ليبيا 24
قراءة معمقة في أطروحات ونيس حول مفوضية اللاجئين والبعثة الأممية
يطرح عضو مجلس الدولة سعيد ونيس رؤية مركبة تجمع بين أبعاد السيادة الوطنية وتعقيدات إدارة ملف الهجرة غير النظامية، مقترحاً أن انتقال الدولة الليبية إلى إخراج المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ليس مجرد إجراء سيادي، بل مدخل إلى إعادة تعريف شاملة لكيفية تعامل ليبيا مع التزاماتها الإنسانية والقانونية، بينما يفتح في الوقت ذاته باب النقاش حول مستقبل البعثة الأممية برمتها.
وتكتسب هذه الأطروحة أهميتها من أنها تنطلق من موقع صانع قرار سياسي، لتلامس تقاطعات الهجرة والاقتصاد غير المنظور والفساد المؤسسي ومسارات الحل السياسي، في لحظة تتصاعد فيها الضغوط الداخلية والخارجية على حد سواء.
إعادة تعريف السيادة في ملف الهجرة
في صلب طرح ونيس توجد فكرة مفادها أن إخراج المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من المشهد يعني أن الدولة الليبية تختار أن تمسك بالملف مباشرة، باعتباره قضية وطنية محضة تخضع للتشريعات والاتفاقيات النافذة داخل البلاد.
وبموجب هذا التوجه، يصبح كل من دخل الأراضي الليبية بطريقة غير قانونية خاضعاً للقانون الوطني، وهو ما يترتب عليه إجراءات تبدأ بالتحقيق والمحاكمة ولا تنتهي عند الإيداع في مؤسسات الإصلاح والتأهيل، بل تمتد إلى الترحيل على نفقة الدولة الليبية إلى دول المنشأ.
وهذا المقتضى، وفق ونيس، ينقل جزءاً كبيراً من الكلفة الاقتصادية من كاهل المنظمات الدولية إلى الموازنة العامة، في وقت تعاني فيه ليبيا من عجز هيكلي وتضخم في الإنفاق الاستهلاكي.
غير أن الانعطافة الأهم في هذه الرؤية تكمن في تعقيدات الحالات التي لا تملك وثائق تثبت هوياتها أو جنسياتها.
هؤلاء الأشخاص، الذين يشكلون شريحة متزايدة في تدفقات الهجرة المختلطة، سيتحولون إلى عبء قانوني ولوجستي طويل الأمد على مراكز الإصلاح والتأهيل، ما لم تنجح الدولة في إبرام اتفاقات ثنائية مع دول المصدر أو العبور.
وتجدر الإشارة إلى أن ليبيا ليست طرفاً في اتفاقية جنيف للاجئين لعام 1951، ما يجعل تعاملها مع ملتمسي اللجوء قائماً على أطر قانونية وطنية وتفاهمات غير مستقرة، وهو ما يزيد من هشاشة الوضع حال انسحاب المفوضية بشكل مفاجئ.
ملفات شائكة تتجاوز قدرة المراكز الحالية
يلفت ونيس إلى أن الدولة ستواجه، في غياب المفوضية، منظومة من الملفات المتشابكة التي طالما كانت الأمم المتحدة شريكاً في إدارتها.
وأبرز هذه الملفات: أعداد المواليد على الأراضي الليبية من دون تسجيل رسمي، والذين يفتقرون إلى أي وثائق قانونية تجعل منهم أشخاصاً معترفاً بهم على الإطلاق، فضلاً عن حالات الوفاة مجهولة الهوية وما يرتبط بها من إجراءات شرعية وقضائية وإنسانية.
وتفيد تقديرات منظمات دولية بأن ليبيا تحتضن أكثر من سبعمئة ألف مهاجر، غالبيتهم في وضع غير نظامي، يعيش عشرات الآلاف منهم في مراكز إيواء مكتظة تديرها أجهزة حكومية وأخرى موازية، وسط تقارير متواترة عن انتهاكات وظروف غير آدمية.
من الزاوية الاقتصادية، يحيل هذا الواقع إلى اقتصاد خفي تدور في فلكه ممارسات تهريب البشر والاتجار بهم، وابتزاز المهاجرين، وتهريب الوقود والسلع المدعومة عبر الحدود.
وبحسب أوراق بحثية ليبية، فإن تجفيف منابع هذا الاقتصاد الموازي يتطلب، بالإضافة إلى الإرادة الأمنية، تعزيز قدرات مؤسسات الإصلاح والتأهيل وتطوير بنى تحتية قضائية وصحية قادرة على استيعاب الترحيل والفرز وتسوية الأوضاع القانونية، وهو ما يضع ملف الهجرة في صميم أي نقاش حول استدامة المالية العامة، لا سيما أن كلفة إعادة المهاجرين قد تفوق في بعض السيناريوهات ما تنفقه الدولة حالياً على دعم المحروقات.
البعثة الأممية بين القصور المدرك والتأثير المباشر
ينتقل ونيس في تحليله إلى مستوى أبعد حين يتناول احتمالية إنهاء وجود البعثة الأممية برمتها، استناداً إلى ما يعده كثير من الليبيين قصوراً واضحاً في أدائها. ويركز هنا على غياب استراتيجية متكاملة ومستقرة للتعامل مع الملف الليبي، وترك المجال لاجتهادات المبعوثين المتعاقبين الذين تباينت خلفياتهم وتقديراتهم إلى حد التناقض أحياناً.
والأخطر، من وجهة نظر عضو مجلس الدولة، هو انتقال دور البعثة من المساعدة والدعم الفني إلى التأثير المباشر في إدارة الملف السياسي الليبي، وهو ما يمس في جوهره مفهوم السيادة الوطنية.
ويشير تحليل ونيس إلى أن إخراج البعثة من المشهد الليبي سيؤدي، في الحد الأدنى، إلى توقف مسار المبادرة التي ظلت البعثة متمسكة بها، وعلى رأسها مشروع الانتخابات ودعم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعزيز دورها. وهنا يصبح الليبيون أمام خيارات محدودة، من أبرزها المبادرات البديلة القائمة على منطق الصفقات وتقاسم النفوذ بين القوى الفاعلة على الأرض.
ويرى كثير من المراقبين، ومنهم ونيس، أن هذه المبادرات غير قادرة على إنتاج حل مستدام، بل قد تكرس واقع الانقسام المؤسسي وتعطي غطاءً لترتيبات لا تستند إلى شرعية الانتخابات.
سلطات الأمر الواقع وحصار المؤسسات التشريعية
في شق موازٍ، يضيء ونيس على مفارقة ليبية جوهرية، إذ تمكنت سلطات الأمر الواقع من بسط نفوذها على مكاتب رئاسة السلطات التشريعية، وهو ما انعكس سلباً على أداء هذه السلطات وقدرتها على ممارسة اختصاصاتها الدستورية بصورة مستقلة.
وقد أدى هذا الواقع، حسب ونيس، إلى تعطيل استحقاقات أساسية، حتى في ملفات إدارية ورقابية يفترض أنها بسيطة، رغم ما تشير إليه التقارير المحلية والدولية من مؤشرات فساد وتحديات تتطلب معالجة عاجلة.
من الناحية الاجتماعية – الاقتصادية، يعني هذا التعطيل أن الرقابة على المال العام تتراجع، وأن آليات المساءلة تتعطل في وقت تمر فيه البلاد بموجات غلاء غير مسبوقة، وتراجع في القدرة الشرائية للمواطنين، وتفشي البطالة في صفوف الشباب الذين يشكلون القاعدة العريضة للسكان.
وقد أظهر تقرير صادر عن جهات رقابية محلية أن عقوداً بمليارات الدنانير أبرمت خارج الأطر القانونية، وأن قطاعات الصحة والتعليم والكهرباء تعاني من شح التمويل رغم وفرة المخصصات على الورق. وفي غياب رقابة برلمانية حقيقية، تتحول الموازنة العامة إلى وعاء للريع والمحاصصة، وهو ما يعمق أزمة الثقة بين المواطن والدولة، ويدفع نحو مزيد من الاحتقان الاجتماعي.
بدائل الانتقال السياسي بين التوصيف والصفقات
يخلص ونيس إلى أن الإبقاء على الوضع القائم يمثل أحد المسارات المحتملة، باعتبار أن الحكومة الحالية خرجت من رحم حوارات رعاها المجتمع الدولي، وعلى رأسها ملتقى الحوار السياسي في جنيف.
وبالتالي فإن أي تغيير جوهري في هذا المسار يفترض أن يتم ضمن الإطار السياسي ذاته، أو عبر توافقات جديدة تحظى باعتراف داخلي ودولي متزامن.
لكنه يلفت إلى مأزق مضاعف: ففي الوقت الذي تتآكل فيه شرعية المؤسسات القائمة بفعل الجمود السياسي ومحدودية الإنجاز على الأرض، تظل خيارات الذهاب إلى انتخابات رهينة توفر بيئة آمنة وقانون توافقي وموقف موحد من القوى الدولية الفاعلة.
ويضيف البعد الاقتصادي طبقة أخرى من التعقيد، إذ أن استمرار الجمود يبقي على حالة عدم اليقين التي تنفّر الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحد من قدرة المؤسسة الوطنية للنفط على تخطيط طويل الأمد، في وقت تحتاج فيه ليبيا إلى استثمارات ضخمة لرفع طاقتها الإنتاجية وتعزيز احتياطياتها من النقد الأجنبي.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن تأخير التسوية السياسية يكلف الاقتصاد الليبي ما لا يقل عن نقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية من النمو المحتمل سنوياً، في بلد يملك احتياطيات نفطية مؤكدة تتجاوز 48 مليار برميل.
جوهر النقاش: قدرة الدولة لا مجرد حضور الأمم المتحدة
في خلاصة أطروحته، يرفض ونيس حصر النقاش في ثنائية بقاء المفوضية أو البعثة من عدمه، ويدفع باتجاه التركيز على قدرة الدولة الليبية على مواجهة هذه التحديات وإعادة بناء مؤسسات قوية وفاعلة، تكون مؤهلة لإدارة ملفات الهجرة واللجوء والانتقال السياسي وفقاً لمقتضيات السيادة الوطنية، وبما يضمن في الوقت نفسه احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان وحماية المصالح العليا للدولة الليبية.
وهذا التأسيس يتطلب، من الناحية العملية، استثماراً مالياً وبشرياً في قطاعات القضاء والأمن والرعاية الاجتماعية، وإصلاحاً عميقاً في منظومة الحوكمة المالية ومكافحة الفساد.
إن الجدل الذي يحركه ونيس لا يختزل في موقف سياسي من وجود دولي، بل يرسم خريطة طريق مؤسسية تبدأ بإعادة تعريف السيادة من شعار إلى ممارسة، مروراً بإصلاح عميق في الاقتصاد السياسي للدولة الليبية، وصولاً إلى تفكيك حلقات الاقتصاد غير الرسمي الذي يستفيد من الفوضى في ملف الهجرة كما يستفيد من الانقسام السياسي.
وبقدر ما تحمله هذه الرؤية من طموح، فإنها تضع النخبة الليبية أمام امتحان القدرة على الإنجاز، في لحظة تتزايد فيها الشكوك حول جدية الأطراف كافة في مغادرة حالة اللادولة المزمنة.



