بوابات ليبيا عقيدة سيادية جديدة بين حتمية الإنفتاح وقدسية القانون.. العكروت: حدودنا سيادة ونرفض اختراقها
ليبيا ترحب بالوافد الشرعي وتتصدى للمتسلل بحزم القانون
ليبيا 24
العكروت: ليبيا بحاجة إلى خطاب متوازن يجمع بين الانفتاح المشروع وحماية الحدود
في خضم جدل محتدم حول الهوية والسيادة وإدارة تدفقات البشر عبر حدود دولة أنهكتها الانقسامات، يبرز خطاب دبلوماسي رفيع يعيد صياغة المشهد بكلمات محسوبة بدقة. إنها مقاربة السفير الليبي السابق لدى البحرين وسلطنة عمان، محمد العكروت، التي تطرح رؤية متكاملة تتجاوز ردود الفعل الظرفية لتؤسس لما يشبه عقيدة دولة متماسكة، تمزج بين ضرورات الواقع الاقتصادي وقدسية الإطار القانوني الدولي.
إنها رسالة تقول بوضوح: ليبيا ليست معزولة عن العالم، ولكنها لن تكون أرضاً مباحة لمن لا يحترم سيادتها.
ثنائية الترحيب والضبط: كسر ثنائية الانغلاق والفوضى
ينطلق العكروت من قاعدة صلبة ترفض منطق الإقصاء المطلق كما ترفض منطق الاستباحة. فالتصريح بأن “ليبيا ترحب وتفتح أبوابها لكل أجنبي يدخلها بالطرق الشرعية المتفق عليها دوليا” ليس مجرد مجاملة دبلوماسية، بل هو إعلان حاجة اقتصادية واجتماعية.
في بلد يحتاج إلى إعادة إعمار شاملة، وإلى خبرات فنية وعمالة ماهرة، يأتي هذا الخطاب ليؤكد أن ليبيا تتبنى سياسة الباب المفتوح المشروط.
هذا الشرط ليس تعسفياً، بل هو كما يؤكد العكروت، “ما تتفق عليه وتتبناه دول العالم”، وفيه إشارة ذكية إلى أن الانضباط القانوني ليس استثناءً ليبياً بل هو القاعدة العالمية التي ترتكز عليها الدول المستقرة.
لا تمييز في الترحيب ولا تهاون في الردع: سيادة القانون فوق كل اعتبار
في موقف متقدم يستبق أي اتهامات بالعنصرية أو التمييز، يقطع العكروت الطريق على التأويلات المغرضة بتأكيده أن “ليبيا لا تميّز بين القادمين لا عرقيا ولا دينيا ماداموا يطلبون الدخول بالطرق المشروعة”.
هذا المبدأ يحصن الموقف الليبي أخلاقياً وقانونياً، ناقلاً السجال من مربع الهوية والانتماء إلى مربع الالتزام بالإجراءات. وبالمقابل، يأتي الحسم في التعامل مع الظاهرة التي تؤرق الدولة: “الذين يتسللون ويعبرون حدود ليبيا بطرق غير مشروعة فان البلاد لا تتحمل مسؤولية دخولهم ولا بقائهم”.
إنه خطاب سيادي بامتياز، يضع المسؤولية على عاتق المتجاوز للقانون أولاً، ويعلن أن الدولة ستستعيد هيبتها المفقودة على حدودها.
منطق الحدود العالمي: أسئلة العكروت الوجودية
يستخدم العكروت أسلوباً جدلياً قوياً ليجرّد الموقف الدولي المزدوج من أي غطاء أخلاقي متسائلاً: “لماذا أقامت الدول الحدود بينها ووضعت رجال جوازات ورجال جمارك ورجال أمن على كل منافذ الدخول إليها؟”. هذا السؤال البلاغي هو في صميمه تحليل سياسي واقعي يذكر الجميع بأن ممارسة السيادة على الحدود ليست جريمة، بل هي جوهر تعريف الدولة الحديثة.
ويزيد من حدة التحليل بقوله: “لماذا إذاً تشدد الدول وتمنع تأشيرات الدخول الرسمية إليها رغم الوثائق والمستندات؟”.
إنه تذكير صارم بأن من يطالب ليبيا اليوم بالتساهل، هو نفسه من يُقيم أعتى أنظمة التأشيرات والمراقبة لحماية أمنه القومي ونسيجه الاجتماعي.
الخلاصة هنا واضحة: “لن نقبل دخول غير المستوفين وثائقهم وهذا هو النظام الدولي المتفق عليه”، وهو إعلان انخراط كامل في المنظومة السيادية العالمية وليس خروجاً عليها.
الهندسة الاجتماعية للخطاب: تجفيف منابع التطرف
ولأن المعركة لا تقل شراسة في الفضاء الافتراضي عنها على الأرض، ينزل تصريح العكروت الأخير بثقل تحليلي على طبيعة الخطاب الشعبي والإعلامي. تحذيره من “التعميم والشمولية” ليس ترفاً فكرياً، بل هو استراتيجية أمن مجتمعي، فالتعميم يخلق عداءً مفتوحاً مع جنسيات بأكملها، ويوفر ذخيرة مجانية لدعاة التطرف ومنظمات حقوق الإنسان التي تتربص بليبيا.
الدعوة إلى “توافق الخطاب الرسمي والشعبي” هي محاولة لبناء جبهة داخلية متماسكة، تدرك أن معركتها ليست ضد جنس بشري، بل ضد حالة الفوضى، لضمان ألا يُفسر الدفاع المشروع عن السيادة على أنه ظلم أو اضطهاد.
في المحصلة، يقدم العكروت خارطة طريق لكيفية تحدث ليبيا إلى العالم عن نفسها: دولة واثقة من حاجتها للآخر، لكنها أكثر ثقة في حقها في حماية بيتها بقانون لا يميز، وسيادة لا تُنتقص.



