حكومة الدبيبة تفتح ثغرات التوطين تحت يافطة «تسوية الأوضاع».. وتحذيرات من مؤامرة تغيير ديمغرافي تدار خلف ستار الميليشيات
العبيدي: الشعب الليبي يرفض التوطين رفضاً باتاً ويعتبره تهديداً وجودياً
ليبيا 24:
العبيدي: أي محاولة لتوطين المهاجرين ستشعل حرباً أهلية مدمرة
تتصاعد في ليبيا تحذيرات من تحول البلاد إلى ساحة تنفيذ خريطة دولية لتوطين المهاجرين غير النظاميين، في وقت تتقاطع فيه المعطيات الميدانية مع تصريحات أممية ملغومة، لتكشف عن مسار بدأ يتبلور بعيداً عن بيانات الشجب الرسمية.
وبينما ترفع الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة شعار «لا للتوطين»، تشير وثائق ولقاءات مغلقة إلى أن دوائر النفوذ المحيطة بالحكومة تتحرك فعلياً نحو تقنين أوضاع عشرات الآلاف من المهاجرين، في صفقة يرى مراقبون أنها تهدف إلى شراء اعتراف دولي متآكل بحكومة فقدت شرعيتها الانتخابية، وترمي فاتورة ذلك على كاهل الدولة والمجتمع.
إجراءات على الأرض تمهد للتوطين رغم النفي الرسمي
في الأسابيع الماضية، أثارت تصريحات منسوبة إلى مسؤولة أممية رفيعة المستوى عاصفة من الغضب، بعد أن لوّحت بإخضاع أي ليبي يعتدي على مواطن أفريقي داخل الأراضي الليبية للمساءلة القانونية، وكشفت عن خطط لتسوية أوراق اللاجئين قانونياً ومنحهم حقوق التعليم والصحة والعمل.
ورغم أن حكومة الدبيبة سارعت إلى إصدار بيانات تستنكر المساس بالسيادة، إلا أن الوقائع المتراكمة على الأرض تروي قصة مختلفة.
فقد كثفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالتنسيق مع جهات رسمية ليبية، عمليات تسجيل بيانات طالبي اللجوء في مناطق تخضع لسيطرة المجموعات المسلحة الموالية للحكومة، فيما يصفه معارضون بأنه «إحصاء تمهيدي لإضفاء الشرعية على الوجود الدائم».
المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان عبّر في بيان شديد اللهجة عن رفضه القاطع لأي مبادرة تهدف إلى توطين المهاجرين غير النظاميين، معتبراً أن هذه المساعي تشكل انتهاكاً صريحاً وجسيماً لقواعد القانون الدولي، ومساساً غير مشروع بحقوق ليبيا السيادية.
إلا أن اللافت أن بيانات المجلس وغيره من الأجسام الوطنية ظلت محصورة في خانة الإدانة المعنوية، فيما تواصل سلطة الأمر الواقع إدارة الملف بعقلية البحث عن مكاسب سياسية ضيقة.
الميليشيات شريك في إدارة الملف وحكومة الدبيبة تغض الطرف
لا يمكن فصل جدل التوطين عن طبيعة السلطة القائمة في طرابلس. فالحكومة التي يرأسها الدبيبة قامت أصلاً على تحالفات هشة مع تشكيلات مسلحة متهمة بجرائم الاتجار بالبشر وسوق النخاسة. هذه الميليشيات ذاتها تدير مراكز احتجاز المهاجرين، وتستفيد من شبكات التهريب، وقد وثقت تقارير حقوقية قيامها ببيع مهاجرين للعمل رقيقاً لدى جهات محلية.
واليوم، تبرز المخاوف من أن يتحول هؤلاء المهاجرون، بعد تسوية أوضاعهم، إلى أدوات في الصراع المحلي، تماماً كما جرى استخدامهم سابقاً في معارك الائتلافات المسلحة.
في هذا السياق، يرى متابعون أن صمت الحكومة إزاء اختراق الميليشيات للملف، وغياب أي تحرك فعلي لضبط الحدود أو تفكيك اقتصاد التهريب، ليس عجزاً فحسب، بل تواطؤ مقصوداً يخدم مصالح أطراف تسعى إلى إبقاء الوضع على حاله كورقة ضغط وتفاوض مع الشركاء الدوليين.
فكلما تفاقمت أزمة الهجرة، ارتفع سقف المطالب الأوروبية، وزاد استعداد بعض العواصم للتعامل مع حكومة غير منتخبة بوصفها «شريكاً ضرورياً»، بصرف النظر عن شرعيتها الداخلية المنهارة.
الرفض الشعبي والتحذير من حرب أهلية
بعيداً عن دهاليز السياسة، الموقف الشعبي حاسم ولا لبس فيه. الباحث والأكاديمي الدكتور جبريل العبيدي لخّص هذا الموقف محذراً من أن الليبيين يرفضون التوطين رفضاً باتاً يصل إلى درجة اعتباره من المستحيلات التي قد تسيل من أجلها أنهار الدماء، وأن أي محاولة لفرضه ستتسبب في حرب شرسة مستقبلاً.
هذا التحذير ليس مبالغة خطابية، بل يلامس جوهر الهاجس الوطني من تغيير ديموغرافي يهدد هوية البلاد، خصوصاً في ظل تعداد سكاني لا يتجاوز سبعة ملايين نسمة، وقدرة استيعاب محدودة لمنظومة صحية واقتصادية متداعية.
ويضيف العبيدي أن ليبيا، التي لم توقّع على اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، غير ملزمة قانوناً بأحكامها، وتصنف الداخلين بطرق غير مشروعة مهاجرين غير شرعيين، ما يخولها اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم لا مكافأتهم بالتوطين.
كما أن البلاد تعاني أصلاً من عبء الأمراض العابرة للحدود التي جلبها تدفق المهاجرين، في وقت يعجز فيه النظام الصحي عن الوفاء بمتطلبات الكشف المبكر، ما يفاقم المخاطر على المواطن الليبي الذي يتحمل وحده كلفة الفوضى الأمنية والانهيار الاقتصادي.
سيادة مهدورة وصفقة المشروعية المفقودة
الرهان الحقيقي الذي تلوّح به المعارضة يكمن في أن حكومة الدبيبة المنتهية الولاية، التي تفتقد أي غطاء دستوري أو انتخابي منذ انقضاء مدتها، قد ترى في ملف الهجرة ممراً وحيداً لاستعادة قبلة دولية باردة.
ففي كواليس محادثات جرت في أكثر من عاصمة أوروبية، طُرحت رؤى لتقنين أوضاع المهاجرين في ليبيا مقابل حزم استثمارية وإعفاءات من عقوبات، وهو ما يفسر التساهل اللافت مع توسع أنشطة المنظمات الأممية في تسجيل اللاجئين.
لكن هذا التوجه، إن صح، ينطوي على مجازفة كبرى لا تقل خطورة عن الحروب التي أنهكت البلاد. فالتوطين حتى لو تم تحت مسميات مخففة مثل «الإدماج المؤقت» أو «الحماية الإنسانية»، سيُحدث شرخاً عميقاً في النسيج الاجتماعي، ويهيئ الأرضية لصراع ديموغرافي طويل الأمد، فضلاً عن أنه يكافئ المتاجرين بالبشر ويمنحهم ذريعة لمواصلة نشاطهم الإجرامي تحت عباءة العمل الإنساني.
ويؤكد العبيدي أن المعالجة الحقيقية لأزمة الهجرة يجب أن تبدأ من بلدان المنشأ، عبر تحقيق تنمية مستدامة تكفل حياة كريمة وتحد من موجات الفرار، بدلاً من أن تدفع فاتورتها دول العبور التي تعاني أصلاً من التشظي السياسي وغياب الدولة المركزية.
ويشدد على أن ليبيا، بحكم موقعها الجغرافي، كانت ضحية لسياسات أوروبية فاشلة أصرت على معالجة النتائج بدلاً من الأسباب، وحاولت تحويل بلدان المعبر إلى دروع بشرية تحمي حدود القارة العجوز.
إرادة الشعب في مواجهة رهانات السلطة
المعادلة اليوم واضحة: هناك حكومة منتهية الولاية تتصرف وكأنها صاحبة قرار سيادي، وهناك نخب وميليشيات مستفيدة من بقاء الحال على ما هو عليه، وهناك ضغوط دولية لا تتوقف.
في مقابل ذلك، يقف الشعب الليبي بكل أطيافه رافضاً لفكرة التوطين، متمسكاً بحقه في حماية هويته وأرضه، ومدركاً أن التنازل عن ذرة في هذا الملف سيجعل من ليبيا ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية على حساب وجوده ذاته.
فبقدر ما تبدو تصريحات المسؤولة الأممية استعلائية واستفزازية، فإنها تنطوي على اختبار لإرادة الليبيين وقدرتهم على التمييز بين الشعارات الوطنية التي ترفعها حكومة الدبيبة، والأفعال التي ترتبط بمصالح ضيقة تصل إلى حد المقايضة على السيادة.
وفي انتظار أن تجد الدولة الليبية سلطة شرعية موحدة قادرة على فرض القانون وبسط هيبتها على كامل التراب، ستبقى كلمة الشعب هي الفيصل: لا توطين، لا مساس بالديموغرافيا، ولو كانت الأثمان بحجم الوطن.


