ليبيا

بوابة الجوع: لماذا أصبحت وجبة الدجاج حلماً بعيد المنال في ليبيا؟

حكومة منتهية الصلاحية ترى غلاء يهدد السلم الأهلي

ليبيا 24- عبدالعزيز الزقم:

انهيار القدرة الشرائية الليبية تحت وطأة تضخم غذائي قياسي

في الوقت الذي تلهث فيه أروقة السياسة في طرابلس بصراعات البقاء على كرسي السلطة، وتوزيع المغانم بين كيانات فقدت شرعيتها الانتخابية منذ أمد بعيد، تدور رحى معركة من نوع آخر في البيوت الليبية.

إنها معركة البقاء على قيد الحياة، ليس في وجه الرصاص، بل في وجه سعر كيلو الدجاج الذي قفز بنسبة صادمة بلغت اثنين وتسعين في المئة خلال الربع الأول وحده من عام ألفين وستة وعشرين.

بينما ينشغل رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، في ترتيب أوراق المشهد السياسي المتعثر، يغرق الليبيون في تفاصيل يومية قاسية تبدأ من السوق وتنتهي بصحن فارغ.

هذه ليست مجرد أزمة أسعار عابرة، بل هي شهادة إفلاس رسمية لنظام حكم يدير الأزمة بذهنية المحاصصة لا بمنطق الدولة، ويواجه تضخماً شرساً بأدوات تعود لعهود السوق السوداء والاقتصاد الموازي.

بوابة الجوع: لماذا أصبحت وجبة الدجاج حلماً بعيد المنال في ليبيا؟

في مشهد يعكس عمق المأساة الاقتصادية، تحول ما كان يعرف بـ “لحم الفقراء” إلى سلعة كمالية يعجز عنها أصحاب الدخل المحدود.

لم يعد المواطن الليبي يتساءل عن جودة الدجاج أو مصدره، بل أصبح شغله الشاغل هو هل يستطيع شراءه أم لا.

خلال الربع الأول من هذا العام، ارتفع متوسط سعر كيلو الدجاج الوطني من نطاق يتراوح بين أحد عشر وسبعة عشر ديناراً، ليستقر عند حاجز الخمسة وعشرين ديناراً كحد أدنى، متجاوزاً في بعض المناطق النائية سقف التسعة وعشرين ديناراً.

هذه الأرقام لا تعبر فقط عن موجة تضخم عاتية، بل تكشف عن هشاشة منظمة في جسد الاقتصاد الليبي الذي يديره المسؤولون حالياً.

إنها حصيلة طبيعية لإدارة تغفل عن حقيقة أن هذا القطاع الحيوي يعتمد بنسبة تتجاوز الثمانين في المئة على مدخلات مستوردة من خارج البلاد، من “جدود” الدواجن والأعلاف وحتى الأمصال واللقاحات البيطرية.

سلة غذاء معطوبة: من حقول الذرة الأوكرانية إلى جيوب الليبيين الفارغة.

يروج بعض المقربين من دوائر الحكومة منتهية الولاية بأن الأزمة “مستوردة”، زاعمين أن التوترات الجيوسياسية العالمية وارتفاع تكاليف الشحن البحري بسبب أزمات الملاحة هي السبب الوحيد.

صحيح أن تأخر وصول سفن الذرة الصفراء وفول الصويا من موانئ البحر الأسود وأميركا الجنوبية إلى مصراتة وطرابلس قد رفع كلفة التأمين والنولون البحري، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح على صناع القرار في حكومة عبدالحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي هو: أين هي الحلول الاستباقية؟ لماذا لم يتم تفعيل المخزون الاستراتيجي للأعلاف؟ ولماذا تركت سوق الصرف نهباً للمضاربين في أزقة المدينة القديمة بطرابلس بدلاً من أن تكون أداة سيادية بيد مصرف ليبيا المركزي الموحد؟ إن إلقاء اللوم على العوامل الخارجية وحدها هو هروب من المسؤولية المباشرة عن فشل السياسات النقدية والمالية.

فعندما ترتفع تكلفة قنطار علف “الناهي” من ثلاثمئة وخمسة دنانير إلى ثلاثمئة وثمانين ديناراً في غضون أسابيع، فهذا يعني أن شبكة الأمان الاجتماعي التي يفترض أن توفرها الدولة قد تمزقت تماماً.

في غياب الرقيب: سوق سوداء للعملة تهيمن على أطباق المواطنين.

يكمن اللغم الحقيقي في تذبذب سعر صرف الدينار الليبي. إن اعتماد السوق على سعر الصرف غير الرسمي في تسعير السلع، وهو أمر تغض الطرف عنه الجهات التنفيذية، يحول كل ارتفاع طفيف في الدولار في السوق الموازية إلى زلزال في أسواق الخضار واللحوم.

المنتج المحلي، الذي يفترض أن يكون درع الأمان في الأزمات، أصبح رهينة لعملة ورقية خضراء يتحكم فيها سماسرة ومضاربون لا يمتلكون حساً وطنياً.

الأكثر إيلاماً هو أن هذه الآلية تفيد شبكات مصالح محدودة تستورد السلع بعملة مدعومة أو بنظام الاعتمادات المستندية الملتبس، ثم تسعرها في السوق المحلي وفقاً لسعر السوق السوداء، محققة أرباحاً طائلة على حساب دماء الليبيين وجوعهم.

بينما يدلي رئيس الحكومة منتهية الولاية بتصريحات متفائلة عن “الاستقرار” و”المشروعات القادمة”، يدفع المواطن ضريبة فشل ضبط السياسة النقدية من لحمه ودمه.

نار تحت الرماد: كيف حوّلت سياسات الإنفاق العشوائي الدعم إلى نقمة؟

إن الزيادة في أسعار الدواجن لم تأت من فراغ، بل هي نتاج تراكمي لسياسات مالية عقيمة. ففي الوقت الذي توسعت فيه حكومة الدبيبة في بند الإنفاق العام، وتحديداً في باب المرتبات والتوظيف العشوائي، لضمان استمرار الولاءات السياسية، كان التضخم يلتهم قيمة الدينار في جيب المواطن.

إن ضخ سيولة نقدية هائلة دون غطاء إنتاجي حقيقي هو بمثابة إغراق السوق بالوقود وهو يشتعل، المواطن الذي استفاد من زيادة في الراتب سرعان ما تبخرت تلك الزيادة في فاتورة الغذاء.

هذا النموذج الاقتصادي الريعي القائم على توزيع الريع النفطي عبر رواتب هزيلة ودعم مشوه أثبت فشله الذريع.

المشهد في سوق الخضار، حيث يتجاوز سعر كيلو الطماطم عشرة دنانير متجاوزاً سعر العديد من الفواكه المستوردة، هو دليل دامغ على أن غياب التخطيط الزراعي وضعف الإرشاد وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل قد حول البلاد إلى سوق مفتوحة لمنتجات الآخرين.

استقالة الدولة: عندما يتحول ضبط الأسعار إلى مهزلة في الشوارع الخلفية.

رد فعل السلطات، ممثلة في حكومة الدبيبة والمجالس البلدية الموالية للمجلس الرئاسي، جاء باهتاً ومستهجناً محاولات الحرس البلدي فرض تسعيرة جبرية بأربعة دنانير لكيلو الطماطم في بعض بنغازي، بينما الواقع يقول غير ذلك في طرابلس ومناطق الغرب، تكشف عن انفصام تام في جسم الدولة.

هذا التضارب في الإجراءات بين شرق البلاد وغربها ليس نتاج الجغرافيا، بل هو نتاج الانقسام السياسي الذي تغذيه حكومة الدبيبة بإصرارها على شرعيتها المنتهية.

إن التسعيرة الجبرية دون توفير بدائل إنتاجية ودون ضبط المنافذ الحدودية لمنع التهريب، ما هي إلا محاولة للتنصل من المسؤولية وإلقائها على عاتق التاجر الصغير.

التاجر الصغير بدوره يتحول إلى ضحية، فهو يشتري من المحتكر الكبير بأسعار نار، فيضطر لبيعها بهامش ربح بسيط ليواجه غضب الجمهور وحملات المقاطعة الشعبية.

وهكذا، يدور الجميع في حلقة مفرغة، والحكومة تقف في المنتصف كمتفرج أخرس.

أصوات من تحت الأنقاض: الغضب يتصاعد من زنقة الكسكسي إلى أزقة بنغازي.

في خضم هذا العجز الرسمي، انطلقت حملات شعبية عبر الشبكات الاجتماعية تحت شعارات مثل “خليها تصدي” و”لا تشترِ الطماطم”، في محاولة يائسة لتأديب السوق. هذه الحملات، رغم بساطتها، تحمل دلالات خطيرة على صبر المواطن الذي بدأ ينفد.

يقول أبو عجيلة، وهو رب أسرة من منطقة تاجوراء: “السياسيون يتقاتلون على الكراسي ونحن نتقاتل على كيس الطماطم.

الدبيبة يقول لنا الأوضاع بخير، ولكن انظر في عيني طفلتي وهي تسأل عن الدجاج” هذا المزيج من الألم والسخرية يعبر عن شرخ عميق بين النخبة الحاكمة والمحكومين.

إن انعزال المجلس الرئاسي وحكومته في أبراجهم العاجية عن معاناة الأسواق الشعبية هو الخطر الحقيقي الذي يهدد السلم الأهلي. فالجوع لا يعرف السياسة، ولكن ثورته قد تطيح بكل الحسابات.

شهادة وفاة الطبقة الوسطى: تسعون في المئة زيادة خلال ربع عام فقط.

الزيادة بنسبة اثنين وتسعين في المئة في أسعار الدواجن لم تقتل فقط الأمل في لقمة عيش كريمة، بل وجهت الضربة القاضية لما تبقى من الطبقة الوسطى الليبية.

هؤلاء الذين كانوا يمثلون صمام الأمان الاجتماعي وعماد الاستقرار وجدوا أنفسهم فجأة أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستغناء عن البروتين الحيواني والاتجاه نحو الدجاج المجمد المستورد، الذي يقل سعره عن المحلي بنحو خمسة وثلاثين في المئة، رغم الاشتباه في جودته وسلامته الصحية، أو الاقتراض لسد رمق الأبناء.

هذا التآكل المتسارع للقدرة الشرائية، في ظل غياب تام لأي رؤية حكومية من جانب رئيس الوزراء منتهي الولاية والمجلس الرئاسي، ينذر بكارثة إنسانية صامتة.

إن مواصلة تجاهل هذه الأزمة بحجة أن الأولوية هي للملف السياسي أو لترتيب لقاءات خارجية هو ترف لا يملكه الليبي الذي يقف في طابور الخبز صباحاً وطابور السخط مساءً.

الأرقام التي أظهرت وصول سعر بعض أصناف اللحوم الحمراء إلى تسعين ديناراً للكيلو الواحد في أسواق العاصمة ليست مجرد مؤشرات اقتصادية جافة، بل هي دوي إنذار مبكر لعاصفة اجتماعية قادمة، عاصفة لن يوقفها لا الحراسة المشددة على المقار الحكومية ولا المناورات الإعلامية العقيمة.

في نهاية هذا المشهد القاتم، يبقى اليقين الوحيد هو أن استمرار إدارة الأزمة بنفس العقلية التي تدير بها حكومة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي شؤون البلاد لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار.

الليبيون ليسوا بحاجة إلى بيانات شجب واستنكار، ولا إلى تسعيرات وهمية على ورق الجرائد الرسمية، هم بحاجة ماسة إلى دولة قادرة على ضبط إيقاع السوق، دولة تحمي عملتها من عبث المضاربين، دولة تخطط لزراعة الذرة بدلاً من انتظار وصولها في مراكب تجوب بحاراً مضطربة.

وحتى ذلك الحين، ستبقى موائد الليبيين شاهدة على فشل نخبة سياسية تلهث خلف سراب السلطة بينما الشعب يلهث خلف لقمة العيش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى