طرابلس: ستار التوصيات ومسرح الانقسام.. الحوار المهيكل يفضي إلى وثيقة مثقلة بالاعتراضات ومستقبل غامض
الحوار المهيكل يختتم أعماله بخلافات عميقة ومخاوف من مرحلة انتقالية جديدة
ليبيا 24
توصيات طرابلس الختامية تصطدم باتهامات إقصاء وتدخل أممي مباشر
في قاعة لم تهدأ فيها همهمات الاعتراض منذ ساعات الصباح الأولى، أسدل الستار الأحد في طرابلس على الجلسة الختامية للحوار المهيكل الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. في ظاهر المشهد، تم تقديم حزمة توصيات نهائية طموحة تغطي مسارات الأمن والاقتصاد والحوكمة والمصالحة الوطنية، كُتبت بلغة فنية محكمة تحاكي أفضل معايير الحوكمة الرشيدة.
لكن في باطنه، بدا أن الوثيقة الختامية تحولت إلى مرآة عاكسة لأزمة الثقة المزمنة التي تعصف بالبلاد، حيث كشف التباين الحاد بين لهجة التوصيات وحجم الاعتراضات المعلنة من داخل غرفة الحوار ذاتها عن شرخ عميق يبتلع أي إمكانية للتوافق الوطني المنشود.
إطار استراتيجي وانهيار في الثقة
منذ إطلاقه في ديسمبر الماضي، سُوِّق للحوار المهيكل باعتباره المكون التقني الأكثر رصانة ضمن خارطة الطريق السياسية، مكلفاً بمهمة شاقة هي تهيئة البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية لإجراء انتخابات طال انتظارها. غير أن ما حدث خلال الأسابيع الماضية، وبلغ ذروته في الجلسة الختامية، يشير إلى أن الحوار تحول من منصة لبناء الإجماع إلى حلبة لصراع الإرادات حول قواعد اللعبة نفسها.
التصريحات التي أدلى بها عضو مجلس النواب سعيد امغيب وضعت الإصبع على مكمن الخطر، حين تحدث عن أزمة ثقة حادة وشعور بالإقصاء تغلغل بين صفوف المشاركين.
إن اتهام لجنة الصياغة برفض تضمين خيارات وبدائل جوهرية تقدمت بها مجموعات كاملة داخل الحوار لا يمثل مجرد خلاف تقني حول صياغة العبارات، بل هو اتهام سياسي خطير باحتكار كتابة المستقبل الليبي بأيدٍ قليلة، مما يفرغ العملية برمتها من روح الحوار التعددي ويجعل منها عملية ترسيخ لرؤية أحادية تحت غطاء دولي.
تفاصيل التوصيات.. طموح على الورق يناطح واقع الانسداد
على مستوى المضمون، لا يمكن إنكار الطبيعة الشمولية التي اتسمت بها التوصيات. فعلى الصعيد الاقتصادي، حملت الوثيقة مقترحات جذرية تستهدف تفكيك هيكل الاقتصاد الريعي المشوه. الدعوة إلى وقف مبادلات النفط بالمحروقات بشكل قاطع، وإلزام المؤسسة الوطنية للنفط بإيداع الإيرادات مباشرة في الحساب السيادي لدى مصرف ليبيا المركزي، تمثل انقلاباً على عقود من الممارسات المالية المعتمة التي جعلت من قطاع الطاقة بؤرة للصراع والاستغلال السياسي.
وفي السياق ذاته، يبدو استهداف إيقاف آلية “الدفع بالإنابة” ومراجعة الحسابات الختامية المتراكمة عبر ديوان المحاسبة، وكأنه إعلان حرب على اقتصاد الظل الذي تديره شبكات مصالح متجذرة.
غير أن السؤال المركزي يظل قائماً: من يمتلك القدرة على فرض هذه الإجراءات على أرض الواقع في ظل حكومة منقسمة ومؤسسات مشلولة؟ إن التوصية المتعلقة بإصلاح الأجور عبر قانون موحد يضع حداً أقصى للفوارق يلامس جوهر الاستياء الاجتماعي، لكنه في الوقت ذاته يهدد بشكل مباشر بنية الامتيازات التي تحافظ على تماسك تحالفات هشة قائمة على شراء الولاءات عبر التوظيف الوهمي والتضخم الإداري.
أما في المسار الأمني، فقد تجاوزت التوصيات حدود المعالجات التكتيكية لتطرح رؤية استراتيجية حاسمة. إن إقرار بروتوكول وطني ودولي ملزم بعدم الاعتراف بأي سلطة موازية تنشأ خارج الإطار الانتخابي، مشفوعاً بفرض عقوبات على معرقلي التداول السلمي للسلطة، يمثل نقلة نوعية في التفكير السياسي الليبي.
هذه النقطة تحديداً تعكس وعياً عميقاً بأن التاريخ الليبي الحديث هو تاريخ من الانقلابات الناعمة والانقسامات المؤسسية التي تكرسها الاعترافات الدولية الانتهازية.
لكن مجدداً، تتجلى المفارقة المأساوية؛ فالقوى المطالبة اليوم بتوقيع هذا البروتوكول هي ذاتها القوى التي قد تجد في إنشاء كيانات موازية ملاذها الوحيد غداً في حال لم تسر العملية الانتخابية وفق مصالحها.
كما أن ربط نجاح الانتخابات بتوفر توافق سياسي وقبول مسبق بالنتائج يبدو أقرب إلى معادلة رياضية مستحيلة الحل، إذ أن المشكلة الليبية تكمن تحديداً في غياب هذا التوافق واستعداد الجميع لقبول النتائج دون تحفظات مبيتة.
جدل الحوكمة ومستقبل الشرعية الانتخابية
تقدم توصيات مسار الحوكمة وصفة متكاملة للخروج من النفق، لكنها وصفة قد تكون شديدة السمية بحيث تقتل المريض. الدعوة إلى تشكيل حكومة واحدة مؤقتة جديدة تتولى الإشراف الحصري على الانتخابات، مع ضمانات صارمة لعدم تمديد ولايتها، تحمل في طياتها نواة أزمة جديدة.
من سيشكل هذه الحكومة؟ وتحت أي قاعدة دستورية؟ وكيف يمكن منحها صلاحيات حصرية في بلد تتوزع فيه السلطة الفعلية على آلاف التشكيلات المسلحة؟ إن فكرة “الاستفتاء التحكيمي” التي وردت كحل للخيارات الدستورية العالقة تبدو مثيرة للاهتمام، لكنها في السياق الليبي قد تتحول إلى أداة تفجيرية إذا لم تحظ بإجماع مسبق، حيث يمكن لطرف أن يرى في نتيجة الاستفتاء شرعنة لموقفه، بينما يراها الطرف الآخر مؤامرة جديدة تستوجب العودة إلى السلاح.
وفي هذا السياق، يأتي كشف عضو مجلس النواب علي الصول عن تصريحات للمبعوثة الأممية هانا تيتيه بأن مخرجات الحوار “غير ملزمة”، ليكرس الفجوة بين الطموح السياسي والواقع الإجرائي. فإذا كانت المخرجات غير ملزمة، فما هو الوزن الحقيقي لكل هذا الجهد التفاوضي؟ وهل تحولت العملية برمتها إلى تمرين فكري باذخ لتحديد الخيارات المثالية التي لن تُطبق؟
المبادرة الموازية: ظل 4+4 يبتلع الحوار المهيكل
وسط ركام الاعتراضات، بدا واضحاً أن الحديث عن مبادرة أخرى تقودها جهات دولية فاعلة، ممثلة في لجنة 4+4 المصغرة، يكتسب زخماً كبديل عملي يتجاوز ضبابية الحوار المهيكل. يرى مؤيدو هذا المسار، بمن فيهم عضو مجلس النواب علي الصول والباحث محمد امطيريد، أن تضييق دائرة المشاركة يمثل السبيل الوحيد للوصول إلى رؤية موحدة تعالج الانسداد السياسي.
هذه الرؤية تستند إلى تجارب تاريخية مفادها أن الحوارات الموسعة في ليبيا كثيراً ما تحولت إلى أسواق للمساومات الفئوية، بينما اللجان المحدودة القادرة على عقد صفقات كبرى مدعومة بإرادة دولية حازمة، يمكنها إنجاز ما تعجز عنه المنتديات الواسعة.
لكن هذا التوجه ينطوي على خطره الخاص: فهو يكرس منطق النخبوية السياسية التي قد تنتج توافقاً هشاً بين القادة، بينما تظل كتلة المهمشين والرافضين لهذا المسار قنبلة موقوتة تهدد أي تسوية من الداخل.
اقتصاد سياسي للفشل: لماذا تتعثر التوافقات؟
لفهم لماذا تتكرر هذه الحلقات المفرغة، يجب الغوص في الاقتصاد السياسي للصراع الليبي. التوصيات التي ينتجها أي حوار، مهما بلغت دقتها، تصطدم ببنية مصالح راسخة تجني أرباحاً طائلة من الفوضى. إن التوصية بخفض الإنفاق العام وإصلاح الميزانية تعني تجفيف منابع تمويل شبكات الزبائنية السياسية. والتوصية بمنع استحداث جهات جديدة تمول من الميزانية تعني وقف شراء السلم الاجتماعي بالوظائف الوهمية.
والتوصية بنشر القوائم المالية للمؤسسة الليبية للاستثمار تعني رفع غطاء السرية عن صندوق أسود يقال إنه يمول صراعات المنطقة بالوكالة. باختصار، كل توصية إصلاحية هي تهديد مباشر لمركز قائم. وعندما يشعر أصحاب هذه المراكز بأنهم مستهدفون، فإنهم لا ينسحبون فحسب، بل ينتقلون إلى مرحلة تخريب العملية السياسية برمتها، سواء عبر خلق عراقيل أمنية، أو عبر تعطيل أي إطار قانوني يمهد لتنفيذ هذه التوصيات.
المصالحة الوطنية: جبر الضرر في غياب الدولة
وحدها توصيات مسار المصالحة الوطنية كشفت عن التناقض الأعمق في التجربة الليبية. فالحديث عن كشف الحقيقة وجبر الضرر والمحاسبة، في بلد لم تنجز فيه خريطة دقيقة لضحايا الصراعات المتعاقبة، ولا تزال فيه قضية المفقودين عالقة كجرح غائر في ذاكرة عشرات الآلاف من العائلات، يبدو ضرباً من ضروب البلاغة السياسية.
مشروع قانون المفقودين الذي تدعو الوثيقة لصياغته هو ضرورة إنسانية ملحة، لكنه في غياب سلطة قضائية مستقلة وأجهزة أمنية موحدة، يظل مجرد نص قانوني بلا روح. إن المصالحة الحقيقية لا تُصنع في غرف الفنادق، بل تُصنع في قاعات المحاكم العادلة، وفي قدرة الدولة على فرض تعويضات جابرة، وفي شجاعة النخب على تقديم اعتذار تاريخي صادق. كل هذا يبقى رهينة بناء دولة قادرة، وهو الهدف الذي لم يتحقق بعد.
منصة لتجديد الأزمة أم بارقة أمل؟
في التحليل النهائي، لم يكن الحوار المهيكل استثناءً في التاريخ السياسي الليبي المعاصر، بل كان تأكيداً على قواعده الثابتة. لقد ولد الحوار مثقلاً بتوقعات فاقت قدرته على الفعل، وانتهى إلى وثيقة تعكس أحلاماً لا تستطيع أي جهة تنفيذها.
وصف المحلل السياسي عمر بوأسعيدة للحوار بأنه “مبادرة ولدت ميتة لصناعة مرحلة انتقالية جديدة غير مضمونة النتائج” ليس تشاؤماً مفرطاً، بل قراءة واقعية لمسار تكرر بنفس النمط مرات عديدة. لكن الأخطر من ذلك هو ما أشار إليه الباحث حسام الفنيش نقلاً عن أعضاء في الحوار، من أن البعثة الأممية فرضت المخرجات لخدمة أجندات خارجية.
هذا الاتهام، إن صح، يكشف عن مأزق السيادة الوطنية الذي يلقي بظلاله على كل ما يجري. فليبيا، التي عانت من التدخل الأجنبي على مدى عقد من الزمان، يبدو أنها ما زالت غير قادرة على إنتاج حل ليبي خالص، وتظل أسيرة معادلة إقليمية ودولية لا تريد للصراع أن ينتهي تماماً، ولا أن يشتعل خارج السيطرة.
إن ما تبقى الآن هو كومة من التوصيات المعلقة في الفراغ، بينما تتجه الأنظار نحو صيغة 4+4 المصغرة باعتبارها طوق النجاة الأخير. في هذا السياق، ليس مبالغاً القول إن مصير البلاد مرهون بقدرة الليبيين على تجاوز ثقافة الحوارات المتوازية لصالح صفقة تاريخية كبرى واحدة، تبدأ بالحد الأدنى من التوافق حول من يحكم، وكيف يتم تداول السلطة، وأين تذهب عائدات النفط. وحتى ذلك الحين، ستبقى كل توصية حبراً على ورق، وستظل طرابلس تشهد جلسات ختامية أخرى، ربما بعناوين أكثر إبداعاً، لكن بنفس المشهد: قاعة مليئة بالأمل، وثيقة مليئة بالتوصيات، وبلاد تزداد غرقاً في مستنقع اللادولة.



