ليبيا

العمال في ليبيا.. بين ضغوط المعيشة وتحديات الحقوق الوظيفية

تفاوت في تطبيق القوانين وتزايد المخاوف من فقدان الاستقرار المهني

في الوقت الذي يحتفي فيه العالم بعيد العمال، يواجه العمال في ليبيا واقعًا مغايرًا تتداخل فيه التحديات الاقتصادية مع هشاشة الأطر القانونية وضعف منظومة الحماية الاجتماعية، ما يحوّل المناسبة من احتفال بالإنجاز إلى محطة لتسليط الضوء على أزمات متراكمة.

وتبرز قضايا الفصل التعسفي، وتأخر المرتبات، وتراجع فرص التشغيل، كأهم التحديات التي تطال شريحة واسعة من العاملين، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى التزام المؤسسات بحماية حقوقهم، ودور الجهات الرسمية في ضمان بيئة عمل مستقرة وعادلة.

واقع معيشي ضاغط ومخاوف متصاعدة

وصفت رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال ليبيا، نرمين الشريف، حال العامل الليبي بأنه “صراع يومي من أجل العيش”، مشيرة إلى أن الضغوط المعيشية وتفاقم الأوضاع الاقتصادية دفعت كثيرًا من العمال إلى حافة الانهيار، سواء بسبب انقطاع الرواتب أو غيابها بالكامل.

وأكدت أن بيئة العمل الحالية تفتقر إلى الأمان الوظيفي والضمانات الحقيقية، لافتة إلى أن العامل يعيش بين مخاوف مستمرة من فقدان مصدر دخله، في وقت تتزايد فيه متطلبات الحياة.
واعتبرت أن الأول من مايو لم يعد مناسبة للاحتفال، بل يومًا لاستحضار معاناة العمال وحقوقهم غير المنجزة.

كما أشارت إلى جملة من الإشكاليات، من بينها تطبيق جدول مرتبات موحد بشكل غير منصف، وغياب علاوات الخطر، وعدم التمييز بين المهن الشاقة، إضافة إلى حالات النقل القسري وترك عمال الشركات المتعثرة دون حلول واضحة.

اختلالات قانونية وتفاوت في التطبيق

من جانبه، أوضح نقيب العاملين بالشركة الليبية للتبغ، عماد القاجيجي، أن تراجع الاستقرار الاقتصادي وانقسام المؤسسات انعكس بشكل مباشر على سوق العمل، حيث بات العامل منشغلًا بتأمين احتياجاته الأساسية في ظل تعثر عدد من الشركات.

وأشار إلى أن القوانين المنظمة للعمل، بما في ذلك القانون رقم 12 لسنة 2010، تُطبق بشكل متفاوت بين المؤسسات، ما خلق فجوة في الاستفادة من الحقوق، خصوصًا فيما يتعلق بالإجازات والامتيازات الوظيفية.

وأضاف أن بعض الإدارات تستخدم اللوائح بشكل انتقائي، ما يعرض العمال لضغوط إضافية، تصل في بعض الحالات إلى الفصل التعسفي أو الإحالة إلى المساءلة الإدارية دون ضمانات كافية.

ودعا إلى ضرورة تحديث التشريعات بما يتماشى مع المعايير الدولية، وتطوير بيئة العمل عبر نماذج إدارية حديثة، إلى جانب تعزيز منظومة الضمان الاجتماعي وإقرار عقود عمل واضحة تكفل حقوق الطرفين.

درنة.. نموذج للتعافي وإعادة البناء

في موازاة هذه التحديات، تبرز مدينة درنة كنموذج مختلف يعكس مسارًا نحو التعافي، بعد أن شهدت دمارًا واسعًا جراء الإعصار الذي ضربها، إلى جانب ما خلفته سنوات من الاضطرابات الأمنية.

فقد شهدت المدينة خلال الفترة الأخيرة تنفيذ مشاريع عمرانية وخدمية واسعة، شملت إنشاء وحدات سكنية جديدة وتطوير البنية التحتية، ما أسهم في تحسين الظروف المعيشية وفتح فرص عمل جديدة، ولو بشكل تدريجي.

ويمثل هذا التحول مؤشرًا على إمكانية توظيف جهود إعادة الإعمار في دعم سوق العمل، وخلق بيئة أكثر استقرارًا للعمال، في حال تم توسيع هذه التجارب لتشمل مناطق أخرى.

دعوات للإصلاح وتعزيز التمثيل النقابي

على مستوى العمل النقابي، انتقد القاجيجي تعدد الاتحادات العمالية، معتبرًا أن هذا التشتت أضعف قدرة العمال على تشكيل قوة ضغط موحدة للدفاع عن حقوقهم، في ظل ما وصفه بسياسات متراكمة منذ عام 2011.

وتتفق هذه الرؤى مع مطالب متزايدة بفتح حوار اجتماعي جاد بين الحكومة والنقابات، بهدف معالجة الاختلالات القائمة، ووضع حلول مستدامة تضمن استقرار العمال وتحسين أوضاعهم المعيشية.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى ملف العمال في ليبيا أحد أبرز التحديات التي تتطلب مقاربة شاملة، توازن بين الإصلاح الاقتصادي وتعزيز الحماية الاجتماعية، بما يضمن بيئة عمل تحفظ الكرامة وتدعم الاستقرار..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى