسكري التقليدية، تحولت مدينة سرت، التي طالما اختزلتها الذاكرة الجمعية في صور الحرب والخراب، إلى منصة دولية نادرة تجتمع فيها أطراف المعادلة الليبية تحت سقف واحد.

إن انطلاق مناورات “فلينتلوك 2026” بمشاركة ما يزيد على ثلاثين دولة وأكثر من ألف وخمسمائة عنصر، لا يمثل مجرد تمرين تكتيكي في مكافحة التطرف والجريمة المنظمة، بل هو إعلان ضمني عن تحول استراتيجي في مسار الأزمة المزمنة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقد.

إنه تتويج لجهود القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية في تثبيت أركان الدولة، وتجسيد حي لرؤية نائب القائد العام، الفريق أول ركن صدام حفتر، في إعادة تعريف علاقة المؤسسة العسكرية بالمشهدين الدولي والمحلي.

ففي هذه البقعة الجغرافية الفاصلة بين الشرق والغرب، يلتقي القادة العسكريون من مختلف التشكيلات، ليكتبوا فصلاً جديداً عنوانه العريض: توحيد الصفوف سبيلاً لا مناص منه لإنقاذ الوطن.

البعد العسكري الاستراتيجي: أبعد من محاربة الإرهاب

على المستوى العملياتي البحت، لا يختلف اثنان من الخبراء العسكريين على أن احتضان ليبيا لتمرين “فلينتلوك” بهذا الحجم يعد نقلة نوعية في تاريخ الجيش الوطني. فما أكده مدير عام الجهاز الوطني للتنمية، محمود الفرجاني، من أن هذه المناورات تضع القوات المسلحة على خريطة التعاون الدولي المتقدم، لم يكن مبالغة بل توصيفاً دقيقاً لواقع جديد. لقد انتقلت المؤسسة العسكرية، وفقاً لرؤية المحلل السياسي عبد الله الديباني، من “مرحلة ردود الأفعال إلى مرحلة التخطيط الاستراتيجي والاستقرار”. إن القدرة على استضافة وإدارة تمرين بهذه الدرجة من التعقيد اللوجستي والأمني، بمشاركة مدارس عسكرية عريقة من ضفتي المتوسط والعمق الأفريقي، يرسخ فكرة مفادها أن ثمة جيشاً نظامياً فاعلاً على الأرض قادراً على فرض الأمن وحماية السيادة، وهي الرسالة التي أرادت القيادة العامة إيصالها إلى الداخل قبل الخارج.

وفي هذا السياق، تتضح أهمية البعد الجغرافي الذي أشار إليه المحلل السياسي عمر بو سعيدة، فسرت ليست مجرد مدينة عابرة. إنها “بوابة استراتيجية” وقلب ليبيا النابض، حيث يلتقي الشمال بالجنوب عبر مشاريع البنية التحتية العملاقة كطريق سرت – سبها وميناء سرت ومطار القرضابية الدولي. هذا الاختيار، كما يرى بو سعيدة، يعكس تحول سرت من ساحة صراع إلى مختبر للتنمية والأمن، وهو ما يمنح التمرين أبعاداً اقتصادية تسبق نتائجه العسكرية المباشرة. فوجود هذه الحشود الدولية في عمق الأراضي الليبية يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المؤسسة العسكرية قادرة على تأمين بيئة مستقرة للمستثمرين، وهو مؤشر إيجابي لاقتصاد أنهكته الانقسامات. لقد أثبتت القوات المسلحة، بحسب بو سعيدة، جدارتها في ملفات تأمين الحدود المترامية ومكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود، وهو ما جعل من وصف “الشريك الحقيقي” الذي أطلقته بعض الدوائر الدولية على القيادة العامة واقعاً ملموساً على الأرض.

التحول السياسي: التقارب العسكري كقاطرة للحل

لطالما عانى المسار السياسي في ليبيا من انفصام مزمن عن الواقع الأمني. لقد جرب الليبيون كل أنواع الحوارات، من الصخيرات إلى جنيف فبرلين والقاهرة، وكانت النتيجة دوماً أن تنهار التسويات السياسية عند أول منعطف أمني. هنا تكمن أهمية التحليل الذي قدمه الأكاديمي محمد امطيريد حين أكد أن “أي انقسام سياسي يقود حتماً إلى صراع عسكري، في حين أن التوافق العسكري قادر على حسم المسار السياسي”. هذه المقولة تمثل مفتاحاً لفهم ما يجري خلف كواليس سرت. إن صورة التقارب المؤسساتي التي تجسدت في لقاء الفريق أول ركن صدام حفتر مع وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة، عبد السلام الزوبي، ليست مجرد بروتوكول عابر. إنها لحظة مفصلية، كما وصفها حسن فرج أونيس، وكيل وزارة الثقافة الأسبق، بأنها “رسالة واضحة نحو تعزيز التنسيق والتكامل بين التشكيلات العسكرية”.

إن ما أسماه عضو مجلس النواب جاب الله الشيباني “التدريب المشترك بين قوات الشرق والغرب في سياق توحيد البلاد”، يعكس فهماً عميقاً للتاريخ السياسي الليبي. ففي إشارته الذكية إلى موقف الولايات المتحدة التاريخي الداعم لإلغاء النظام الفيدرالي لصالح حكومة مركزية موحدة، يربط الشيباني الحاضر بالماضي ليؤكد أن قوة ليبيا تكمن في وحدتها، وأن أي اتفاقيات كبرى أو شراكات دولية لا يمكن أن تمر إلا عبر دولة موحدة ومؤسسات قوية. هذا الطرح يتجاوز الجدل العقيم حول شرعية الأجسام القائمة ليؤسس لفكرة أن “اللِّمَّة” الوطنية هي الضمانة الوحيدة لمواجهة الأطماع الدولية ومنع التدخل الأجنبي الذي استنزف البلاد.

غير أن الطريق نحو الوحدة لا يخلو من منغصات، وهو ما عبر عنه عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة بمرارة واضحة حين تحدث عن “مرتزقة الكراهية” الذين يبنون أمجادهم على الشتائم والاستقطاب. تحذير بن شرادة من أن “المواقف المبنية على المصلحة مؤقتة، أما الكلمة فتبقى شاهداً على صاحبها” يضع النخب السياسية أمام اختبار أخلاقي حقيقي. إن لحظة التقارب بين الفرقاء العسكريين في سرت تفضح هؤلاء المتاجرين بالخلافات، وتجعلهم في موقف حرج يستوجب إما التراجع عن خطاب الكراهية أو الاختفاء مؤقتاً حتى تهدأ ذاكرة الشارع. إن الدعوة التي أطلقها وكيل وزارة التعليم السابق عبدالرحيم البركي بضرورة استثمار لقاء سرت لتطوير ملف توحيد المؤسسة العسكرية وفق رؤية وطنية خالصة، تمثل صوت العقل في هذا المشهد، فبقاء التوافق العسكري رهينة المزاج الدولي أو الرعاية الخارجية وحدها قد يعيدنا إلى المربع الأول عند أول تغير في الأولويات الدولية.

المعادلة الدولية: مصالح متقاطعة وتوازنات جديدة

لا يمكن قراءة حدث “فلينتلوك 2026” بمعزل عن الخارطة الجيوسياسية المعقدة لمنطقة المتوسط والساحل الأفريقي. إن الحضور الأمريكي اللافت من خلال القيادة العسكرية في أفريقيا (أفريكوم)، والذي أشار إليه المحلل صلاح العبار، يحمل في طياته رسائل متعددة الأبعاد. فمن جهة، تؤكد الولايات المتحدة عودتها كلاعب رئيسي في الملف الليبي بعد سنوات من الانكفاء النسبي، ليس بدافع الحرص على الديمقراطية الليبية فحسب، بل لحماية مصالحها الحيوية المرتبطة بمكافحة التنظيمات المتطرفة في الصحراء الكبرى وتأمين تدفق الطاقة ومنع تمدد قوى دولية منافسة في خاصرتها الجنوبية.

هنا يتقاطع التحليل مع ما ذهب إليه أستاذ العلوم السياسية يوسف الفارسي، الذي رأى أن الضغط الدولي يظل العامل الأكثر تأثيراً في دفع مسارات الحل، نظراً لارتباطه المباشر بمصالح الولايات المتحدة وأوروبا داخل ليبيا. لقد نجحت الدبلوماسية الأمريكية، من خلال مبعوثيها، في دفع مسار الميزانية الموحدة إلى الأمام، وهو ما يعد سابقة تاريخية تعكس جدية المجتمع الدولي في إنهاء حالة الفوضى التي باتت تهدد المصالح الغربية بشكل مباشر. فالمخاوف من تحول بعض المناطق في الغرب الليبي إلى بيئة حاضنة للتطرف أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، دفعت واشنطن وعواصم أوروبية إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الفاعلين على الأرض. وكما أشار بو سعيدة، فإن وصف القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية بـ “الشريك الحقيقي” لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة أمنية.

ولكن، هل هذا الانفتاح الغربي على المؤسسة العسكرية هو تطور أحادي الجانب؟ يجيب الخبير الاستراتيجي سمير راغب بالنفي، مؤكداً أن ليبيا الجديدة يجب أن تقوم على سياسة توازن في العلاقات الدولية. فالانفتاح على روسيا أو غيرها من القوى الدولية الفاعلة هو حق سيادي، ولكن الرهان على طرف واحد ضد آخر هو وصفة مؤكدة لتأبيد الأزمة. إن ما يجري في سرت يمثل نموذجاً مصغراً للعبة التوازنات؛ فمشاركة ثلاثين دولة من مدارس وخلفيات جيوسياسية مختلفة تحت مظلة قيادة موحدة يثبت أن المؤسسة العسكرية الليبية باتت قادرة على لعب دور “الضابط الإيقاع” في تناقضات الحلفاء والأصدقاء. وهذا بالضبط ما تحتاجه ليبيا للخروج من عنق زجاجة التدخلات الخارجية السلبية. إن وجود قوات دولية تتدرب على الأرض الليبية ليس بديلاً عن الجيش الوطني، بل هو اعتراف بوجوده وشهادة بكفاءته، وهو ما يمثل نقلة نوعية في مسار استعادة السيادة.

نحو مصالحة اجتماعية ودولة مدنية: الهدف الأسمى

في خضم هذا الزخم العسكري والسياسي، لا يجب أن يغيب الهدف النهائي عن بال الليبيين، وهو ما عبر عنه ببلاغة رئيس مجلس حكماء وأعيان ليبيا، محمد المبشر، حين قال إن لقاء نائب القائد العام بوكيل وزارة الدفاع هو “خطوة هادئة لتجاوز الخلافات من أجل ليبيا آمنة ومستقرة”. إن دعوة المبشر إلى أن تبقى مصلحة الوطن فوق كل اعتبار هي خلاصة كل هذه الجهود المضنية. فالجيش القوي ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لحماية المشروع المجتمعي الأكبر المتمثل في بناء دولة القانون والمؤسسات.

إن التحذير الذي أطلقه الخبير العسكري سمير راغب من أن الانتخابات لا يمكن أن تجري “تحت فوهات البنادق” يضع النقاط على الحروف. إن توحيد المؤسسة العسكرية هو البوابة الإلزامية لتهيئة البيئة الآمنة التي تسمح بصياغة دستور دائم وإجراء انتخابات حرة ونزيهة. فالمجتمع الدولي، رغم كل أخطائه، لن يقدم على ضخ استثمارات كبرى أو إعادة بناء الاقتصاد الليبي المنهك في ظل وجود حكومات متعددة وجيوش متنافرة وميليشيات خارجة عن السيطرة. إن ما أكده الفارسي من أن الحديث عن ميزانية موحدة يستلزم حكومة موحدة هو عين الصواب، ولكن ما لم يتم التأكيد عليه دوماً هو أن الحكومة الموحدة تستلزم بدورها قوة ردع عسكرية موحدة تحميها من ابتزاز الخارجين عن القانون.

إن حالة “التآكل التدريجي” التي أصابت المجالس السياسية القائمة، بحسب وصف الفارسي، لم تكن نتيجة مؤامرة خارجية، بل نتيجة طبيعية لعجز هذه الأجسام عن الاستجابة لمطالب الليبيين البسطاء الذين يعانون تدهور مستوى المعيشة واتساع رقعة الفقر. لقد ضاق الشعب الليبي ذرعاً بالصراعات الجانبية وتجار الحروب والمرتزقة الذين يغذون الخلافات، كما وصفهم بن شرادة. إن ما يريده الليبيون اليوم هو شعور بالأمان، وكهرباء لا تنقطع، وعلاج للمرضى، وتعليم لأبنائهم، وهي أمور لا يمكن أن تتحقق في ظل دولة هشة ممزقة الأوصال.

إن المناورات الجارية في سرت تبعث برسالة أمل حذرة، فـ “اللمّة أفضل من التفرق”، كما قال الشيباني، و”التفاهم خير من السلاح”. إنها تثبت أن بإمكان الليبيين، رغم كل الجراح والمرارات، أن يجلسوا معاً ويخططوا للمستقبل. صحيح أن بعض الأصوات المشككة ترى في ذلك مجرد مناورة، وأن هناك من يختبئ الآن ليظهر لاحقاً لتعطيل المسار، ولكن مجريات الأمور على الأرض تشير إلى أن قطار التوافق العسكري قد انطلق، وأن محاولات إيقافه لن تنجح هذه المرة، لا لشيء إلا لأن حاجة ليبيا إلى الاستقرار باتت أقوى من كل المناورات السياسية الرخيصة. تبقى الكلمة الفصل للشعب الليبي في صناديق الاقتراع القادمة، ولكن هذا الاستحقاق لن يكون له معنى ما لم تسبقه خطوات راسخة على طريق بناء الجيش الوطني الموحد الذي يحمي إرادة الشعب ولا يفرضها. في سرت، بدأ العد التنازلي الحقيقي لنهاية الانقسام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى