ليبيا

الرياضة الليبية.. تاريخ عريق من الإنجازات إلى التراجع

ليبيا 24 – إدريس إحميد:

الرياضة ليست مجرد منافسة أو نتائج تُسجل في الملاعب، بل هي حياة وأمل وصحة، ومدرسة للأخلاق والقيم والانضباط والانتماء.

 إنها الروح التي تجمع الناس حول هدف واحد، وتزرع في الأجيال معاني التعاون والإصرار وحب الوطن.

ولطالما امتلكت ليبيا تاريخًا رياضيًا عريقًا وملفتًا، رغم قسوة الظروف الاقتصادية والسياسية التي مرت بها البلاد عبر العقود، إذ استطاع أفراد ورواد أن يؤسسوا لحركة رياضية حقيقية انطلقت من الأندية والساحات الشعبية، وامتدت إلى مختلف الألعاب الجماعية والفردية.

البدايات الأولى.. حين كانت الرياضة مشروع وطن

عرفت ليبيا النشاط الرياضي منذ فترة مبكرة، حتى قبل الاستقلال، وتحديدًا خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، في ظل الوجود الأجنبي.

ورغم واقع الاحتلال، فإن الليبيين خاضوا مسيرة نضال رياضي وثقافي مهمة، مستفيدين من الخبرات الأجنبية الموجودة آنذاك، سواء في كرة القدم أو ألعاب القوى أو غيرها من الألعاب.

بل إن ليبيا شهدت في تلك المرحلة فعاليات رياضية دولية لافتة، حيث أُقيمت سباقات سيارات عالمية شبيهة بمنافسات الفورميلا، في مشهد يعكس أن البلاد كانت حاضرة ضمن الخارطة الرياضية مبكرًا، رغم تعقيدات المرحلة السياسية.

ومع بداية الستينيات، انطلقت المسيرة الرياضية بشكل أكثر تنظيمًا وانتشارًا، لتصل إلى معظم المدن والقرى الليبية. ولم تكن الأندية مجرد أماكن لممارسة الرياضة، بل كانت مؤسسات اجتماعية وثقافية متكاملة، تضم المكتبات والندوات والمسرح والعمل التطوعي، وتسهم في ترسيخ قيم المواطنة والانتماء وحب الوطن.

وشهدت تلك المرحلة إنشاء الملاعب والصالات الرياضية في مدن مثل طرابلس وبنغازي وغيرها من المدن، مع اهتمام واضح بمختلف الألعاب، من كرة القدم والطائرة والسلة والدراجات، إلى ألعاب القوى التي سجل فيها الرياضيون الليبيون نتائج متقدمة وأرقامًا لافتة على المستويين العربي والإفريقي.

كما برزت الرياضة المدرسية بصورة قوية، وكانت ليبيا من الدول السباقة في تنظيم البطولات واستضافة المنافسات الإقليمية، بفضل توفر الصالات الرياضية الجيدة وجودة التنظيم، خاصة حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي.

حين تدخلت السياسة في الرياضة

الرياضة بطبيعتها تقوم على التنافس الشريف والروح الإنسانية، ولذلك فإنها لا تزدهر في بيئة التسييس والهيمنة.

 لكن المشهد الرياضي الليبي دخل مرحلة مختلفة عندما أصبحت الرياضة جزءًا من التوجهات السياسية والأيديولوجية للدولة.

ففي إطار الطرح القائم على أن “الرياضة للجميع”، جرى تقديم تصور يعتبر أن الرياضة الاحترافية السائدة عالميًا تمثل شكلًا من أشكال الاحتكار والسمسرة، خصوصًا فيما يتعلق بانتقالات اللاعبين والاحتراف الخارجي. وباسم هذا التصور، بدأت عملية إضعاف تدريجية للمؤسسات الرياضية التقليدية.

تراجع الإنفاق على الرياضة، واختفى الاستقرار الإداري والفني، وجرى الخلط بين ممارسة الرياضة لأغراض صحية فردية، وبين الرياضة التنافسية القائمة على الأندية والمنتخبات والبطولات.

كما تعرضت البرامج الرياضية في وسائل الإعلام للتضييق، ووصل الأمر إلى منع ذكر أسماء اللاعبين والاكتفاء بأرقامهم، في خطوة عكست حجم التدخل السياسي في تفاصيل المشهد الرياضي.

ومن أبرز القرارات التي أثرت على الرياضة الليبية منع الاحتراف الرياضي، باعتباره “سمسرة واحتكارًا”، ما أدى إلى حرمان المواهب الليبية من التطور والاحتكاك الخارجي.

ومع مرور الوقت، أصبحت الرياضة الليبية تعاني من التراجع، وانحصر الاهتمام في عدد محدود من الألعاب، خاصة كرة القدم والفروسية، قبل أن تتراجع حتى هذه الألعاب بسبب ضعف الدعم والرعاية.

كما احتكر ناديان فقط واجهة المشهد الرياضي، وهما نادي الاتحاد الليبي والنادي الأهلي طرابلس، في ظل ارتباط الرياضة بصراعات وأقطاب السلطة، حتى أصبحت بعض الأندية رهينة للتجاذبات السياسية.

ولعل ما تعرض له النادي الأهلي في بنغازي من إيقاف وإزالة لملعبه، يعكس حجم التدخل السياسي الذي طال الرياضة الليبية، وأثر بصورة مباشرة على تطورها واستقرارها.

غياب ليبيا عن الواجهة الرياضية

نتيجة لهذه السياسات، غابت ليبيا تدريجيًا عن المشهد الرياضي الدولي، بعدما كانت من الدول الرائدة عربيًا وإفريقيًا في التنظيم والمشاركة.

وحتى عندما كانت المنتخبات الليبية تشارك في البطولات، فإنها غالبًا ما تدخل المنافسات دون إعداد حقيقي أو خطط طويلة الأمد، الأمر الذي انعكس سلبًا على النتائج وعلى معنويات الشباب والشارع الرياضي.

لقد أدت هذه السياسات الممنهجة إلى إضعاف دور الرياضة كمجال لصناعة الوعي وتعزيز الانتماء الوطني، لأن الرياضة الحرة والقوية كانت تُنظر إليها أحيانًا باعتبارها مساحة مستقلة قد تُنتج جماهيرية وتأثيرًا خارج الإطار السياسي الرسمي.

الرياضة بعد 2011.. بين الفوضى ومحاولات الإنقاذ

بعد عام 2011، دخلت الرياضة الليبية مرحلة جديدة اتسمت بالفوضى الأمنية والانقسام السياسي، وهو ما أثر بشكل مباشر على الأندية والمنتخبات والبنية التحتية الرياضية.

وأصبحت تنقلات الفرق بين المدن محفوفة بالمخاطر، كما فقدت ليبيا حق استضافة العديد من البطولات والمباريات الدولية بقرارات من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.

وفي المقابل، شهدت بعض الألعاب انفتاحًا محدودًا ومحاولات خجولة لإعادة النشاط الرياضي، رغم ضعف الإمكانيات والانقسامات المؤسساتية.

ومن المهم الإشارة إلى ما قامت به القيادة العامة للجيش الليبي، من خلال بسط الأمن والاستقرار في عدد من المدن، الأمر الذي ساهم في إعادة إحياء النشاط الرياضي وتهيئة الظروف المناسبة لعودة المباريات والبطولات.

كما شهدت مدن بنغازي وسبها وسرت إنشاء ملاعب رياضية حديثة، إلى جانب إعادة تأهيل الصالات الرياضية في مختلف الألعاب، وهو ما أعاد جزءًا من الحياة للمشهد الرياضي الليبي.

وأصبحت مدينة بنغازي حاضنة للأحداث الرياضية المحلية والدولية، بعد سنوات من التوقف، مستفيدة من تحسن الوضع الأمني، وهو ما منح الرياضة الليبية فرصة لاستعادة جزء من حضورها وتنشيط الحركة الرياضية والشبابية من جديد.

ورغم ذلك، لا تزال الرياضة الليبية تعاني من قلة الاهتمام، في ظل استمرار الأزمة الليبية والانقسام السياسي، حيث تحتاج البلاد إلى إعادة بناء البنية التحتية الرياضية، خاصة في المنطقة الغربية، مع ضرورة تخصيص ميزانيات حقيقية لدعم الرياضة والأندية والمنتخبات الوطنية، لأن الرياضة ليست مجرد منافسات، بل أداة لتعزيز الانتماء الوطني واحتواء الشباب وبناء الاستقرار المجتمعي.

دور الجمهور الرياضي.. بين الانتماء والتعصب

ترسخت عبر سنوات طويلة مفاهيم خاطئة لدى جزء من الجمهور الرياضي في ليبيا، نتيجة غياب العدالة الرياضية وضعف الدعم المتوازن بين الأندية، إضافة إلى التركيز المستمر على ناديين بعينهما، هما نادي الاتحاد الليبي والنادي الأهلي طرابلس، الأمر الذي خلق حالة انقسام جماهيري حادة انعكست على سلوك المشجعين داخل الملاعب وخارجها.

وأصبح التشجيع لدى البعض يأخذ طابعًا متعصبًا لا يمت بصلة إلى الروح الرياضية، بل تحول أحيانًا إلى حالة من الانحياز الأعمى، غذّتها الأخطاء التحكيمية، والانحياز، وغياب الشفافية، إضافة إلى استغلال بعض الإدارات الرياضية والجماهيرية لحالة الاحتقان من أجل تحقيق النفوذ والشعبية.

ولعل ما شهدته الملاعب الليبية خلال التسعينيات من أعمال شغب في مباريات الاتحاد والأهلي، كان مؤشرًا مبكرًا على الأزمة المتراكمة داخل الوسط الرياضي، وهي أزمة لم تُعالج جذريًا، بل تفاقمت مع مرور السنوات.

ومع غياب التخطيط والتوعية، تحول الشغب الرياضي إلى ظاهرة متكررة، رافقها أحيانًا سوء في طريقة التعامل الأمني، ما أدى إلى سقوط ضحايا واتساع دائرة العنف داخل الملاعب وخارجها.

كما ساهمت بعض الأطراف التي تولت إدارة الأندية في تكريس الفوضى وتعميق الانقسام، بعيدًا عن مفاهيم العدالة الرياضية، وفي إطار سعيها لتحقيق مكاسب جماهيرية أو سياسية على حساب استقرار الرياضة الليبية.

ولعل ما حدث مؤخرًا من أعمال شغب عقب مباراة نادي الاتحاد الليبي ونادي السويحلي في ملعب ترهونة، وامتداد التوتر إلى العاصمة طرابلس، يعكس حجم الفوضى وغياب الوعي الرياضي الحقيقي، حين يتحول الانتماء للأندية إلى حالة تعصب عمياء، بدل أن تكون الرياضة وسيلة لترسيخ الانتماء للوطن وتعزيز قيم التنافس الشريف.

شباب ضائع ورياضة مهمشة

إن ما وصلت إليه الرياضة الليبية اليوم ليس معزولًا عن واقع الدولة والأزمة العامة التي تعيشها البلاد.

فسنوات التهميش وإضعاف المؤسسات الرياضية انعكست بصورة مباشرة على الشباب الليبي، الذي فقد جزءًا كبيرًا من المساحات الطبيعية التي كانت تستوعب طاقاته ومواهبه.

ولو حظيت الرياضة الليبية بالاهتمام الحقيقي، واستمرت مسيرة تطورها كما كانت في العقود الماضية، لكان بإمكانها أن تسهم في الحد من كثير من الظواهر السلبية التي برزت في المجتمع، مثل البطالة والانجرار نحو العنف وحمل السلاح، نتيجة الفراغ وغياب المشاريع الوطنية الجامعة للشباب.

فالرياضة ليست مجرد لعبة، بل مشروع لبناء الإنسان، وصناعة الوعي، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. ولذلك فإن إنقاذ الرياضة الليبية اليوم لم يعد ترفًا، بل ضرورة وطنية لحماية الأجيال القادمة، وإعادة بناء روح الانتماء في مجتمع أنهكته الصراعات والانقسامات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى