ليبيا

إقليم المنطقة الوسطى يثير عاصفة رفض وتحذيرات من التقسيم: ميلاد كيان أم بداية تفكيك للدولة الليبية؟

خطوة مصراتة نحو الأقلمة تفجر غضباً شعبياً وتخوفاً وطنياً


ليبيا 24

إعلان إقليم الوسطى يثير عاصفة رفض وتحذيرات من التقسيم
حدث يتجاوز الإعلان

في الثامن من يونيو عام ألفين وستة وعشرين، خرجت بلدية مصراتة على الملأ بإعلان وُصف بالتاريخي من قبل مطلقيه، والمشؤوم من قبل معارضيه، حين أعلنت عن ميلاد ما أسمته “إقليم المنطقة الوسطى”، في خطوة قالت إنها تهدف إلى تعزيز العمل المشترك وتوحيد الجهود وترسيخ مسار تنموي وخدمي. لكن ما إن انتشر الخبر عبر منصات التواصل الاجتماعي حتى اشتعلت الساحة الليبية بردود فعل غاضبة ومتشككة، كشفت عن شرخ عميق في الجسد الوطني، وأعادت إلى الواجهة أسئلة وجودية حول وحدة الدولة الليبية وهويتها ومستقبلها.

ففي بلد أنهكته الانقسامات والصراعات المسلحة والحكومات المتوازية، يأتي هذا الإعلان ليفتح جرحاً جديداً، أو ربما ليكشف عن جرح قديم لم يندمل بعد، عنوانه العريض: هل تسير ليبيا نحو التقسيم الفعلي تحت مسميات إدارية وتنموية براقة؟

خلفية الإعلان: من حضر ومن غاب؟

بحسب البيان الصادر عن بلدية مصراتة، فقد جرى الإعلان خلال اجتماع ضم عمداء بلديات من مصراتة وزليتن وبني وليد وترهونة والخمس وتينيناي والمردوم وقصر الأخيار، وهي مدن ومناطق تقع في شريط يمتد من شرق العاصمة طرابلس إلى مشارف منطقة سرت، وتضم ثقلاً سكانياً واقتصادياً وعسكرياً معتبراً.

البيان تحدث بلغة طموحة عن “محطة مفصلية” و”بداية مرحلة جديدة” و”آفاق واسعة للتطوير والعمل المؤسسي”، وحرص على التأكيد أن الهدف هو “تعزيز فرص الإنجاز وتحقيق الأهداف المنشودة” من خلال “الشراكة والتكامل والمسؤولية”. لكن الغائب الأكبر عن هذا الإعلان كان السؤال الجوهري: تحت أي سقف قانوني ودستوري تم هذا الميلاد؟

فلم يصدر عن أي جهة تشريعية أو تنفيذية معترف بها، ولم يستند إلى أي تفويض شعبي عبر انتخابات أو استفتاء، بل جاء من مجالس بلدية هي في الأصل هيئات خدمية محلية، لا تملك صلاحية رسم خريطة ليبيا الإدارية أو السياسية.

الأساس القانوني: بين النص والتجاوز

في قراءة متأنية للقانون الليبي، تبرز إشكالية قانونية عميقة فجرتها حميدة محمد المنقوش، عضو المجلس البلدي مصراتة السابق، حين استحضرت نص القسم الذي يؤديه عمداء البلديات: “أقسم بالله العظيم أن أؤدي مهام عملي بكل أمانة وإخلاص وأن أحترم القانون واللوائح الداخلية للمجلس وأن أراعي مصالح الشعب الليبي رعاية كاملة وأحافظ على استقلال ليبيا وأمنها ووحدة أراضيها”.

وتتساءل المنقوش: أي قانون يمنح عمداء البلديات حق تشكيل إقليم؟ مشيرة إلى المادة الرابعة والأربعين من قانون الحكم المحلي رقم تسعة وخمسين التي تنص على أن “الإقليم الاقتصادي يتكون من محافظة أو أكثر ويكون لكل إقليم مجلس خاص للتخطيط الإقليمي وذلك على النحو الذي يصدر به قرار من مجلس الوزراء بناء على عرض الوزير ووزير التخطيط”. وتؤكد أن الإقليم يتكون من محافظات وليس من بلديات، وأن الفرق شاسع بين المحافظ وعميد البلدية.

هذه القراءة القانونية تعززها آراء واسعة في الشارع الليبي، حيث أجمع متابعون على أن “مجلس بلدي منفرد لا يملك سلطة الإعلان الرسمي عن إنشاء إقليم إداري جديد ملزم للدولة”، وأن هذه المسائل “تتطلب صدور تشريعات أو قرارات من الجهات المختصة على مستوى الدولة”.

الوزيرة السابقة سميرة الفرجاني ذهبت إلى أبعد من ذلك حين اعتبرت أن “تقسيم ليبيا لأقاليم هو قرار سيادي يجب أن ينص عليه الدستور، وليس مجرد فكرة طلعت في رأس أحدهم”. وأضافت بتصعيد خطير: “بهذا الإجراء وبهذا الإعلان هم نفذوا أجندة دول محور الشر والأمم المتحدة”.

ردود الفعل السياسية: من البرلمان إلى مجلس الدولة

على المستوى التشريعي، جاءت ردود الفعل سريعة وقاطعة. محمد عامر العباني، عضو مجلس النواب، أعلنها صريحة: “الدعوة للأقاليم فكرة تقود إلى أقلمة الدولة وتفكيك وحدتها، ليبيا دولة بسيطة موحدة لا تقبل القسمة إلا على نفسها وترفض التجزئة أو التقسيم تحت أي اسم أو ذريعة كانت، لا للأقاليم”.

أما النائب علي التكبالي فذهب إلى تحذير أكثر قتامة حين قال: “منذ ألفين وأحد عشر وأنا أردد: سوف تقومون ذات يوم ولن تجدوا ليبيا التي تعرفونها.. أرجو أن أكون مخطئا”. كلمات تحمل نبوءة تتحقق ببطء على وقع الأحداث.

النائب جاب الله الشيباني قدم تحليلاً متوازناً حين أشار إلى أن “فكرة إقليم المنطقة الوسطى راودت الكثيرين ولكنها دائماً تصطدم بفكرة التمسك بالأقاليم التاريخية الثلاثة ويصاحبها شعور غامض من الريبة والشك في أغراض وأهداف المنادين بها”، محذراً من أن “الإقليم الرابع قد يتسع إلى الخامس والسادس والسابع وربما تطالب به بعض المكونات الثقافية وندخل في تشظي آخر لا داعي له في ظل غياب الدولة وانتشار الفوضى وانعدام الثقة بين جميع الأطراف”.

من جانبه، حذر عضو مجلس الدولة أبوالقاسم قزيط من مغبة المساس بوحدة ليبيا، مؤكداً أنه “يظل إيماني راسخاً بليبيا واحدة فوق الأقاليم التاريخية والجغرافية والعبثية”، متسائلاً ببلاغة: “هل نحن بحاجة إلى مزيد من التقسيم أم بحاجة إلى صمغ يلصق الممزق وإبرة تخيط الرتق؟”

أما عضو مجلس الدولة سعيد محمد ونيس فذهب إلى صلب المسألة حين قال: “الإقليم كيان سياسي أكثر منه كياناً خدمياً، فمن يسيطر على نصيب الإقليم من موارد الدولة يتحكم بدرجة كبيرة في مستقبل مكوناته الاجتماعية والاقتصادية”. ودعا إلى “التوقف عند هذه الخطوة ومراجعتها بعناية ومسؤولية، إدراكاً لما قد يترتب عليها من آثار خطيرة تمس تماسك الدولة ووحدة المجتمع الليبي”.

البعد التاريخي والجغرافي: صراع الهويات والحدود

الدبلوماسي الأسبق السفير محمد خليفة العكروت قدم إضاءة تاريخية مهمة حين ذكّر بأن “المعروف والمعلوم لم تكن هناك منطقة وسطى، كانت طرابلس وبرقة وفزان عبر التاريخ”، مشيراً إلى أن “القذافي أراد مسح هذا الفكر من ذهن الليبيين في محاولة منه لتفكيك هذه الثلاثية، ومن هنا جاءت فكرة خلق المنطقة الوسطى”.

وتابع العكروت تحليله قائلاً: “الغريب أن المنطقة الوسطى التي هي ليست إقليماً وأن الهدف منها كان لدمج الأقاليم الثلاثة ومحو فكرة أنها كيانات بذاتها، أصبحت الآن تنادي وتدعو لاعتبارها منطقة منفصلة عن الأقاليم المعروفة تاريخياً”.

ثم يطرح السؤال المركزي: “فهل سيشهد التاريخ القادم ظهور أربع كيانات منفصلة عن بعضها؟ هل أصبحت المنطقة الوسطى عامل تقسيم بدلاً من عامل توحيد؟”

هذا التحليل يتقاطع مع ما ذهب إليه مراقبون آخرون أكدوا أن “مصراتة تاريخياً تتبع إقليم طرابلس، وتقع على مرمى حجر من العاصمة، وهي إحدى الركائز المكونة للجمهورية الطرابلسية”.

وأشاروا إلى أن “مدينة مصراتة بعد تغير النظام وموازين القوة في سنة ألفين وأحد عشر، زادت من طموحاتها في التوسع وخلق منطقة خاصة بها تتعارض مع الجغرافيا وتختلف مع التاريخ”.

ثمة من رأى في هذا التحرك محاولة للسيطرة على النفط والغاز، إذ “همها النفط لا أكثر ولا أقل”، كما قال أحد المعلقين. فمنطقة الوسطى تضم حقولاً وموانئ نفطية مهمة، والسيطرة على مواردها تمثل ورقة قوة هائلة في أي ترتيبات سياسية مقبلة.

تحليل عبدالرحيم: تفكيك فكرة الأقاليم

في واحدة من أعمق القراءات التحليلية، قدم عضو ملتقى الحوار السياسي السابق عبدالله عثمان عبدالرحيم مقاربة من إحدى عشرة نقطة تستحق الوقوف عندها بتأنٍ:

أولاً، يفرق بين “الإقليم الإداري” كأداة تنظيمية معاصرة يمكن تعديلها بحسب احتياجات الإدارة والتنمية، و”الإقليم التاريخي” المرتبط بتكوينات تاريخية معروفة مثل برقة وطرابلس وفزان. ويحذر من أن “الخلط بين الاثنين قد يحول الذاكرة التاريخية إلى مشروع سياسي معاصر يتجاوز وظيفتها الأصلية”.

ثانياً، يشير إلى أن “الأقاليم التاريخية كانت أحد الأسس التي ساعدت على جمع مناطق ليبيا المختلفة داخل إطار دولة واحدة عند الاستقلال، بمعنى أنها كانت جسوراً نحو الوحدة الوطنية لا بدائل عنها”.

ثالثاً، يحذر من اللحظة التي “تتحول فيها الأقاليم من روافد للوحدة إلى ساحات صراع على النفوذ والثروة والسلطة”، عندما “تُستدعى باعتبارها مرجعيات للتمثيل السياسي أو لتوزيع السلطة خارج إطار المواطنة”.

رابعاً، يكشف عن الوجه الآخر للخطاب الإقليمي حين يقول: “في فترات الانتقال السياسي تظهر أحياناً نخب تحاول احتكار الحديث باسم إقليم كامل رغم أنها لا تملك تفويضاً حقيقياً من سكانه، فتستخدم الاسم التاريخي للإقليم باعتباره رأس مال سياسياً يمنحها موقعاً تفاوضياً داخل العملية السياسية”.

ويخلص عبدالرحيم إلى “المعيار الوطني السليم” المتمثل في “أن تكون الأقاليم أدوات لخدمة الدولة، لا أن تصبح الدولة أداة لخدمة الأقاليم، وأن تُعالج الاختلالات التنموية والتمثيلية على أساس المواطنة والعدالة والكفاءة، لا على أساس المحاصصة الجغرافية أو إعادة إنتاج الانقسامات التاريخية”.

البعد الأمني والعسكري: صراع النفوذ الخفي

ثمة قراءة أمنية عميقة كشف عنها مراقبون أشاروا إلى أن “إعلان إقليم الوسطى هو إعلان عسكري”، وأن “أول المتضررين محمود حمزة سيخرج من ترهونة وبني وليد” لأن “لواء أربعمائة وأربعة وأربعين يتبع للمنطقة العسكرية طرابلس، وهنا الاختصاص المكاني محدود إلا بتكليف”.

هذه القراءة تفتح نافذة على الصراع الخفي بين التشكيلات المسلحة في الغرب الليبي. فبحسب مصادر متطابقة، “تم تكليف مختار جحاوي آمر قوة مكافحة الإرهاب بتأمين مدينة ترهونة بدلاً من لواء أربعمائة وأربعة وأربعين، وكذلك تم تكليف القاطع الحدودي الأول (ابهيجة) بتأمين مدينة بني وليد”. وهذا يعني عملياً “تقليص نفوذ لواء أربعمائة وأربعة وأربعين (محمود حمزة) في إقليم المنطقة الوسطى”.

مصادر أخرى تحدثت عن أن “مساعي حثيثة تقودها حكومة الدبيبة بشأن ضم مدن بني وليد وترهونة تحت مدينة مصراتة لما يسمى إقليم الوسطى”، في إعادة لتموضع القوى المسلحة الموالية لها.

الشارع الليبي ينتفض: غضب ورفض وسخرية

ربما كان رد فعل الشارع الليبي هو الأكثر تعبيراً عن المزاج الشعبي. ففي بني وليد، خرجت مظاهرة رافضة للخطوة، معتبرة إياها “طمساً لهوية المدينة التي تعتبر مركزاً لإحدى أكبر القبائل الليبية”، ومتخوفة من أن “هذا الاندماج سيجعل مراكز الشرطة والنيابات المدنية والعسكرية تحت جهة خارج المدينة، وهو ما قد يؤثر على صحة إجراءاتها أو إخفائها وضياعها”.

أما بلدية بني وليد فردت بمنشور تحدث عن “جدوى هذه الخطوة” واعتبرتها “ضرورية لتحسين الخدمات”، في موقف بدا مخالفاً للشارع المحلي، مما يعكس انقساماً حتى داخل المدن المعنية.

الناشط والمدون حسام القماطي استخدم السخرية سلاحاً حين كتب: “زيت زيتون إقليمنا مسروق ودواخلنا مهمشين نبو الانفصال ولا أربع وزارات سيادية. بحكم إني قماطي ونضت لقيت روحي خت فت مواطن وسطاوي من إقليم الوسطي، نحب تقول إن إقليمنا مهمش ونبو حصتنا من النفط”.

أما الإعلامي خليل الحاسي فطرح أسئلة لاذعة: “جماعة الإقليم الرابع طمنونا.. هل تواصلت مع قياداتكم المخابرات الجزائرية وقالولكم نحن نتابعوا الوضع عن كثب ولا نتدخل في شؤونكم الداخلية السيادية ولكن يهمنا التواصل معكم أم ليس بعد؟” متسائلاً عن “موقف مجلس النواب” و”موقف الأحزاب السياسية الوحدوية” و”موقف نخبة فبراير التي استلمت ليبيا واحدة موحدة”.

الإعلامية عفاف الفرجاني كانت أكثر قسوة حين كتبت: “إقليم الوسطى.. مصطلح يعزز الانقسام ويكرس المناطقية في بلد يتآكل أصلاً من كثرة الانقسامات. شكراً مصراتة، خطوة أخرى في طريق التشظي الذي أوصل ليبيا إلى ما هي عليه، والفضل يرجع لكم في كل مرة”.

ومضت في هجومها على عمداء بلديات ترهونة وزليتن وبني وليد معتبرة أنهم “انبطاح لإرادة بارونات الفوضى ومافيا الحكم”، محذرة من أن “هذا الشرخ الجديد الذي سيطال خاصرة الوطن بسببكم لن يأخذكم إلا إلى مزبلة التاريخ”.

أما الإعلامي عطية باني فعبّر عن الإرهاق الشعبي قائلاً: “تلاقت علينا من كل تركينة هجرة وتوطين وبتزيدونا حتى إقليم وهكي معناها توا تطلع المنطقة الغربية تبي إقليم وبرا هات ايديك… فكونا بالله راهو مش ناقصنا”.

البعد الجيوسياسي: نظرية المؤامرة أم واقع مخطط؟

المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي ذهب إلى الربط بين إعلان إقليم الوسطى ومخططات خارجية حين قال إن هذا الإعلان “يمثل خيانة للوطن ويذكرنا بمشروع اليهودي الأمريكي برنارد لويس لتفتيت الدول العربية والإسلامية إلى دويلات وأقاليم ليسهل السيطرة عليها”.

وفصّل الحجازي في “الأبعاد الجيوسياسية للمشروع في ليبيا” مشيراً إلى ثلاثة محاور: الأول “الوصاية الدولية وخلق كيانات هشة” من خلال “إعادة إحياء حدود الولايات الثلاث الموروثة من العهد العثماني”.

والثاني “المرجعية القبلية والمحلية” حيث “اقترح لويس تفكيك المركزية لصالح مؤسسات حكم محلي مستقلة ذاتياً تدار بخلفيات قبلية وإقليمية متناحرة”.

والثالث “استغلال خطوط الصدع الديموغرافية” بهدف “فصل إقليم فزان لتشجيع الصراعات العرقية”.

ويتقاطع هذا التحليل مع ما ذهبت إليه الوزيرة السابقة سميرة الفرجاني التي أكدت أن “إقليم يعني بداية التقسيم وهذا حلم إقليمي غربي”، محذرة من أنه “بعد سنوات سيتم انفصال هذه الأقاليم”، ومضيفة: “انظروا إلى كل الدول التي أعلنت فيها أقاليم بعد سنوات تم انفصالها”.

بوالرايقة: الأقلمة قبل الدولة

قدم المحلل السياسي فيصل بوالرايقة قراءة متوازنة حذر فيها من مغبة “الأقلمة قبل الدولة”، موضحاً أن “اللامركزية حين تأتي من قانون واضح تكون خطوة مفيدة، تقرب الخدمات من الناس وتمنح البلديات مساحة للعمل.

أما حين تظهر قبل أن تستقر الدولة على مركز واحد وقواعد واضحة، فإنها تفتح الطريق أمام الأقلمة، ثم أمام نفوذ محلي يكبر خارج القرار الوطني”.

وأشار بوالرايقة إلى أن “المنطقة الوسطى لها وزنها المعروف… لذلك يصبح الحديث عن إقليم في هذا الموقع أكبر من مجرد ترتيب بلدي أو تنسيق خدمي”، محذراً من أن “الدولة التي لم ترتب بيتها بعد، ستجد نفسها أمام مشاريع محلية ترتب مواقعها وحدها”.

وفي شق آخر من تحليله، ركز بوالرايقة على “المناعة السيادية والأمن الخارجي” مؤكداً أن “ما يحدث في ليبيا تعطيل واضح لمسار الدولة الواحدة. هناك من يعيش على بقاء البلد بلا مركز، وبلا قرار، وبلا أمن خارجي قادر على معرفة من يتحرك حول ليبيا، ولماذا، ومن يفتح له الطريق”.

المخاوف من التفكك: سيناريوهات المستقبل

واحد من أكثر المخاوف التي عبر عنها الشارع الليبي والنخب السياسية هو أن فتح باب الأقاليم سيؤدي إلى سلسلة من التفاعلات المتسلسلة التي قد تخرج عن السيطرة تماماً.

هذا ما عبر عنه البعض بقولهم: “اليوم مصراتة أعلنت عن إنشاء إقليم المنطقة الوسطى، غدوة الأمازيغ حيعلنوا عن إقليم الأمازيغ، وبعد غدوة عرب الجبل حيعلنوا إقليم العرب في الجبل، وحتستمر الانقسام والتشرذم دون أي رادع من حكومة وهمية فاشلة”.

هذا السيناريو لم يعد افتراضياً محضاً، بل بدأ يأخذ ملامح واقعية مع تنامي الدعوات المناطقية والجهوية. فقد أشار مراقبون إلى أن “هناك مناطق أخرى تستعد لحسم أمرها وإعلان أنها مناطق جديدة يفرضها المكون العرقي والاجتماعي والجغرافي”، محذرين من أن “مع الأسف ستكون أكثر من أربعة بما فعله هؤلاء، وستتشتت ليبيا بأيادي أولادها”.

ثمة من استخدم عبارات أكثر حدة في وصف هذه المخاوف: “كل قبيلة هي ولت دولة… قعدت غير على مناطق جغرافية هي؟” في إشارة إلى خطر تحويل الانتماءات القبلية إلى كيانات سياسية.

زبيدة: محاولة للتقريب بين اللامركزية والوحدة

في محاولة لطرح بديل لا يصل إلى حد التقسيم الكامل، قدم المهندس عبدالسلام زبيدة رؤية تقوم على “ثلاثة أقاليم حسب خريطة محددة، يصبح كل إقليم له منفذ على البحر ومنفذ على الصحراء وحدود الدول المجاورة”، مع “مساواة الأقاليم من حيث المساحة وربما عدد السكان والمنفذ البحري والصحراوي والمناجم وحقول النفط”.

لكنه عاد وأكد أن “الأفضل هو الاعتصام بحبل الله جميعاً وعدم التفرقة”، مضيفاً: “دامت ليبيا واحدة”.

هذه الرؤية تعكس اتجاهاً في الشارع الليبي لا يمانع اللامركزية الإدارية والتنموية، لكنه يرفض بشكل قاطع أي مساس بوحدة الدولة. وهو ما عبر عنه آخرون بالقول: “ليبيا واحدة موحدة من شرقها إلى غربها وشمالها لجنوبها وننسى قصة الأقاليم والتقسيم”.

الغويل: منطق اللامنطق

في مداخلة موجزة لكنها عميقة، وصف الوزير السابق سلامة الغويل ما حدث بأنه “منطق اللامنطق”، مؤكداً أن “العمداء أنفسهم يدركون أن بيانهم لا يساوي الحبر الذي كتب به، فالأقاليم الليبية وحدودها ليست مجالاً للعبث أو إعادة التشكيل بقرارات عابرة، بل هي حقائق تاريخية راسخة ومعتمدة”.

واعتبر أن “ما يطرح من مواقف لا يعدو كونه محاولات لتمرير مكاسب ظرفية بسيطة في واقع سياسي مرتبك، فلا تعطوا الموضوع أكثر مما يستحق”.

هذا الموقف وإن بدا مخففاً من حدة المخاوف، إلا أنه في جوهره يرفض الاعتراف بشرعية هذه الخطوة ويعتبرها غير ذات قيمة حقيقية.

الشريف: القسمة إلى أين؟

“يبدو أن القسمة في ليبيا لم تعد على ثلاثة بل على أربعة بعد ظهور الإقليم الرابع… ماذا بعد!!!!” هكذا علق الخبير الاقتصادي علي الشريف في جملة قصيرة تحمل في طياتها كل معاني القلق والتحذير. فالتقسيم الاقتصادي والمواردي هو الهاجس الأكبر، في بلد يعتمد اقتصاده بشكل شبه كامل على النفط، وأي تقسيم جغرافي سيكون بالضرورة تقسيمًا للثروة.

وفي هذا السياق، حذر معلقون من أن “غدوة كل إقليم يقولك ثرواتي ما تمشيش للإقليم الثاني، وبعدها نقسمو الأقاليم وكل دولة من دول محور الشر الطامعة سوف تريد انفصال الإقليم المستفيدة منه”.

الكو: عشرة أسئلة مشروعة

في مداخلة مطولة ومهمة، طرح محمد خليفة الكو عميد كلية التربية بيفرن، عشرة أسئلة تمس جوهر الأزمة الليبية، متسائلاً: “لماذا قامت بعض المدن بالثورة وقلب نظام الحكم وخسرت الكثير من أبنائها وسلمت الحكم للكلاب الضالة والإخوان والعسكر وبعض المارقين مزدوجي الجنسية؟” و”من الذي زرع الفتنة وكان المستفيد من حرب فجر ليبيا والكرامة التي قطعت أوصالنا وزرعت فينا الثارات والحقد والكره؟” و”من الذي دعم تقسيم الوطن وتشظيه والسعي بكل جهد لفرقته وعدم وحدته؟”

أسئلة الكو تمثل صوت الجيل الذي عانى ويلات الحروب والانقسامات، والذي يرى في إعلان إقليم الوسطى استمراراً لنفس السياسات المدمرة التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه.

ردود أفعال دبلوماسية وإعلامية: استنكار وتحذير

الدبلوماسي الأسبق حسن الصغير استخدم السخرية المرة في وصف الحدث بقوله: “سنة ألفين وستة وعشرين فوجئنا بإقليم طرابلس يحمل جنيناً وتمت ولادته بحضور أهله وذويه”، لكنه أضاف بجدية أن “ليبيا استقلت بثلاثة أقاليم لا رابع لها، وحقيقتها السياسية والجغرافيا السياسية لها ثلاثة أقاليم”.

أما الإعلامي خليل الحاسي فواصل تساؤلاته اللاذعة: “ما موقف مجلس النواب من إعلان مجموعة سياسية اجتماعية عن إقليم سياسي له حدود إدارية؟ وما موقف الأحزاب السياسية الوحدوية التي تحتوي بياناتها التأسيسية على وحدة ليبيا كاعتقاد وطني مقدس؟ وما موقف نخبة فبراير التي استلمت ليبيا واحدة موحدة في السابع من يوليو عام ألفين واثني عشر؟”

بين اللامركزية الإدارية والانفصال السياسي: الخط الرفيع

ما كشف عنه هذا الجدل الواسع هو وجود خط رفيع بين مطلب اللامركزية الإدارية المشروع، وبين مشاريع التقسيم السياسي المرفوضة شعبياً.

كثير من الليبيين الذين شاركوا في النقاش أبدوا تفهماً لفكرة “المحافظات” أو “الأقاليم الإدارية” التي تنظم الخدمات وتقربها من المواطنين، لكنهم رفضوا بشكل قاطع تحويل هذه الكيانات الإدارية إلى كيانات سياسية ذات سيادة.

هذا ما عبر عنه البعض بالقول: “لو أعلنوها محافظة الوسطى لكان أفضل بكثير، مع أنه إجراء غير قانوني، ولكن أفضل مليون مرة من الإقليم، فالمحافظة لا تكون إلا داخل دولة موحدة، والإقليم يكون في دولة مقسمة أو يجهزون لتقسيمها”.

وهو أيضاً ما أشار إليه المحلل فيصل بوالرايقة بقوله: “التنمية مطلوبة، وتعاون البلديات مطلوب، لكن تحت سقف وطني واضح. ليبيا تحتاج إلى إدارة محلية قوية داخل دولة جامعة، لا إلى مسارات تزيد من تعدد المراكز وتزاحم الشرعيات”.

المواقف الرسمية الغائبة: صمت مريب

ربما كان الأكثر إثارة للاستغراب هو صمت الأطراف الرسمية الفاعلة في المشهد الليبي. فحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تصدر بيانات واضحة عن حكومة عبد الحميد الدبيبة، ولا عن المجلس الرئاسي، ولا عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

هذا الصمت فسره البعض بأنه “مباركة ضمنية” أو على الأقل “قبول بالأمر الواقع”، فيما ذهب آخرون إلى أنه “ترقب لمعرفة اتجاه الرياح قبل إصدار المواقف”. وفي كل الأحوال، فإن غياب الموقف الرسمي يزيد من حالة الارتباك والريبة.

سيناريوهات المستقبل: إلى أين تتجه ليبيا؟

في ظل هذا الجدل المحتدم، يمكن رصد ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الأزمة:

السيناريو الأول: التراجع والمراجعة، وهو ما دعا إليه كثيرون من بينهم سميرة الفرجاني التي طالبت بأن “يتم التراجع عن هذه التسمية وليتم تسميتها محافظة المنطقة الوسطى وهذا جانب تنظيمي وحلو”. وهذا السيناريو يتطلب ضغوطاً شعبية وسياسية كبيرة.

السيناريو الثاني: تثبيت الأمر الواقع واعتبار إقليم الوسطى كياناً قائماً، مما سيدفع بمناطق أخرى إلى إعلان أقاليمها الخاصة، وهو ما قد يؤدي إلى تقسيم فعلي للبلاد تحت عناوين إدارية وتنموية.

السيناريو الثالث: بقاء الوضع على حاله دون اعتراف رسمي بالإقليم ودون تراجع عنه، أي الدخول في منطقة رمادية جديدة تضاف إلى المساحات الرمادية الكثيرة في المشهد الليبي.

ليبيا التي يريدها الليبيون

في خضم هذا الجدل، يبقى صوت الشارع الليبي هو الأكثر وضوحاً وصراحة. صوت يرفض التقسيم والتشظي، ويدعو إلى الوحدة والتنمية والعدالة، دون أن يعني ذلك رفض التنوع أو الخصوصيات المحلية.

هذا ما عبر عنه أحد المعلقين بقوله: “بالله فكونا من قصة أقاليم واموا لبلاد وخلوها يد وحدة. وديمة ليبيا وحدة واحدة موحدة بإذن الله تعالى”.

وما قاله آخر: “ليبيا واحدة وتنقرا من جهتين يا انفصاليين يا جهويين”.

وفي النهاية، يظل السؤال المطروح بقوة: هل ما جرى في مصراتة هو خطوة نحو المستقبل كما يقول مطلقوه، أم هو خطوة نحو الهاوية كما يحذر معارضوه؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تكون في بيانات التأسيس أو ردود الفعل الغاضبة، بل في قدرة الليبيين على تجاوز هذه اللحظة الفارقة، واستعادة زمام المبادرة لبناء دولة موحدة ديمقراطية عادلة، تكون فيها الخصوصيات المحلية مصدر غنى وتنوع، لا مصدر تفكك وصراع.

وكما قال عبدالله عثمان عبدالرحيم: “الدول القوية لا تلغي خصوصيات مناطقها، لكنها تنجح في جعل تلك الخصوصيات تعمل داخل إطار هوية وطنية جامعة تكون أعلى من جميع الهويات الفرعية وأوسع منها”.

ليبيا التي يريدها الليبيون هي ليبيا الواحدة الموحدة، التي تتسع للجميع دون أن تتمزق بينهم. فهل يستمع صانعو القرار إلى صوت الشعب قبل فوات الأوان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى