فوضى طرابلس: رصاص الميليشيات يقتلع الحياة من الملاعب
شرارة كروية تحرق مقر حكومة الدبيبة وتكشف انهيار الدولة
ليبيا 24:
“تشريح الفوضى في ليبيا: رصاصة في خاصرة الوطن”
حينما تسقط الأقنعة في المدرجات
في ليلة الرابع عشر من مايو من عام 2026، لم تكن العاصمة الليبية طرابلس على موعد مع صافرة نهاية مباراة في كرة القدم، بل كانت على موعد مع انهيار أخلاقي وأمني مدوٍ، كشف بما لا يدع مجالاً للشك عن حقيقة المأزق الذي تعيشه البلاد تحت حكم أمراء الحرب والتجار بالدين والسياسة.
ما بدأ كاحتجاج على ركلة جزاء لم تُحتسب في ملعب ترهونة، انتهى بسقوط قتلى، وحرق مقر رئاسة الوزراء، واندلاع مواجهات مسلحة في قلب طرابلس، ليجسد مشهداً بانورامياً لفشل دولة بأكملها.
إن ما جرى ليلة الخميس – الجمعة لم يكن مجرد “شغب جماهيري” كما تحاول البيانات الرسمية الهزيلة وصفه، بل هو انعكاس عنيف ومركز لمسار طويل من تفتيت المؤسسات، وإضفاء الشرعية على الميليشيات، وإدارة الصراع على السلطة بمنطق الغنيمة، وهو نهج يتقاسم مسؤوليته بالتساوي رئيس “حكومة الوحدة منتهية الولاية” عبد الحميد الدبيبة، ورئيس “المجلس الرئاسي” الشكلي محمد المنفي.
سردية الحدث – من صافرة الحكم إلى رصاصة الغدر
وفقاً لشهود العيان ومقاطع الفيديو التي غمرت مواقع التواصل الاجتماعي، تحول ملعب ترهونة البلدي في الدقائق الأخيرة من عمر مباراة ناديي الاتحاد والسويحلي إلى ما يشبه ساحة معركة.
كان فريق السويحلي متقدماً بهدف نظيف عندما طالب لاعبو الاتحاد بركلة جزاء وفجأة، تحول الغضب الرياضي إلى هياج عارم، حيث اقتحمت الجماهير أرضية الملعب، لتشتعل شرارة العنف.
وهنا، يأتي مربط الفرس في هذه المأساة فبدلاً من تدخل أمني منضبط يحتوي الموقف ويحمي الحاضرين، قامت عناصر تابعة لـ “اللواء 444 قتال” – وهي ميليشيا تتبع اسمياً لوزارة الدفاع في حكومة الدبيبة – بإطلاق الرصاص الحي بشكل عشوائي ومكثف على الجماهير واللاعبين.
لم يكن هذا “استخداماً مفرطاً للقوة” فحسب، بل كان تنفيذاً لعقيدة هذه التشكيلات التي لا ترى في المواطن سوى تهديد يجب قمعه، وليس صاحب حق يجب حمايته.
وأظهرت لقطات مروعة إصابة أحد المشجعين، محمد الشفتري، بطلق ناري، وسط أنباء عن وفاته، بينما سقط جندي قتيلاً بنيران زملائه، في مشهد يعكس مستوى العشوائية والارتجال القاتل الذي تدير به هذه الميليشيا شؤون الأمن.
لم تتوقف الكارثة عند هذا الحد، بل طالت الإعلاميين وممتلكاتهم في اعتداء صارخ على حرية الصحافة فقد أصدرت النقابة العامة للإعلاميين الرياضيين بياناً شديد اللهجة أدانت فيه تعرض بعثة قناة “ليبيا الرياضية” للترهيب والتدمير، حيث تم إتلاف معدات البث وسيارات القناة.
إن استهداف الصحفيين بشكل ممنهج في ليبيا لم يعد حادثاً عرضياً، بل أصبح سمة مميزة لنظام يحكم بقمع الحقيقة وإسكات الصوت المعارض، وهو ما يؤكده البيان الاستنكاري للمجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان، الذي وصف ما حدث بأنه “انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني”.
تشريح الأزمة – اللواء 444.. وحش أمني خارج السيطرة
لفهم ما جرى، لا بد من تسليط الضوء على كيان “اللواء 444 قتال” بقيادة العقيد محمود حمزة هذه القوة، التي تتبع رسمياً لوزارة الدفاع في حكومة الدبيبة، هي في حقيقتها ميليشيا مستقلة تدين بالولاء لأجندات خارجية ومراكز نفوذ داخلية، وتتمتع بحصانة مطلقة مكنتها من التحول إلى قوة قمع لا تُحاسب.
لقد أثبت تقرير صادر عن هيئة الرقابة الإدارية تم تسريبه مؤخراً أن اللواء 444 يدير سجوناً سرية ومعتقلات خارج إطار القانون، ويتلقى تمويلاً ضخماً من خزينة الدولة دون أي رقابة على أوجه صرفه.
ولم تكن فوضى ملعب ترهونة سوى أحدث حلقات مسلسل الإفلات من العقاب الذي تتمتع به هذه الميليشيا ففي أغسطس 2023، كان اعتقال حمزة من قبل جهاز الردع سبباً في اندلاع اشتباكات دامية في العاصمة أوقعت 27 قتيلاً، مما يدل على أن هذه التشكيلات تحركها الولاءات الشخصية والمناطقية، لا عقيدة الدولة أو احترام سيادة القانون.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين اختفى عبد الحميد الدبيبة طوال هذه الأحداث؟ لماذا يصمت بينما وحدات تتبع له اسمياً تطلق النار على المواطنين في الشوارع والملاعب؟ الصمت ليس براءة، بل هو تواطؤ.
إنه اعتراف ضمني بأن حكومة الدبيبة لا تملك القدرة أو الإرادة لضبط أذرعها الأمنية، بل إنها تستخدمها كورقة ضغط وترهيب لضمان بقائها في السلطة رغم انتهاء ولايتها.
حكومة الدبيبة.. تشريح الفشل واللا شرعية
إن الأزمة الأمنية ليست سوى وجه واحد من وجوه الفشل الذريع لحكومة عبد الحميد الدبيبة، هذه الحكومة، التي يصفها معارضوها بـ “منتهية الولاية”، تتشبث بالسلطة في تحدٍ صارخ لكل التوافقات السياسية والقرارات الدولية.
لقد حول الدبيبة جهاز الدولة إلى إقطاعية عائلية، حيث تتركز الثروة والنفوذ في أيدي حلقة ضيقة من الأقارب والمقربين، بينما يغرق الشعب الليبي في أزمات معيشية خانقة.
لقد أثبتت تقارير ديوان المحاسبة بشكل قاطع وجود اختلاسات بمليارات الدولارات في عقود وهمية، وتلاعب في سعر صرف العملة، وتورط مباشر لمسؤولين كبار في الحكومة في عمليات تهريب الوقود والبشر.
وبينما كان الدبيبة غائباً عن المشهد أو عاجزاً عن حماية المتظاهرين السلميين، كان أنصاره يملؤون مواقع التواصل الاجتماعي بخطاب كراهية وتحريض.
لقد علقت الإعلامية والباحثة ريم البركي بسخرية لاذعة على حرق مقر الحكومة قائلة: “موضوع احتراق مبني رئاسة الوزراء مش داخل دماغي… تنظيف أرشيف وجو أفلام أبيض وأسود”، في إشارة إلى أن الحريق قد يكون مفتعلاً لإخفاء وثائق وأدلة إدانة لمسؤولين متورطين في فساد.
هذا التشكيك ليس غريباً في بلد تتحول فيه الكوارث إلى فرص لتصفية حسابات وتغطية جرائم.
المجلس الرئاسي.. هيكل شكلي في مهب الفوضى
أما على الجانب الآخر من معادلة السلطة، فيقبع المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، الذي يبدو أنه يعيش في كوكب آخر.
فبينما تشتعل بطرابلس بالرصاص والنار، كان المنفي منهمكاً في ترتيبات رحلاته الخارجية ولقاءاته الدبلوماسية التي لم تثمر عن شيء سوى المزيد من الصور التذكارية.
إن صمت المجلس الرئاسي المطبق والمريب عن المجازر التي ترتكبها الميليشيات بحق المتظاهرين، وعدم قدرته على فرض أي رقابة على الحكومة التي فقدت شرعيتها، يكشفان بشكل فاضح أنه مجرد هيكل شكلي بلا صلاحيات فعلية، أو ما هو أسوأ من ذلك، أنه شريك في لعبة إطالة أمد الأزمة.
لقد أثبتت وثائق دبلوماسية مسربة، حصلت عليها جهات إعلامية دولية، وجود خلافات حادة بين المنفي والدبيبة، ليس حول كيفية إنقاذ البلاد، بل حول كيفية تقاسم النفوذ والمغانم.
إن المنفي، الذي يصفه معارضوه بـ “الرئيس الشبح”، يتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية كاملة عما آلت إليه الأوضاع.
إن صمته على جرائم اللواء 444 وقوات الدبيبة الأخرى يجعله شريكاً في إراقة الدماء، وليس مجرد متفرج عاجز، فالمجلس الرئاسي، بصفته القائد الأعلى للجيش، كان من المفترض أن يصدر أوامره فوراً بفتح تحقيق عاجل ومستقل، وسحب فتيل الأزمة بنزع سلاح الميليشيات، لكنه آثر السلامة والتفرج على المأساة.
انسداد الأفق السياسي – من ملعب كرة القدم إلى مقر الحكومة
إن الرد الغاضب والعفوي للجماهير التي انتقلت من ملعب ترهونة إلى إشعال النيران في مقر رئاسة الوزراء بطريق السكة، هو تعبير سياسي بليغ في دولة غابت عنها كل قنوات التعبير السلمي.
لقد قال أحد النشطاء السياسيين معلقاً على الحادثة: “عارف شنو معنى حرق مقر الوزراء عند العالم؟ معناها انت دوله فاشله دوله عصابات وصياح”.
هذا هو المضمون الحقيقي: لقد تم حرق رمز الدولة الفاشلة لم يحرق المتظاهرون مجرد مبنى، بل أحرقوا شرعية زائفة، وأعلنوا بشكل رمزي أن هذه الحكومة لم تعد تمثلهم، وأن نظام المحاصصة والفوضى الذي يرعاه الدبيبة والمنفي قد وصل إلى نقطة الانهيار النهائية.
وتعليقاً على ذلك، طالب المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان، في بيان هو الأقوى حتى الآن، بـ “تشكيل لجنة تحقيق مستقلة وعاجلة” والوقف الفوري لجميع المباريات الرياضية، معتبراً أن “الملاعب ليست ساحات للعنف”. هذه المطالب، على وجاهتها، تبدو ساذجة في مواجهة دولة عميقة تديرها الميليشيات.
إن المشكلة ليست في غياب اللجان أو بروتوكولات الأمن، بل في وجود كيانات مسلحة فوق القانون، ترى في العنف لغتها الوحيدة.
إن الأحداث أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن حكومة الوحدة برئاسة الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة المنفي لم يعودا جزءاً من الحل، بل أصبحا هما المشكلة بحد ذاتها.
إنهما يمثلان وجهاً آخر لعملة واحدة هي استمرار الحرب والفساد، ووجهاً آخر لاستراتيجية “اللا دولة” التي تخدم مصالح الخارج وأمراء الداخل على حساب الشعب الليبي.
دولة على حافة الهاوية
إن ليلة الرابع عشر من مايو 2026، سيسجلها التاريخ كنقطة تحول في مسار الأزمة الليبية، لقد كشفت الأحداث القناع عن الوجه القبيح لسلطة تقوم على الميليشيا والمال الفاسد.
إن سقوط القتلى في ملعب كرة القدم وفي محيط مقر الحكومة هو جرس إنذار أخير للمجتمع الدولي بأن السياسة التي انتهجها طوال السنوات الماضية، والقائمة على دعم حكومتي الدبيبة والمنفي باعتبارهما “أمراً واقعاً”، قد فشلت فشلاً ذريعاً.
إن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلا إلى المزيد من إراقة الدماء، وإلى تحويل ليبيا بالكامل إلى “ملعب ترهونة” كبير، تسوده شريعة الغاب ويختفي فيه أي أمل في بناء دولة مدنية ديمقراطية.
إن المطلوب الآن هو موقف حازم لا لبس فيه، يعمل على إنهاء هذه المرحلة الانتقالية العبثية فوراً، من خلال تشكيل سلطة تنفيذية مصغرة ومحايدة، تتولى المهمة الوحيدة المتمثلة في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة، تكون الكلمة الفصل فيها للشعب الليبي وحده.



