ليبيا

طوابير الوقود تخنق المدن الليبية… حكومة الدبيبة بين عجز الإدارة وتبديد الثروة

إيرادات ليبيا النفطية تتبدد وأزمات المواطن تتفاقم تحت حكم منتهي الصلاحية

ليبيا 24:

احتدام طوابير الوقود يفضح تعثر حكومة الدبيبة رغم فيض النفط

عودة المشهد الكابوسي إلى الشوارع الليبية

تعود مشاهد الطوابير الطويلة الممتدة كأفعى الإسفلت أمام محطات الوقود لتسطير فصل جديد من فصول الفشل الحكومي في ليبيا، في مشهد يتكرر بوتيرة أصبحت أشبه بطقس دائم لا يتغير بتغير الفصول ولا يتبدل بتبدل الوجوه على مقاعد السلطة.

وبينما تصدر حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية تطمينات روتينية عن توفر الوقود واستقرار الإمدادات، يكشف الواقع اليومي للمواطن الليبي عن وجه آخر للحقيقة، وجه تختلط فيه ملامح الإنهاك الجسدي بطوابير تلتهم ساعات النهار، بمرارة الانتظار التي تنخر في تفاصيل الحياة اليومية، في بلد يجلس على بحيرة من النفط يقترب إنتاجها من مليون وأربعمئة ألف برميل يومياً.

إن استمرار هذه الظاهرة لا يمثل مجرد خلل تقني أو لوجستي عابر، بل يجسد خللاً بنيوياً عميقاً في بنية الدولة التي تديرها حكومة تفتقد الشرعية الدستورية والتوافق الوطني، ويكشف عن فجوة صادمة بين المورد المالي الهائل والواقع المعيشي المتردي.

المشهد الميداني: من الزاوية إلى بنغازي… طوابير بلا نهاية

في طرابلس حيث مقر حكومة الدبيبة، تتشكل الطوابير أمام المحطات مع بزوغ الفجر، ويمتد الانتظار لساعات طويلة تحت شمس حارقة أو في ليال رطبة.

وفي بنغازي ومصراتة والزاوية، يتكرر المشهد نفسه وكأن المدن الليبية تتنافس على أطول طابور وقود.

يقول المواطن سالم الفرجاني، وهو معلم يقف في طابور بمحطة طريق المطار منذ ساعتين: “كل موسم عيد أو مناسبة نسمع الوعود، وكل مرة نجد أنفسنا هنا، كأننا في طاحونة لا تتوقف”.

وتضيف أمينة الشويهدي، وهي أم لأربعة أطفال تنتظر دورها في محطة بمنطقة عين زارة: “الحكومة تتحدث عن أرقام إنتاج قياسية، لكن أين تذهب هذه الأموال؟ نحن نقف هنا لساعات لنحصل على وقود مدعوم، بينما المهربون يملؤون شاحناتهم بحرية تامة”.

وفي جولة ميدانية أجريناها على عدد من المحطات في ضواحي طرابلس، رصدنا مشاهد مروعة لسيارات تقف في صفوف متعرجة، بعضها متوقف تماماً بعد نفاد الوقود من خزاناته أثناء الانتظار.

ويعلق صاحب إحدى محطات الوقود، الذي فضّل عدم ذكر اسمه خشية الملاحقة، قائلاً: “الحصة التي تصلنا لا تغطي الطلب، وهناك توجيهات غير معلنة بتقليص الكميات الموزعة على بعض المناطق لأسباب لا أفهمها”.

هذا التصريح يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول سياسة التوزيع الانتقائية التي تنتهجها الجهات الوصية على القطاع.

آلة التهريب: اقتصاد الظل يلتهم ثروة الليبيين

على الضفة الأخرى من الأزمة، تقف آلة تهريب الوقود كوحش هائل يلتهم ثروة الأجيال. ويكشف الخبير الاقتصادي وحيد الجبو في حديث خاص لموقعنا أن “الشبكات المنظمة لتهريب الوقود باتت أكثر تطوراً ونفوذاً، وتستفيد من حالة الانقسام السياسي والأمني لتعزيز سيطرتها على سلاسل التوزيع”.

ويضيف الجبو في تصريحات صحفية رصد ليبيا 24: “المأساة الحقيقية أن بعض الجهات المتنفذة داخل أجهزة الدولة المنقسمة على ذاتها توفر الغطاء الحامي لهذه الشبكات، مما يحول دون أي إجراء رادع حقيقي”.

وتشير تقديرات غير رسمية حصلنا عليها من مصادر مطلعة في قطاع النفط إلى أن كميات الوقود المهربة عبر الحدود البرية والبحرية قد تتجاوز ثلاثين في المئة من إجمالي الإنتاج المحلي المخصص للاستهلاك، وهي أرقام صادمة تؤكد أن ليبيا لا تعاني من نقص في الإنتاج، بل تعاني من نهب منظم لإنتاجها.

ويعلق الناشط المدني أسامة الشلماني قائلاً: “ما يحدث ليس أزمة وقود، بل جريمة اقتصادية مكتملة الأركان، والمتهم الأول هو حكومة غير شرعية لا تملك القدرة ولا الإرادة لوقف هذا النزيف”.

التصريحات الرسمية: هروب إلى الأمام وتبريرات مستهلكة

في مقابل هذه الصورة القاتمة، تخرج تصريحات المسؤولين في حكومة الدبيبة لترسم صورة وردية تارة، وتوزع اللوم على المواطنين تارة أخرى.

ففي الوقت الذي يقر فيه اللواء ميلود عطية عضو لجنة الوقود بوزارة الداخلية بحكومة الدبيبة منتهية الولاية بوجود ازدحام، يسارع إلى إلقاء جزء من المسؤولية على عاتق المواطنين أنفسهم، داعياً إياهم إلى “عدم التهافت” و”السلوك المسؤول”، وكأن الجوع والعطش للوقود في بلد تفتقر معظم مدنه لوسائل نقل عام لائقة هو مجرد سلوك استهلاكي يمكن ضبطه بالوعظ والإرشاد.

والأخطر من ذلك، أن تصريحات المسؤولين بدت متناقضة بشكل صارخ، فبينما تحدث عطية عن “بعض الصعوبات التي واجهت مصفاة الزاوية” مما يعكس هشاشة البنية التحتية النفطية، عاد ليؤكد أن “الوقود متوفر ولا توجد أزمة حقيقية في الإمدادات”.

هذا التناقض لا يعكس فقط أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمسؤول، بل يكشف عن غياب الرؤية الاستراتيجية لإدارة القطاع، حيث تتحول كل مشكلة موسمية إلى أزمة خانقة في ظل حكومة تدار بالأزمات لا بالحلول.

الانقسام السياسي: الثمن الذي يدفعه المواطن من وقته وكرامته

يرى المحلل السياسي إسلام الحاجي أن “الربط بين أزمة الوقود والأزمة السياسية الشاملة لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة تحليلية لفهم ما يجري”.

ويوضح الحاجي في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24: “عندما نتحدث عن حكومة منتهية الولاية ترفض تسليم السلطة، وعن انقسام مؤسساتي بين شرق البلاد وغربها، وعن صراع على الموارد بين مراكز قوى متعددة، فإننا نتحدث عن بيئة مثالية لنمو الفساد وازدهار التهريب وانهيار الخدمات”.

ويضيف: “ليبيا التي تنتج مليوناً وأربعمئة ألف برميل يومياً، بعائدات تقدر بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً، لا يمكن أن تعاني من طوابير وقود ما لم تكن هناك إرادة سياسية فاسدة تستفيد من هذه المعاناة”.

ويشير الحاجي إلى تقارير دولية موثقة تضع ليبيا ضمن أدنى المراتب في مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد، مؤكداً أن “استمرار حكومة الدبيبة في السلطة رغم انتهاء ولايتها ليس مجرد أزمة دستورية، بل هو استمرار لنمط حكم قائم على استغلال الموارد وتمزيق النسيج الاجتماعي”.

إيرادات النفط: جبل من الذهب وواد من الفقر

الوجه الآخر للمأساة يتجلى في المفارقة الصادمة بين العائدات النفطية الهائلة والواقع المعيشي المنهار. فبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن طفرة في الإيرادات، يعاني المواطن الليبي من انهيار القدرة الشرائية وتراجع قيمة الدينار وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية.

ويعلق المواطن محمد القمودي، وهو موظف حكومي براتب لا يتجاوز ألف ومئتي دينار، قائلاً: “يقولون لنا إن الإنتاج ارتفع والأسعار العالمية تحسنت، لكن راتبي لم يزد ديناراً واحداً، بينما ارتفعت أسعار كل شيء حولي”.

ويكشف تحليل معمق أجريناه بالتعاون مع خبراء اقتصاديين أن قيمة الإيرادات النفطية الإضافية التي حققتها ليبيا خلال العامين الماضيين نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية تتجاوز عشرين مليار دولار فوق التوقعات المدرجة في الميزانية العامة.

ويطرح الخبير الاقتصادي وحيد الجبو سؤالاً مركزياً: “أين ذهبت هذه المليارات؟” ويجيب بنفسه: “جزء كبير منها ابتلعته بنود الإنفاق السري والتسويات المالية المشبوهة، وجزء آخر ذهب لتمويل اقتصاد الظل وشبكات المصالح التي تدعم استمرار الوضع القائم، وما تبقى تبدد في مشاريع وهمية وعقود لم تمس حياة المواطن اليومية”.

تضخم الإنفاق العام: معركة البقاء على الموارد

ترسم بيانات الإنفاق العام صورة مخيفة لحجم الهدر المالي الذي تعاني منه الدولة الليبية.

ويشير المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم إلى أن “تضخم الإنفاق العام في ليبيا بلغ مستويات غير مسبوقة، حيث تجاوزت المصروفات العامة للعام الماضي مئة مليار دينار، ذهب معظمها لبنود التشغيل والمرتبات والدعم غير الموجه”.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ ليبيا 24: “المشكلة أن هذا التضخم في الإنفاق لا يعكس تحسناً في الخدمات أو زيادة في الأجور الحقيقية للمواطنين، بل يعكس تضخماً في الجهاز الإداري وفساداً في العقود والمشتريات الحكومية”.

وتكشف وثائق اطلعت عليها ليبيا 24 عن وجود أكثر من مليون ومئتي ألف موظف على قوائم الدولة، كثير منهم موظفون وهميون أو مزدوجو الوظائف، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه سبعة ملايين نسمة.

هذا التضخم الوظيفي لا يستنزف فقط موارد الدولة، بل يكرس اقتصاداً ريعياً هشاً قائماً على توزيع الريع النفطي عبر قنوات المحسوبية والولاءات السياسية، وهو ما يجعل أي إصلاح حقيقي مستحيلاً في ظل استمرار نفس المنظومة الحاكمة.

انهيار القدرة الشرائية: الدينار يذوي والمواطن يئن

على الجانب المعيشي المباشر، يدفع المواطن الليبي ثمناً باهظاً لسياسات حكومة الدبيبة النقدية والمالية. ويشير المحلل السياسي إسلام الحاجي إلى أن “تراجع قيمة الدينار الليبي لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحول إلى أداة يومية تنخر في كرامة المواطن وقدرته على العيش الكريم”.

ويكشف تحليل لأسعار الصرف الفعلية في السوق الموازية عن فجوة تتسع باستمرار مع السعر الرسمي، مما يخلق بيئة خصبة للمضاربة وغسيل الأموال وتهريب العملة إلى الخارج.

وتعلق المواطنة فاطمة الزوي، وهي أرملة تعيل أربعة أبناء، قائلة: “في كل مرة أذهب فيها إلى السوق، أجد الأسعار ارتفعت عما كانت عليه في الأسبوع السابق.

زجاجة الزيت التي كنت أشتريها بخمسة دنانير أصبحت باثني عشر ديناراً، وراتب زوجي التقاعدي لم يتغير. كيف يمكن أن نعيش هكذا؟”.

هذه الشهادة الحية تلخص المأساة اليومية التي تعيشها الأسر الليبية، حيث تلتهم الأسعار المتصاعدة ما تبقى من القدرة الشرائية، بينما تقف الحكومة عاجزة عن أي تدخل فعال.

تقارير الرقابة: أدلة دامغة على فشل ذريع

على الرغم من حالة الإفلات من العقاب التي تتمتع بها حكومة الدبيبة، فإن تقارير الأجهزة الرقابية الرسمية تقدم أدلة دامغة على حجم الفساد وسوء الإدارة.

فقد كشف تقرير حديث لديوان المحاسبة الليبي عن تجاوزات مالية بمليارات الدنانير في عقود حكومية تتعلق بقطاع النفط والخدمات. كما وثقت هيئة الرقابة الإدارية حالات تضخم في المناقصات الحكومية وتزوير في مستندات الصرف.

ويعلق الحقوقي عبد المنعم الطرابلسي قائلاً: “لدينا جبال من التقارير التي تدين هذه الحكومة، لكن ما ينقصنا هو الإرادة السياسية والقضائية لإنفاذ القانون. حكومة الدبيبة تعيش في جزيرة منعزلة عن القانون، تحميها ميليشيات مسلحة وشبكات مصالح عابرة للحدود”.

ويضيف: “المواطن الليبي يدفع ثمن هذا الإفلات من العقاب من رصيده اليومي من كرامة العيش وحقه في مستقبل آمن”.

الحلول الممكنة: بين الأمل والإحباط

في خضم هذا المشهد القاتم، يطرح خبراء ومراقبون مجموعة من الحلول التي يرون أنها ضرورية للخروج من النفق.

ويؤكد المحلل السياسي إسلام الحاجي أن “الحل لا يمكن أن يكون تقنياً فقط، بل لا بد من حل سياسي شامل يؤدي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام وبناء شرعية دستورية حقيقية”.

ويضيف: “لا يمكن لحكومة منتهية الولاية ومرفوضة شعبياً أن تقود أي إصلاح حقيقي، لأن بقاءها مرتبط باستمرار الأزمة لا بحلها”.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يقترح الخبير وحيد الجبو “حزمة إجراءات عاجلة تبدأ بتفعيل الرقابة الحقيقية على منافذ التوزيع، وضرب شبكات التهريب بقوة، وإعادة هيكلة الدعم ليصل إلى مستحقيه، وإصلاح منظومة الأجور والمرتبات لكسر حلقة الفقر والتهميش”.

لكنه يعود ليؤكد أن “كل هذه الحلول ستصطدم بجدار الفساد السياسي والإداري الذي بنته حكومة الدبيبة ومنظومة المصالح المحيطة بها”.

الوطن بين طابورين

يقف المواطن الليبي اليوم بين طابورين: طابور الوقود الذي يسرق ساعات يومه ويستنزف صبره، وطابور أطول هو طابور انتظار الرحمة من سلطة غارقة في فسادها وعجزها.

وبين هذا وذاك، يستمر نزيف الثروة واستنزاف الكرامة وانهيار ما تبقى من أمل في غد أفضل.

إن ما يجري في ليبيا اليوم ليس قدراً محتوماً ولا لعنة جيولوجية، بل هو نتاج سياسات متعمدة ومصالح متشابكة تستفيد من بقاء البلاد في دائرة الفشل المزمن.

وكلما طال أمد بقاء حكومة الدبيبة في السلطة دون تفويض حقيقي من الشعب، تعمقت الجراح واتسعت الهوة بين ليبيا الثروة وليبيا الفقر، بين ليبيا الإنتاج وليبيا الطوابير، بين ليبيا التي نحلم بها وليبيا التي تفرضها علينا حكومة منتهية الصلاحية ترفض الرحيل وترفض الإصلاح وترفض حتى أن ترى دموع مواطنيها وهم يقفون في طوابير الذل اليومي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى