أخبار العالمليبيا

في غياب الدولة وحضور الفساد: مرضى زراعة الأعضاء بين مطرقة الإهمال وسندان انتهاء الصلاحية السياسية

ليبيا 24

عبدالعزيز الزقم

ليبيا: موت بطيء يهدد مئات زارعي الأعضاء بنقص الأدوية


في مشهد يجسد بعمق مأساة الوطن الذي تآكلت مؤسساته وتلاشت أولوياته، يقف مئات الليبيين ممن خضعوا لعمليات زراعة الكلى والكبد على حافة هاوية لا تقل خطراً عن فوهة بركان. إنهم ليسوا ضحايا مرض عضال فحسب، بل هم اليوم رهائن لأزمة دواء خانقة تُنذر بفقدانهم العضو الذي حصلوا عليه بشق الأنفس بعد معاناة طويلة مع الغسيل الكلوي. في هذه الأثناء، وبينما تتعالى صرخات المرضى وأسرهم، يبدو المشهد السياسي غارقاً في صراع البقاء على كراسي السلطة، حيث تتقاذف حكومة عبدالحميد الدبيبة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي مسؤولية هذا الانهيار الصحي، في مسرحية عبثية عنوانها العريض: “لا أحد مسؤول“.

جريمة صامتة على وقع نقص “بلاغراف” و”مايفورتك”

كشف تصريح محمود أبودبوس، رئيس منظمة التبرع بالأعضاء، عن حقيقة دامغة تتجاوز مجرد أزمة نقص في سلسلة الإمداد الدوائي. إنها شهادة وفاة معنوية تسبق الوفاة الجسدية لمئات المواطنين. تأكيده أن دواء “بلاغراف” و”المايفورتك” – وهما يمثلان خط الدفاع الأخير لمنع جهاز المناعة من مهاجمة العضو المزروع ورفضه – غير موجودين في صيدلية الهيئة الرسمية بطرابلس، ليس خبراً عادياً. إنه ناقوس خطر يدق في أذن ضمير مات أو غُيّب قسراً.

الطامة الكبرى، وفقاً لأطباء في مركز طرابلس الطبي، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم خشية البطش الإداري، أن غياب هذه العقاقير لا يعني مجرد شعور بالتوعك، بل يعني فشلاً محتوماً للعملية الزراعية. عندما يفقد جسد المريض قدرته على “تقبل” العضو الجديد بسبب نقص المثبطات المناعية، يبدأ الجسم في تدمير الكلية أو الكبد المزروع في عملية أشبه بـ”الانتحار البيولوجي”. وحينها، يعود المريض إلى نقطة الصفر، إلى كرسي الغسيل الدموي القاسي، إذا ما حالفه الحظ ونجا من تسمم الدم أو الفشل التام. إنها جريمة قتل غير مكتملة الأركان، تحدث على مرأى ومسمع من حكومة تدّعي السيطرة على العاصمة وتصر على البقاء في منصبها رغم انقضاء ولايتها بموجب الاتفاق السياسي.

في غياب الدولة وحضور الفساد: مرضى زراعة الأعضاء بين مطرقة الإهمال وسندان انتهاء الصلاحية السياسية
في غياب الدولة وحضور الفساد: مرضى زراعة الأعضاء بين مطرقة الإهمال وسندان انتهاء الصلاحية السياسية

الدهاليز المظلمة: أين ذهبت الميزانيات وأين يقبع جهاز الإمداد؟

السؤال الذي يطرحه المرضى وعائلاتهم بإلحاح، ولا يجد إجابة من قصر السرايا أو من مجلس مفوضي الرئاسي، هو: أين ذهبت الأموال المخصصة لشراء هذه الأدوية الحيوية؟ جهاز الإمداد الطبي، وهو الكيان الوحيد المخول بشراء الأدوية وتوزيعها على المستشفيات والمراكز التخصصية، يغرق في مستنقع من الاتهامات بالفساد وسوء الإدارة والبيروقراطية القاتلة. وبينما يتراشق المسؤولون التهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تظل الرفوف فارغة.

الناقد للشأن الصحي الليبي، الدكتور سالم العويب، يرى في هذا التقصير انعكاساً لخلل بنيوي في هيكل الحكم الحالي. يقول العويب في تحليله: “ما يحدث ليس مجرد عجز مالي، فليبيا ليست مفلسة، بل العكس. المشكلة أن الأولويات معكوسة تماماً. حكومة الدبيبة تنفق المليارات على بند المرتبات المنفوخ والترضيات السياسية والمواكب الإعلامية الفارغة، بينما يُترك مريض الزرع يواجه مصيره وحيداً. هذا ليس فشلاً إدارياً، بل هو انحدار أخلاقي في سلم المسؤولية.”

وأضاف العويب: “المجلس الرئاسي، بصفته رأس السلطة التنفيذية بحسب الإعلان الدستوري، يمتلك الأدوات القانونية لمحاسبة جهاز الإمداد وتوجيه الحكومة لتحويل الاعتمادات المالية بشكل طارئ. لكن يبدو أن الانشغال بترتيبات الانتقال السياسي والصراع الخفي مع رئيس الحكومة قد سرق كل شيء، حتى القدرة على إنقاذ مريض من موت محقق.”

وجع في القلب: حكايات من خلف أبواب الغرف المغلقة

خلف الأرقام الرسمية والإحصاءات الجافة، ثمة حكايات إنسانية تدمي القلوب. التقت هذه الصحيفة بعدد من المواطنين المتضررين في محيط مركز زراعة الأعضاء بطرابلس، حيث تحول المكان إلى ما يشبه “غرفة انتظار للمجهول”.

المواطن عبدالسلام الطاهر (54 عاماً)، وهو أب لخمسة أبناء أجرى عملية زرع كلية قبل عامين بعد تبرع شقيقه له، تحدث بمرارة وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه: “والله العظيم يا بني، رجعت أتوجع مثل ما كنت قبل الزراعة. الضغط عندي طاير، والجسم صاير يرفض الكلية. رحت للصيدلية قالي ما فش دواء. قلتله طيب إيش نعمل؟ قال روح دور بره. يعني ندفع ألفين دينار في العلبة الوحدة، وأنا راتبي التقاعدي متقطع؟ الحكومة فين؟ الدبيبة كل يوم طالع في قناة يحلف إن الخدمات زينة والناس مرتاحة. نحن مرضى الكلى نموت بالسكات؟ حسبي الله ونعم الوكيل في كل مسؤول ساكت.”

أما أم محمد، وهي سيدة في العقد الخامس ترافق زوجها الذي أجرى زراعة كبد قبل ثمانية أشهر، فكانت مشاعرها مزيجاً من الغضب والخوف: “زوجي بدأ يصفار لونه مرة ثانية، والعين صفرة. الدكاترة قالوا ما نقدرش نعمل شي بدون دواء المايفورتك. قلبي يتقطع عليه وهو يتألم. يا حكومة يا مجلس رئاسي، فين الرحمة؟ هل أنتم بشر مثلنا؟ هل أولادكم يمرضون؟ والله لو أن ابن مسؤول كبير مريض، لطاروا بالطيارات وجابوا الدواء من المريخ. لكن إحنا عامة الشعب، موتنا رخيص.”

هذه الشهادات المباشرة لا تحتاج إلى تفسير أو تحليل سياسي معقد. إنها تفضح فجوة الثقة الهائلة بين المواطن الليبي الذي يسعى للبقاء على قيد الحياة، وبين طبقة سياسية تتصارع على المكاسب والمناصب، متخذة من معاناة الناس وقوداً لبقائها.

منظور معارض: الفشل في طرابلس مرآة لانهيار الشرعية الأخلاقية

أزمة دواء زارعي الأعضاء ليست حدثاً منعزلاً، بل هي تتويج لسلسلة طويلة من الإخفاقات الممنهجة في إدارة الشأن العام غرب البلاد. يرى المراقبون أن حكومة الدبيبة استنفدت كل مبررات وجودها. فبعد فشلها الذريع في إجراء الانتخابات الوطنية في ديسمبر 2021، وهو المبرر الوحيد لتشكيلها وتمديدها، تحولت الحكومة إلى كيان بيروقراطي عقيم، يستنزف خزينة الدولة دون أن يقدم الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.

ويرى متابعون أن أسلوب الدبيبة القائم على “شراء الولاءات” عبر توزيع الأموال والامتيازات على الميليشيات المسلحة والقوى الاجتماعية المسيطرة في طرابلس، قد أفقر الخدمات الصحية والتعليمية. ففي الوقت الذي تُصرف فيه مليارات الدنانير على “باب الحركة” وبنود التسويات المالية المشبوهة، يختنق مرضى الكلى لأن خزائن الدولة لا تستطيع توفير دواء لا يتجاوز ثمنه في السوق الموازية بضع مئات من الدولارات. هذا التناقض الصارخ يكشف، بحسب المراقبين، أن الأولوية لدى هذه السلطة ليست حياة الليبيين، بل استمرار وجودها السياسي غير الشرعي.

أما المجلس الرئاسي، الذي يرأسه محمد المنفي، فيتحمل بدوره قسطاً كبيراً من المسؤولية الأخلاقية والسياسية. فبصفته الجهة التي يفترض أنها “ضامن للاستقرار” و”جامع للفرقاء”، فإنه يقف عاجزاً أو متفرجاً على هذا الانهيار الخدمي. صمت المجلس الرئاسي إزاء هذه الفاجعة الصحية يُفسره خصومه السياسيون بأنه ثمن للهدنة الهشة مع رئيس الحكومة، خوفاً من أي تحرك قد يطيح بالتوازنات القائمة في الغرب الليبي ويؤدي إلى تصعيد عسكري جديد. وهكذا، يبدو أن حياة مئات من ضعفاء القوم هي القربان الذي يُقدّم على مذبح الاستقرار الهش.

بين عنبر المرضى ودهاليز السياسة

في الطابق الثالث من مركز زراعة الأعضاء بطرابلس، لا أحد يهتم كثيراً بمن هو رئيس الحكومة أو من يسيطر على المجلس الرئاسي. هناك، وفي ظل ضجيج أجهزة مراقبة الضغط ورائحة المطهرات، ينشغل الجميع بسؤال واحد وجودي: هل ستصل علبة الدواء قبل فوات الأوان؟ بينما يجيب محمود أبودبوس على أسئلة الصحفيين محذراً من أن الأوضاع تجاوزت الخطوط الحمراء، لا يبدو أن صوته يصل إلى مسامع من بيدهم القرار. فحين تتعالى أصوات السياسيين في قاعات المؤتمرات الفاخرة حول “توحيد المؤسسة العسكرية” أو “حوكمة الإيرادات النفطية”، تظل أصوات مئات المرضى وهي تلهث بحثاً عن “بلاغراف” مجرد همس خافت في ضوضاء مشهد ليبي مأزوم.

تبقى الحقيقة المرة أن انتهاء الولاية السياسية في ليبيا لم يعد مجرد خلاف دستوري، بل تحول إلى لعنة وجودية. إنه انتهاء صلاحية حكومة ومجلس رئاسي فقدا بوصلة العمل ومعيار الإنسانية، تاركين وراءهما جثثاً تلفظها الأجساد الرافضة لأعضائها المزروعة، في مجازر صامتة ترتكب بحق أغلى ما يملكه الليبي اليوم بعد أن فقد كل شيء: حقه في الحياة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى