عربىليبيا

مشروع التقسيم يعود إلى الواجهة: الحجازي: إعلان إقليم الوسط يهدد وحدة ليبيا ويحيي مخططات الوصاية الدولية

الحجازي: مشروع الأقاليم يستهدف النفط والمياه ويغذي النزاعات القبلية

ليبيا 24

الحجازي: إعلان إقليم المنطقة الوسطى خيانة ويحيي مخطط لويس التقسيمي

في تحذير وصفه مراقبون بأنه قرع جرس إنذار وطني، أكد المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي أن إعلان إقليم المنطقة الوسطى يمثل «خيانة للوطن» ويعيد إلى الأذهان مشروع المفكر اليهودي الأميركي برنارد لويس لتفتيت الدول العربية والإسلامية إلى دويلات وأقاليم يسهل السيطرة عليها.

التصريح الذي أطلقه الحجازي عبر صفحته على موقع فيسبوك فتح الباب أمام تحليل معمق للأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية لمثل هذه التحركات، في وقت تتزايد فيه المخاوف الشعبية من انزلاق البلاد نحو سيناريو التقسيم الذي طالما حذر منه خبراء ودوريات دولية مرموقة.

خيانة الوطن واستحضار شبح التفتيت

في منشوره، ربط الحجازي بشكل مباشر بين إعلان إقليم الوسط والمخططات التاريخية لتقسيم المنطقة، مشيراً إلى أن مشروع لويس استند إلى أفكار استعمارية قديمة أعادت إحياء حدود «الولايات الثلاث» التي تعود إلى العهد العثماني وما تلاها من مساعٍ لتقسيم ليبيا إبان حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في إطار مشروع بيفن-سفورزا الشهير الذي كان يهدف إلى وضع البلاد تحت وصاية ثلاثية.

وقال الحجازي إن «الشروع في إقامة إقليم رابع ليس مجرد مشروع سياسي عابر، بل خطوة تمس وحدة الوطن وسيادته، وتفتح الباب أمام المزيد من الانقسام والتفتيت»، محذراً من أن أي جهات أو أشخاص يثبت تورطهم في هذه المخططات يجب أن يخضعوا للمساءلة القانونية.

الأبعاد الجيوسياسية لمخطط تقطيع الأوصال

يرى كثير من المحللين أن رؤية برنارد لويس التي صيغت في مراكز فكر غربية اعتمدت على ثلاثة محاور رئيسية تتقاطع بوضوح مع المتغيرات الليبية الراهنة.

الأول هو الوصاية الدولية وخلق كيانات هشة، حيث استهدف المخطط إعادة إحياء الحدود القديمة وتحويل ليبيا إلى كينونات مستقلة وضعيفة يسهل إخضاعها للنفوذ الأجنبي من دون الحاجة إلى جيوش احتلال ضخمة.

والثاني هو المرجعية القبلية والمحلية، إذ رأى لويس أن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة في العالم العربي نموذج مستورد، ودعا إلى تفكيك المركزية لصالح «مؤسسات حكم محلي مستقلة ذاتياً» تُدار بخلفيات قبلية وإقليمية متناحرة، مما يضمن تبعية هذه الكيانات للقوى الكبرى.

والثالث هو استغلال خطوط الصدع الديموغرافية، من خلال فصل إقليم فزان في الجنوب لتشجيع الصراعات العرقية والتداخل مع منطقة الساحل الإفريقي المضطربة، وتعميق الاستقطاب بين برقة في الشرق وطرابلس في الغرب حول العاصمة والشرعية والحصة من الموارد.

ثروات ليبيا في مرمى المصالح الدولية

لا يمكن فصل المخططات التقسيمية عن الهدف الاقتصادي الكامن في السيطرة على ثروات ليبيا الطبيعية. فليبيا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في القارة الإفريقية، إلى جانب احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي، فضلاً عن مخزون المياه الجوفية في حوض الحجر الرملي النوبي الذي يمثل شريان حياة استراتيجياً للأجيال المقبلة.

تقسيم البلاد إلى أقاليم ضعيفة ومتنازعة من شأنه أن يسهل على القوى الخارجية عقد صفقات منفردة مع كيانات غير مكتملة السيادة، والتحكم في إنتاج النفط وتصديره بعيداً عن رقابة الدولة المركزية.

وهذا السيناريو ينسجم مع التحذير الذي أطلقه تحليل تكتيكال ريبورت من أن الفاعلين الدوليين يفضلون التعامل مع كيانات محلية قابلة للتطويع بدلاً من حكومة وطنية تمتلك قرارها السيادي على كامل ترابها ومواردها.

خطوط الصدع القبلية والإقليمية: وقود المشروع

المجتمع الليبي نسيج قبلي معقد، وهو ما تمثله محاولات إشعال التوتر بين الشرق والغرب والجنوب، واستحداث إقليم رابع في الوسط، بمثابة إعادة إنتاج لوصفة إثارة الانقسامات التي وصفها الحجازي.

ففزان الممتد على حدود مع تشاد والنيجر والجزائر يعاني من انفلات أمني وتداخل للصراعات الإقليمية، وقد يتحول في حال فصله إلى بؤرة لتهريب البشر والسلاح والمخدرات تخدم شبكات إجرامية عابرة للحدود.

وفي الوقت نفسه، تغذي الدعوات إلى إقليم مستقل في الشرق أو الوسط نزعة لدى بعض الأطراف للاستئثار بعوائد النفط والموارد، مما يفرغ مفهوم المواطنة الليبية الجامعة من مضمونه ويحيل البلاد إلى ساحة صراع هوياتي يلتهم الأمن والاستقرار.

تحذير نيويورك تايمز 2013: هل يتحقق السيناريو الأسوأ؟

في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 2013، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية تحليلاً موسعاً بقلم روبن رايت بعنوان «كيف يمكن أن تتحول 5 دول إلى 14 دولة؟ قد تتغير خريطة الشرق الأوسط تدريجياً».

وأكد التحليل آنذاك أن ليبيا تتفكك نتيجة التنافسات القبلية والإقليمية القوية، وقد تنقسم إلى قسميها التاريخيين طرابلس وبرقة، وربما دولة فزانية ثالثة في الجنوب الغربي، بل ذهب البعض إلى أن الوضع قد ينتج بين خمسة وسبعة كيانات على خريطة ليبيا.

وبعد عشر سنوات من ذلك التحذير، يأتي إعلان إقليم الوسط ليطرح السؤال الذي يسكن صدور الليبيين: هل بدأنا فعلاً في تنفيذ السيناريو الذي خطط له المنظرون الغربيون؟

المواطن الليبي وحتمية الدفاع عن الدولة الموحدة

من قلب الزقاق الليبي إلى النخب السياسية والاجتماعية، يسود إجماع على أن ليبيا دولة واحدة موحدة، لا تقبل القسمة ولا تحتمل مشاريع التفتيت. المواطن الليبي الذي عانى ويلات الحروب والنزاعات يدرك أن أي تقسيم يعني فناء الثروات وإضعاف القدرة على مواجهة التحديات المشتركة، بدءاً من البطالة وتدهور الخدمات وصولاً إلى التهديدات الأمنية.

ولذلك، فإن الدعوات إلى أقاليم جديدة تقابل برفض شعبي واسع ينظر إليها باعتبارها مشاريع لخدمة أجندات خارجية أو طموحات ضيقة على حساب وحدة الأرض والشعب.

وتبرز في هذا السياق دعوات إلى ضرورة تفعيل المساءلة القانونية لكل من يثبت تورطه في أعمال تهدد سلامة الأراضي الليبية، وتقديمه إلى القضاء الذي يبقى الحصن الأخير لحماية سيادة الدولة.

المساءلة القانونية سبيل لصون السيادة

كما أشار الدكتور الحجازي، فإن الأوطان لا تُبنى بالتجزئة ولا تُحمى بالمحاصصة، بل بالتوافق الوطني والمؤسسات الجامعة.
وأي مخططات تستهدف المساس بوحدة ليبيا يجب أن تُواجه بإرادة شعبية وقانونية رافضة، من خلال تحريك الدعاوى القضائية وتفعيل مواد قانون العقوبات التي تجرم التآمر على سلامة الدولة وتقسيم أراضيها.

وهذا النهج ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة لحماية مستقبل الأجيال المقبلة من ضياع الأرض بين أيدي أمراء التجزئة وتجار الحروب.

ليبيا قدرها الوحدة

في وقت تكثر فيه السيناريوهات القاتمة التي ترسمها مراكز التفكير الدولية، يبقى موقف الليبيين الراسخ أن بلادهم ستبقى وطناً واحداً موحداً. إن إعلان إقليم الوسط، سواء صدر عن جهات محلية أو تم بدفع خارجي، هو اختبار حقيقي لوعي الليبيين وقدرتهم على حماية كيانهم من الانهيار.

وكما قال الحجازي، فإن «أي مشروع يمس وحدتها الوطنية يجب أن يُواجَه بإرادة شعبية وقانونية رافضة، دفاعاً عن الأرض والسيادة ووحدة المصير». والسؤال اليوم ليس في وجود المشاريع التقسيمية، بل في قدرة الليبيين على إفشالها كما أفشلوا من قبل كل محاولات الهيمنة والوصاية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى