شراكة خفية أم كبش فداء؟ الأحزاب الليبية في مرمى الاتهامات ومشهد يتشظى بين التبرؤ والتهميش
جدل حول الأحزاب الليبية بين اتهام بالمحاصصة ودفاع بالتهميش
ليبيا 24:
الأحزاب الليبية تتبرأ من إهدار المال وتتهم المؤسسات التشريعية
في بلد أنهكته الانقسامات وأرهقته وعود الانتخابات المؤجلة، تعود الأحزاب السياسية لتتصدر مشهد الاتهام المتبادل، بين من يرون فيها قوارب نجاة لدولة مدنية مؤجلة، ومن يعتبرونها واجهات للمحاصصة المقنعة التي تنخر ما تبقى من جسد المؤسسات.
تصريحات نارية أطلقها رئيس الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية أسعد زهيو عبر منشور على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، فتحت الباب أمام نقاش محتدم يعكس شرخاً عميقاً في علاقة الليبيين بالعمل الحزبي، في وقت يقف فيه المشهد السياسي عند منعطف خطير تختلط فيه أوراق المال والسلطة والنفوذ.
هجوم متصاعد.. لماذا تُحمَّل الأحزاب خطايا المشهد؟
في منشوره الذي جاء أشبه ببيان سياسي مقتضب، تساءل زهيو عن الأسباب التي تجعل الأحزاب السياسية هدفاً «لموجات من الهجوم الممنهج أو العفوي»، وتحميلها مسؤولية أزمات متعاقبة، في حين أن تلك الأحزاب – وفق تعبيره – ليست طرفاً في تبديد مئات المليارات التي صرفتها الدولة الليبية طيلة السنوات الماضية.
وشدد على أن الأحزاب «لا تتقاضى درهماً واحداً من ميزانية الدولة، ولا تُفتح لها خزائن المال العام»، وأن أعضاءها يمولون أنشطتهم من جيوبهم الخاصة بدافع الاهتمام بالشأن العام، فضلاً عن منعهم من استخدام المقرات والمرافق العامة.
وبلهجة تنم عن شعور بالإقصاء، أشار زهيو إلى أن الأحزاب لم تكن طرفاً رئيسياً في التسويات السياسية الكبرى، فلم تكن حاضرة في «الصخيرات» ولا في مسارات «تونس – جنيف»، وليست ممثلة في السلطات التنفيذية التي تتحكم في القرار والمال.
وختم بقوله إن صب جام الغضب على الأحزاب هو «تشخيص خاطئ للأزمة، وتبرئة غير مباشرة لمن يمسكون بزمام السلطة والثروة الفردية فعلياً»، معتبراً أن الأحزاب «جزء من الحل المؤجل لبناء دولة مدنية حقيقية قائمة على التعددية والمؤسسات».
هذه التصريحات لم تمر من دون ردود فعل متباينة، إذ سرعان ما قوبلت بمواقف مناوئة تعيد التذكير بأن بعض الأحزاب، رغم ضعفها الظاهر، تمارس أدواراً خفية في تقاسم النفوذ والوصول إلى المناصب الحساسة.
الصوت المناهض: أحزاب بلا قاعدة وهندسة خلفية للمحاصصة
من جهته، قدم رئيس المجلس الأعلى ورشفانة الأسبق الدكتور مبروك محمد أبوعميد، في منشور مقابل، رأياً يختزل شكوكاً واسعة في الشارع الليبي.
قال أبوعميد إن الأحزاب «أهدافها الوصول إلى السلطة»، وإن من يطلع على رؤى وأهداف كل حزب سيجدها «متطابقة تماماً ولا تختلف إلا في الصياغة وفي نوايا مؤسسيها».
وأضاف، وهو الذي لا ينتمي بشكل رسمي لأي حزب، أن ليبيا «لا تتسع لأكثر من أربعة أحزاب»، في إشارة إلى تضخم عدد الكيانات الحزبية الذي يقوض أي فرصة لبناء تيارات سياسية فاعلة.
ولم يقف النقد عند حدود ضعف البرامج أو التطابق في الخطاب، بل امتد إلى ما وصفه متابعون بـ«الهندسة الخلفية» لبعض الأحزاب.
أحد المعلقين على منصات التواصل كتب يقول: «الدفاع عن الأحزاب بحجة عدم تلقيها تمويلاً رسمياً من الدولة يغفل العبث الحقيقي؛ فالمحاصصة المقنعة وتقاسم النفوذ خلف الكواليس يمرران شخصيات تابعة للأحزاب لشغل مناصب حساسة من وزراء ووكلاء وسفراء، بناءً على تفاهمات ومساومات مع القوى المسيطرة على الأرض لضمان مصالحها الخاصة».
وتذهب آراء مماثلة إلى اتهام أحزاب بأنها «تتعايش مع حالة الجمود ولا تريد فرض نفسها في المشهد بعمل حقيقي على أرض الواقع، تنتظر الفرصة ولا تحاول أن تصنعها».
في المقابل، يرى فريق ثالث من المتابعين أن توجيه الاتهامات للأحزاب هو «تخفيف لحمل المسؤولية عن المؤسسات التشريعية»، مؤكدين أن «الجميع يعلم أن من يتحمل خطايا المشهد السياسي هما البرلمان ومجلس الدولة دون غيرهما». ؟
هكذا، يتحول النقاش من سؤال «هل الأحزاب فاعلة؟» إلى «من المستفيد من شيطنتها وإبعادها عن دائرة اللوم الحقيقية؟».
مشهد حزبي متشظٍ: أكثر من 260 حزباً وتكتلات تبحث عن ثقل
لفهم عمق الإشكالية، لا بد من إلقاء نظرة على خريطة العمل الحزبي الليبي.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد الأحزاب السياسية في ليبيا يتجاوز 260 حزباً، في بلد لا يتعدى سكانه سبعة ملايين نسمة، وهو رقم يكشف تضخماً غير مسبوق في كيانات معظمها غير فاعل على الأرض.
أغلب هذه الأحزاب تعمل ضمن ائتلافات وتكتلات، بعد أن عاد النشاط الحزبي للظهور بقوة عقب عام 2011 بموجب القانون رقم 29 لسنة 2012.
وتتوزع الأحزاب بين تيارات وطنية ومدنية وذات مرجعية إسلامية وأخرى قبلية، مما يجعل المشهد أشبه بلوحة فسيفساء يصعب معها تمييز برنامج عن آخر.
أبرز هذه التكتلات، تحالف القوى الوطنية الذي يُعد من أبرز الكيانات التي تصدرت المشهد بعد 2011، والاتحاد الوطني للأحزاب الليبية الذي يمثل أكبر تجمع حالي يضم عدداً كبيراً من الكيانات تحت مظلة واحدة.
إلى جانبهما، ثمة تكتلات أخرى مثل «الحراك الوطني للأحزاب الليبية»، و«رابطة الأحزاب الليبية»، و«التجمع الوطني للأحزاب الليبية»، و«تنسيقية الأحزاب السياسية الليبية»، و«تجمع الأحزاب الليبية»، و«شبكة الأحزاب الليبية».
وفي عام 2022 وحده، خرجت إلى العلن ستة تكتلات حزبية جديدة، كان آخرها إعلان 14 حزباً اندماجها تحت مسمى «الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية».
ويشرح رئيس «الحراك الوطني للأحزاب الليبية» عمار الديب في تصريحات صحفية سابقة رصدتها ليبيا 24 دوافع هذه الائتلافات بقوله إنها تهدف إلى «الدفاع عن حق الأحزاب في المشاركة في العملية السياسية، والعمل على حلحلة الانسداد السياسي في بلد يعاني انقساماً منذ عام 2011».
غير أن هذه التكتلات لا تلقى إجماعاً على جدواها؛ فعضو مجلس النواب عبد السلام نصية يرى في تصريحات صحفية سابقة رصدتها ليبيا 24 أنها «انعكاس لهشاشة الأحزاب المكونة لها، وضعف برامجها وضيق قاعدتها الشعبية»، معتبراً أن التكتل الحزبي الطبيعي «يكون ضمن ائتلاف حكومي أو تأييداً لقضية معينة لزمن محدد»، وهو ما لا يتوفر في المشهد الليبي الراهن.
صوت الشارع: بين خيبة الأمل وخوف من المجهول
في جولة ميدانية على مقاهي وسط طرابلس ومدينة بنغازي، تتباين آراء المواطنين الذين تحدثت إليهم هذه الصحيفة حول دور الأحزاب في الأزمة الليبية.
محمد السنوسي، موظف في قطاع النفط، يقول بمرارة: «في كل مرة نسمع عن انتخابات، تظهر أحزاب جديدة لا نعرف عنها شيئاً سوى أسماء رؤسائها، ثم تختفي بعد فشل التوافق. لا أشعر أن حزباً يمثلني أو يعرف معاناتي مع انقطاع الكهرباء وغلاء الأسعار».
أما خديجة عبد السلام، وهي معلمة في إحدى مدارس بنغازي، فترى أن المشكلة ليست في الأحزاب بحد ذاتها، بل في «غياب هيبة الدولة»؛ وتضيف: «أخشى أن تكون الأحزاب مجرد أدوات للتفاوض على مقاعد لا للتعبير عن إرادة الناس، وإذا لم تكن هناك جيوش تحمي حدود البلاد وأجهزة أمنية محترفة تقيم العدل، فإن الحزبية ستبقى إجهاضاً للديمقراطية كما يقال».
في المقابل، يعبّر شاب يدعى فرج السعيطي، من سكان مدينة مصراتة، عن وجهة نظر مخالفة: «لا يمكن لوم الأحزاب وحدها. صحيح أن كثيراً منها ضعيف، لكن من يتحكم بالميزانيات ويغلق الطرق ويعطل الانتخابات ليسوا رؤساء أحزاب، بل قوى الأمر الواقع والمؤسسات التشريعية المنقسمة.
الأحزاب قد تكون الحل الوحيد لتنظيم الحياة السياسية، لو أتيحت لها الفرصة».
وتحضر في أحاديث المارة عبارات مثل «الأحزاب متعايشة مع حالة الجمود»، و«تنتظر الفرصة ولا تحاول أن تصنعها»، في تعبير عن شعور بأن النخب الحزبية تكتفي بإصدار البيانات وترقب نتائج صراعات الكبار من دون نزول إلى الشارع أو بناء قواعد شعبية حقيقية.
المال والسيطرة: أين تقف الأحزاب فعلاً؟
يلمس المراقب أن أحد المحاور الأشد حساسية في هذا السجال يتمثل في علاقة الأحزاب بالمال العام والمناصب.
يصر زهيو على أن الأحزاب لا تتقاضى أي تمويل من ميزانية الدولة، وهو ما تؤكده نصوص القانون الذي لا يخصص بنوداً مالية لدعم الأحزاب.
لكن منتقدين يرون أن المعضلة ليست في تلقي الأحزاب للأموال بشكل مباشر، بل في قدرتها على التسلل إلى مفاصل الدولة عبر واجهات لا تحمل أسماءها.
ويستشهد هؤلاء بتعيينات وكلاء وزارات وسفراء ومدراء مؤسسات، تمت بموجب تفاهمات لا تعلن، تتيح لشخصيات محسوبة على أحزاب معينة أن ترعى مصالح تلك الأحزاب من داخل مؤسسات يفترض أن تكون محايدة.
من جهته، يكشف الباحث حافظ الغويل، وهو زميل أول بمعهد الدراسات الدولية في جامعة جونز هوبكنز، عن تجربة مباشرة في تقريب الأحزاب من دوائر صنع القرار الغربية.
يقول الغويل في تصريحات صحفية سابقة رصدتها ليبيا 24 إنه يسّر لقاءً بين تكتل أحزاب سياسية وأطراف أميركية، وإنه رغم أن تلك الأحزاب «تمتلك مشروعاً سياسياً مقنعاً للغرب»، فإن «غياب قاعدتها الشعبية يجعل من الصعوبة بمكان التعامل معها بجدية».
وينتقد الباحث «غياب الحاضنة الشعبية لهذه الأحزاب ومواقفها الدبلوماسية من أحداث تستوجب خطاباً واضحاً يخاطب رجل الشارع»، مرجعاً ذلك إلى «غياب حرية الرأي في المنطقتين الشرقية والغربية بنسبة متفاوتة».
ويرى المحلل السياسي إبراهيم بلقاسم أن «التجربة الحزبية الليبية معقدة بفعل عوامل تاريخية وبنيوية»، مشيراً في تصريحات صحفية سابقة رصدتها ليبيا 24 إلى «تذبذب عمل لجنة شؤون الأحزاب التي لم تنتظم في اعتماد الأحزاب منذ أعوام».
ويدعو بلقاسم إلى «تطوير البنية التشريعية والقانونية الحاكمة لعمل الأحزاب السياسية ذات التجربة الوليدة في عام 2011»، محذراً من أن استمرار الوضع الراهن سيُبقي الأحزاب في دائرة الشك والعجز.
السياق التاريخي: من الحظر إلى الفوضى الحزبية
لا يمكن فهم مأزق الأحزاب الحالي دون استحضار تاريخي. فعلى مدى عقود، ظلت الأحزاب السياسية محظورة في ليبيا، ومع رفع الحظر بعد 2011، دخلت البلاد مرحلة جديدة افتقرت إلى تأطير قانوني وتثقيف سياسي كافيين.
وتضاعف عدد الأحزاب بسرعة لافتة، لكن معظمها ولد ضعيفاً، بلا موارد ولا امتداد شعبي، وتحول إلى ما يشبه أندية نخبوية لا تتجاوز تأثيرها جدران الغرف المغلقة.
وقد انعكس هذا التاريخ في لا وعي جمعي يرى في الأحزاب كيانات دخيلة على النسيج الاجتماعي القائم على القبيلة والجهوية، مما جعلها فريسة سهلة لاتهامات «التبعية للخارج» أو «العمل على خراب الدول التي ليست لها جيوش تحميها».
ولعل أشد ما يضر بصورة الأحزاب هو غيابها شبه الكامل عن معارك الشارع اليومية، من المطالبة بالكهرباء إلى مناهضة الفساد، ما يعزز الانطباع بأنها مجرد إشارات على رقعة شطرنج يلعبها آخرون.
إلى أين تتجه الحياة الحزبية؟ سيناريوهات ما قبل الانتخابات
مع استمرار الحديث عن انتخابات مؤجلة، تقف الأحزاب أمام مفترق طرق وجودي.
إما أن تنجح في بناء قواعد شعبية حقيقية وتقديم برامج قابلة للتحقيق تخاطب هموم المواطن، وإما أن تظل ديكوراً في مشهد سياسي تحتكره الميليشيات والبرلمان ومجلس الدولة.
بعض المراقبين يراهن على أن أي عملية انتخابية حقيقية ستفرض فرزاً طبيعياً يبقي على عدد قليل من الأحزاب القادرة على المنافسة، بينما يخشى آخرون من أن تتحول الانتخابات إلى ساحة لشراء الذمم واختراق الأحزاب من قوى الأمر الواقع.
في هذه الأثناء، يبدو أن الاتهامات المتبادلة ستستمر، وأن كلاً من الأحزاب والمؤسسات التشريعية سيظل يرمي بالكرة في ملعب الآخر.
غير أن الثابت الوحيد هو أن المواطن الليبي، الذي لم يعد يثق في وعود النخب، يراقب هذا السجال بعين منهكة، ويتساءل إن كانت الأحزاب حقاً جزءاً من الحل، أم مجرد فصل آخر في كتاب الأزمة الذي لا ينتهي.



