إسبانيا تسحق مزاعم الدبيبة.. “كوكايين القرن” لم يكن لليبيا
تصريحات مدريد تقتل "بطولة" الدبيبة الوهمية في مهب الأطلسي
ليبيا 24:
في عملية كشفت هشاشة الخطاب السياسي في غرب ليبيا بقدر ما كشفت وحشية تجارة المخدرات العالمية، أطاحت تصريحات وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، بمحاولة رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، استثمار قضية ضبط شحنة الكوكايين التاريخية.
فبينما سارع الدبيبة إلى ارتداء عباءة رجل الدولة الغيور على أمن الوطن، عبر فتح تحقيقات شكلية وتوجيه اتهامات مبطنة، جاءت الحقائق من مدريد لتؤكد أن الشحنة العملاقة، التي تزن أكثر من ثلاثين طناً، لم تكن متجهة إلى أي ميناء ليبي على الإطلاق، في مشهد جسّد إخفاقاً سياسياً مدوياً، وفضح ألاعيب حكومة تتصارع على البقاء أكثر مما تحارب الجريمة.
تفاصيل “عملية الهاوية”: كمين في مياه الأطلسي
لفهم أبعاد الإحراج الذي تعرض له الدبيبة، لا بد من تفكيك الرواية الإسبانية الرسمية التي لا تقبل التأويل.
ففي مؤتمر صحفي بدا خلاله الوزير مارلاسكا حاسماً وممسكاً بكل الخيوط، روى تفاصيل عملية “أبيسال” التي نفذها الحرس المدني الإسباني. الحكاية لم تبدأ في ليبيا، بل في تحقيق معقد قادته الوحدة المركزية للعمليات حول منظمة “موكرو مافيا” سيئة الصيت، والمتخصصة في إغراق أوروبا بسموم الكوكايين.
انطلقت سفينة الحاويات “أركونيان” من سواحل غرب أفريقيا، وتحديداً من سيراليون، محملة ليس فقط بـ1279 رزمة من الكوكايين النقي، بل أيضاً بكميات هائلة من الوقود موزعة على أكثر من ألفي عبوة، في ترتيب لوجستي لا يهدف إلى دخول ميناء تجاري رسمي.
كان المخطط، وفقاً للتحقيقات الإسبانية، أن تجري عملية التسليم في عرض البحر، في المياه الدولية، إلى زوارق سريعة تعمل في ظلام المحيط.
هذا الأسلوب المتقن، الذي يتطلب حراساً مسلحين بأسلحة هجومية مثل بنادق “إم فور” ومسدسات “غلوك” لصد أي محاولة سطو من عصابات منافسة، لا يمت بصلة إلى موانئ الدولة الرسمية التي تخضع لإجراءات تفتيش معقدة.
وفي الأول من مايو، جنوب جزر الكناري، نفذت قوة خاصة من الحرس المدني اقتحاماً مباغتاً للسفينة.
وتم تحييد ستة حراس مسلحين كانوا على أهبة الاستعداد، وضبط الشحنة التي توصف بأنها الأكبر في تاريخ القارة الأوروبية.
ومنذ تلك اللحظة، أصبحت مدريد المصدر الوحيد الموثوق للمعلومات، وأصبح أي تأويل خارج نطاق روايتها مجرد فرقعات سياسية فارغة.
سقطة مكشوفة: عندما حاول الدبيبة ركوب موجة لم توجد
في خضم هذه التفاصيل الدولية الدقيقة، برز مشهد في العاصمة طرابلس بدا أقرب إلى مسرحية هزلية منه إلى إجراء سيادي.
فبمجرد أن التقطت بعض وسائل الإعلام تقارير أولية غير دقيقة تزعم أن السفينة كانت في طريقها إلى أحد الموانئ الليبية، سارع رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، إلى إصدار توجيهات رسمية. لقد أراد أن “يزيّط”، كما يقول التعبير الدارج، مستغلاً أي خبر يربط شرق ليبيا بالجريمة الدولية.
وفي بيان متسرع، وجه الدبيبة النائب العام، والمكلف بتسيير وزارة الخارجية، ومدير مصلحة الجمارك، ومدير الإنتربول، للتحرك والتواصل مع إسبانيا. وكان الهدف واضحاً: خلق انطباع بوجود تهديد يستهدف ليبيا، وتصوير نفسه على أنه الحارس الأمين الذي يتصدى لهذا الخطر.
لقد أراد الدبيبة بهذه الرقصة السياسية استثمار الحدث لضرب خصومه في بنغازي، متوهماً أن المسار المعلن للسفينة قبل اعتراضها، والذي كان يشير اسمياً إلى وجهة ليبية، سيكون كافياً لإشعال عاصفة إعلامية ضد الجيش الوطني وقيادة الشرق، متهماً إياهم بالتقصير أو ما هو أبعد.
لكن الرياح لم تجرِ كما تشتهي سفن الدبيبة السياسية. فالتصريحات المدوية لوزير الداخلية الإسباني، التي أعقبها بيان الناطق الرسمي باسم جهاز مكافحة المخدرات الليبي، الدكتور محمد الفيتوري، قضت على “البروباغاندا” في مهدها.
وقال الفيتوري بوضوح قاطع، نقلاً عن تواصله الرسمي مع السلطات الإسبانية:
“لا توجد أي علاقة لليبيا أو لميناء بنغازي بهذه الشحنة، ولم تكن الشحنة مستهدفة إلى الأراضي الليبية”.
وكانت هذه الجملة بمثابة حكم بالإعدام المعنوي على طموحات الدبيبة.
رد اعتبار الدولة الليبية من الداخل
المتابع للمشهد بموضوعية كان سيلاحظ المفارقة الكبرى: الجهة التي دافعت فعلاً عن سمعة ليبيا وكرسها السيادي لم تكن حكومة الدبيبة، بل مؤسسة رسمية أخرى هي جهاز مكافحة المخدرات.
هذا الجهاز، الذي تربطه علاقات تعاون فاعلة مع نظرائه الدوليين، وأبرزهم الإدارة الأمريكية لمكافحة المخدرات، تولى مهمة جلاء الحقيقة.
لقد كان التواصل بين الجهاز ومدريد قائماً بالفعل قبل ضجة الدبيبة، ما يؤكد أن القنوات الرسمية الفاعلة تعمل بصمت، بينما القنوات السياسية المنتهية الصلاحية تعمل بالضوضاء.
وقد أثبت جهاز مكافحة المخدرات أنه الحارس الحقيقي لأمن ليبيا في هذه القضية، ليس فقط بنفيه القاطع لتورط الموانئ الليبية، بل بشرحه المنطقي للعملية.
وأوضح الدكتور الفيتوري أن الشحنة لم يكن مخططاً تفريغها في ميناء محدد، بل في عرض أعالي البحار، وهو ما ينسجم تماماً مع الرواية الإسبانية.
هذا التفسير أعاد القضية إلى حجمها الطبيعي: ليبيا، بكل مؤسساتها، ضحية محتملة لشبكات إجرامية عابرة للحدود، مثلها مثل أي دولة أخرى تواجه عولمة الجريمة، وليست جزءاً من المؤامرة.
إن الإصرار على نفي أي صلة ببنغازي تحديداً لم يأتِ من باب التبرؤ، بل من باب التأكيد على أن الجريمة لا تسكن مدينة بعينها، بل تحوم حول سواحل العالم المترامية، وأن محاولات جرّ بنغازي إلى مستنقع الاتهامات هي عمل حقير لا يمت للوطنية بصلة.
تشريح العقلية: توظيف الأمن القومي لأغراض البقاء السياسي
إن هذه الحادثة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سلوك رئيس حكومة منتهية الولاية يكافح للبقاء في السلطة بكل الوسائل.
فشل الدبيبة في هذه القضية ليس مجرد خطأ في تقدير المعلومات، بل هو انكشاف لعقلية سياسية تضع الحسابات الضيقة فوق المصلحة الوطنية العليا.
لقد كشفت سرعة توجيهه للتحقيقات عن رغبة دفينة في تصدير أزمته الداخلية. فبدلاً من التركيز على مكافحة الفساد المستشري في حكومته، أو معالجة الانقسام السياسي، أو حتى التعاطي الجاد مع ملفات الجريمة في مناطق نفوذه، فضّل الهروب إلى الأمام عبر اختلاق عدو خارجي.
لقد تصور الدبيبة أن قطار الإدانة السياسية قد انطلق، وأراد أن يكون في مقدمته، غافلاً أن القطار يسير في مسار دائري سيعود به إلى نقطة الصفر.
لقد راهن على أن الغبار الكثيف للعملية الدولية سيحجب الحقيقة، وأن بإمكانه إلصاق تهمة مروعة بخصومه السياسيين في الشرق الليبي دون أن يحرك لهم ساكناً.
لكن المؤسف له أن السلطات الإسبانية، المعنية الأولى بالعملية، لم تمنحه هذا الترف.
فقد التزمت مدريد، بحكم علاقاتها المتوازنة مع كل الأطراف الليبية، الرواية القانونية البحتة، وامتنعت عن المصادقة على الرواية المسيسة.
هذا التصرف من الدبيبة يثير تساؤلات أعمق حول مفهوم السيادة في فكره. فبدلاً من أن تكون ليبيا، كل ليبيا، هي البيت الذي يجب الدفاع عنه من الأخطار الدولية، تحولت في خطابه إلى بيوت متفرقة؛ بعضها يستحق الحماية، وبعضها يستحق الاتهام.
إن الدفاع عن ليبيا، كما يليق بمسؤول على مستوى وطني، يقتضي أولاً تحييد البلاد عن التجاذبات الإقليمية والدولية، لا الزج بها في أتونها.
ويقتضي ثانياً التضامن مع مؤسساتها في الشرق والغرب والجنوب ضد أي خطر خارجي، لا استغلال ذلك الخطر لتسجيل نقاط رخيصة.
حكومة تبحث عن إنجاز في أخبار غيرها
في النهاية، تظل عملية “أبيسال” درساً بليغاً في الفرق بين أفعال الدول ومزايدات السياسيين.
ففي الوقت الذي كان فيه مئات الضباط الإسبان والدوليين يعملون بصمت لإحباط واحدة من أخطر عمليات تهريب السموم، كان فريق الدبيبة منهمكاً في كتابة بيانات وهمية وتوجيهات استعراضية.
لقد أراد أن يحفر اسمه في تاريخ هذه القضية كبطل، فإذا به يضاف كحاشية عابرة في سجل الإخفاق السياسي.
لقد سقطت أقنعة كثيرة في مياه الأطلسي مع رزم الكوكايين سقط قناع الحكومة التي تدّعي الحرص على الأمن القومي بينما هي منشغلة بأمنها السياسي، وسقط وهم القدرة على التلاعب بالرأي العام عبر معلومات مغلوطة.
والأهم من ذلك، ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن ليبيا، بطولها وعرضها، كانت وستظل بعيدة عن منال أولئك الذين يريدون تصدير صورة مشوهة عن مدنها ومؤسساتها الوطنية.
لقد حاول الدبيبة أن “يزيّط”، كما يقال، ليوهم الناس أنه في قلب حدث عالمي، وأنه يمتلك زمام المبادرة. لكن تصريحات إسبانيا الواضحة، التي تلتها توضيحات أجهزة الدولة الليبية المعنية، قضت على هذه “الزيطة” في مهدها، لتعود الحقيقة جلية:
لا علاقة لليبيا أو بنغازي بالشحنة، والتهديد الحقيقي ليس في عرض البحر، بل في عقليات تطفو فوق مستنقع الفشل السياسي وتتغذى على الوهم.



