ليبيا

مفاوضات أمنية أممية بليبيا وسط تخبط سياسي واقتصادي متفاقم.

مسارات الحوار المهيكل تصطدم بصلابة الأزمة ووهن القيادة التنفيذية.

ليبيا 24

تحت وطأة الجمود ومبادرات متضاربة.. ليبيا تدور في فلك “حوار مهيكل” بلا أفق تنفيذي واضح

في الوقت الذي تكثف فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من وتيرة تحركاتها عبر تنظيم جلسات حوار موسعة تحت مسمى “المهيكل”، يبدو المشهد الليبي أسيراً لتناقض صارخ بين آليات دولية تسعى جاهدة لترتيب البيت من الداخل، وبين واقع سياسي واقتصادي محلي يزداد استعصاءً وتعقيداً بفعل إدارات توصف بأنها “منتهية الولاية” وتفتقر إلى الحد الأدنى من الرؤية الاستراتيجية. ففي خضم ترتيبات تهدف إلى توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، تظل الساحة مفتوحة على مصراعيها أمام أزمة اقتصادية خانقة تتجسد في انهيار القدرة الشرائية للمواطن، وارتباك في إدارة المال العام تغذيه مراكز قرار متعددة ومتصارعة.

بينما تنشغل نائبة الممثل الخاص للأمين العام، ستيفاني خوري، في قيادة جلسات نقاش عبر الإنترنت تركز على “المسار الأمني” ضمن حوار يضم نحو مئة وعشرين مشاركاً، تتوالى التصريحات المحلية والإقليمية التي تشكك في جدوى هذه الجهود ما لم تقترن بإرادة سياسية حقيقية من قبل الفاعلين على الأرض، وعلى رأسهم حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي، وهما الجسمان اللذان يتبادلان صلاحيات منقوصة في مشهد يعج بالغموض والتجاذبات.

غرف الحوار المغلقة: “هيكلة” الأمن بمعزل عن ضبط الإنفاق الموازي

تسعى البعثة الأممية من خلال الجولة الثالثة من المناقشات المباشرة لمساري الأمن والحوكمة إلى معالجة “المسببات العميقة للصراع”، كما تصفها بياناتها الرسمية. ولكن في الوقت الذي ينكب فيه المشاركون على صياغة توصيات بشأن قطاع الدفاع وإنفاذ القانون، يطرح المحلل السياسي حسام الدين العبدلي تساؤلات جوهرية حول تركيبة هذه المسارات ومدى تمثيلها للخبرات الحقيقية، مشيراً إلى افتقار المسار الأمني لعدد كاف من المختصين، وهو ما ينذر بمخرجات قد لا تلامس جوهر الأزمة المتمثل في انتشار التشكيلات المسلحة وتغلغلها في مفاصل الدولة الاقتصادية.

ويبدو التناقض صارخاً عندما تُقرأ تصريحات البعثة حول “بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة” بالتوازي مع واقع يقر فيه عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي بأن “الإنفاق الموازي هو السبب الرئيسي في ارتفاع الدولار”. وهنا تبرز المعضلة: كيف يمكن لحوار أمني أن ينجح في نزع سلاح الميليشيات أو إصلاح المؤسسة العسكرية، في وقت يعترف فيه المسؤولون بأن المصرف المركزي “لم يكن يعرف أين تذهب الميزانيات”؟ إن استمرار حالة السيولة الأمنية التي توفرها البيئة الاقتصادية غير المنضبطة، والتي تستفيد منها حكومة الأمر الواقع في طرابلس عبر تحالفاتها مع بعض هذه التشكيلات، يضع علامات استفهام كبرى حول النوايا الحقيقية لضبط إيقاع الدولة.

ويزيد الطين بلة الموقف الملتبس للمجلس الرئاسي، فبينما يطلق رئيسه محمد المنفي تصريحات حول “حماية المال العام”، يصف المحلل العبدلي أداءه في المحطات المفصلية بأنه “ضعيف” ويعاني من التذبذب، مستشهداً بمواقفه المتقلبة من التعديلات الوزارية في حكومة الدبيبة والاتفاق المالي الأخير. هذا التردد في القيادة العليا، خاصة في ملف يُفترض أن يكون المجلس الرئاسي قائداً أعلى للجيش الليبي بموجبه، يفسح المجال لاستمرار حالة الفوضى التي تُعقد أي مسار أمني هيكلي.

فخ “الحوكمة المالية”: ترتيبات تحت ضغط الانهيار لا إصلاح حقيقي

في المسار الموازي، تحاول الأمم المتحدة عبر نائبتها أولريكا رتشاردسون دفع أجندة الشفافية المالية، محذرة من “التدفقات المالية غير المشروعة” وداعية إلى “تحصين الأنظمة المصرفية”. غير أن النخب الاقتصادية والأكاديمية الليبية تنظر إلى ما يجري بعين الريبة، معتبرة أن ما يُعرض من “اتفاقات” ليس أكثر من مسكنات مؤقتة لمرض عضال. يصف الأستاذ الجامعي عاطف الحاسية الترتيبات الجارية بشأن الإنفاق بأنها “بداية اتفاق سياسي جديد” وليست ميزانية دولة، مشيراً إلى أن غياب النص الكامل للاتفاق وعدم شفافية تفاصيله يفتحان الباب أمام مزيد من التلاعب.

ويوضح الدكتور علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الأبعاد الكارثية للسياسات المالية الحالية بقوله إن الاقتصاد الليبي يعيش وضعاً “فريداً” من نوعه نتيجة “الإنفاق المنفلت” من قبل الحكومات المتعددة. ففي الوقت الذي تتغنى فيه بعثة الأمم المتحدة بدعمها لاستقرار المؤسسة الوطنية للنفط، يكشف الشريف عن أرقام مخيفة: عرض نقدي يتجاوز مئتي مليار دينار، ودين عام محلي يقارب ثلاثمائة مليار. هذه الأرقام لم تظهر من فراغ، بل هي نتاج سياسات حكومة الدبيبة التوسعية في الإنفاق خارج الميزانية، والتي تهدف في أحد جوانبها إلى شراء الولاءات السياسية وتمويل أجهزة موازية لا تخضع لأي رقابة حقيقية من ديوان المحاسبة أو غيره.

المفارقة الموجعة أن حديث الأمم المتحدة عن “جذب الاستثمارات الأجنبية” يظل ضرباً من الخيال في ظل بقاء ليبيا على شفا الدخول في القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي. صحيح أن مصرف ليبيا المركزي يحاول التصدي لهذا السيناريو عبر خطوات “جريئة” كما يصفها الخبراء، لكن جذور الأزمة تبقى راسخة في “المالية العامة” التي تتحكم فيها سلطة تنفيذية ترى في بقاء الوضع على ما هو عليه ضماناً لاستمرارها. فالحكومة التي ترعى المؤتمر الاقتصادي الدولي حول الشفافية، هي ذاتها التي تُتهم بأن أجهزتها “لا تعرف أين تذهب الميزانيات”.

العبء الاجتماعي: مواطن يدفع ثمن صراع النخب وضعف القيادة

بعيداً عن دهاليز السياسة وغرف المفاوضات المغلقة، يعيش المواطن الليبي فصولاً يومية من المأساة الاقتصادية التي تترجمها أرقام سعر الصرف إلى جحيم في الأسواق. الكاتب الصحفي عيسى عبد القيوم يلخص المشهد بقسوة عندما يؤكد أن “انخفاض سعر صرف الدولار سيظل كلاماً نخبوياً يخص طبقة المرموقين والمضاربين فقط، طالما لا يؤثر هبوطه على انخفاض الأسعار”. هذه العبارة تكشف فشل السياسات الحكومية في حماية الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي تسحقها حرب أسعار قذرة في غياب تام لرقابة “الحرس البلدي” العاجز أمام قوى السوق الموازية.

إن التراجع النسبي الأخير في سعر صرف الدولار، والذي احتفى به البعض، لا يعكس بالضرورة نجاحاً حكومياً بقدر ما يعكس حالة من الترقب والهدوء الحذر الناتج عن تفاهمات مالية هشة. المحلل السياسي فيصل بو الرايقة يضع النقاط على الحروف حين يحذر من “الاستهانة بجغرافيا ليبيا وتركها في يد سياسيين يفتقدون الرؤية”، مشيراً إلى أن الموقع الجيوسياسي للبلاد ليس مجرد تفصيل بل هو مصدر قوة يُهدر بفعل إدارة غير مؤهلة.

وتتفاقم المأساة الاجتماعية في ظل غياب أي أفق للمصالحة الوطنية، وهو الملف الذي عُهد به إلى المجلس الرئاسي. يقر العبدلي بأن جهود المجلس في هذا الصدد لم تحقق أي نتائج ملموسة، مؤكداً أن المشكلة ليست مجتمعية بل هي سياسية وعسكرية في جوهرها. إن عجز المجلس عن جمع الفرقاء على مائدة واحدة، أو حتى عقد لقاء في مدينة سرت أو سبها، يعكس حالة العقم السياسي التي تعيشها هذه الأجسام المنقسمة أصلاً على نفسها.

بين مطرقة الأمم المتحدة وسندان المبادرات الدولية: أزمة قيادة بلا أفق

وسط هذا المشهد القاتم، تحاول البعثة الأممية التأكيد على أن “خارطة الطريق التي تقودها تمثل المسار السياسي الوحيد”. ولكن هذا التصريح، الذي يأتي على لسان المتحدث باسم البعثة محمد الأسعدي، ينم عن قلق من المبادرات الدولية الموازية، وعلى رأسها التحركات الأمريكية بقيادة مسعد بولس. يرى المحلل السياسي السنوسي إسماعيل أن الحوار المهيكل قد يكون أداة مهمة “شريطة أن يُدار وفق أسس واضحة”، لكنه يحذر من أن غياب الدعم الدولي الملزم، خاصة من مجلس الأمن، قد يجعل مخرجاته حبراً على ورق.

المشكلة الكبرى تكمن في طبيعة السلطة القائمة. فالحكومة التي يفترض أن تكون طرفاً محايداً في تسهيل الحوار، تتحول إلى طرف معني بتعطيله خشية فقدان مكاسبها. يعلق العبدلي بأن نتائج الحوار تبدو “جاهزة مسبقاً”، وأن الحل الحقيقي يتطلب “نجاحاً في المسار السياسي” الذي يظل عقيمًا بفعل إصرار الدبيبة على البقاء في السلطة، وعدم قدرة المجلس الرئاسي على لعب دور الحكم.

أستاذ الاقتصاد عاطف الحاسية يضع إصبعه على الجرح حين يربط بين سوء استخدام الموارد وارتفاع معدلات الوفيات على الطرقات بسبب ضعف البنية التحتية. إنه مؤشر دامغ على أن غياب الرؤية السياسية لا يقتصر أثره على تدهور العملة، بل يمتد ليحصد أرواح الليبيين يومياً على طرق مهترئة. إن استمرار دعم الوقود بأسعار زهيدة، في ظل ميزانية منفلتة، يخلق اقتصاداً ريعياً مشوهاً يغذي الفساد والتهريب، فيما يعجز المواطن عن الحصول على أبسط مقومات الحياة الكريمة.

خاتمة: الطريق المسدود ما لم تتغير المعادلة

بينما تمضي جلسات الحوار المهيكل قدماً، يظل السؤال الجوهري معلقاً: هل يمكن لهذه الآليات أن تنجح في بناء مؤسسات موحدة وخاضعة للمساءلة في ظل وجود سلطة تنفيذية منتهية الولاية ترى في استمرار الفوضى والانقسام ضمانة لبقائها؟ الإجابة تكاد تكون واضحة في عيون الليبيين المنهكين.

إن رؤية المصرف المركزي التي قدمها المحافظ ناجي عيسى لصندوق النقد الدولي، والتي تقوم على “مراجعة شاملة للسياسات النقدية والتجارية والمالية”، تظل حبيسة الأدراج ما لم تقترن بإصلاح سياسي جذري يزيح هذه المنظومة الحاكمة من المشهد. فالمؤسسة النقدية قد تنجح في استعادة الدينار لبعض قوته بشكل مؤقت، ولكنها لا تستطيع وحدها أن توقف نزيف الفساد أو تعيد بناء الثقة.

الناشط السياسي سعد الدينالي يوجز الحل في كلمات عندما يقول إن “المشكلة جوهرها الانقسام السياسي الذي ينعكس على إدارة الموارد”. إن أي اتفاق مالي، مهما بلغت درجة تفاؤل الخبراء به، سيظل “عرضة للتعثر أو التراجع” ما لم يُستكمل بحل سياسي يزيح حكومة الأمر الواقع ويوحد السلطة التنفيذية. ليبيا، بموقعها الجيوسياسي وثرواتها، ليست بحاجة إلى مزيد من “الحوار المهيكل” بقدر حاجتها إلى “تغيير مهيكل” في قياداتها التي أثبتت الأيام عجزها عن إخراج البلاد من نفقها المظلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى