ليبيا 24
أبوعميد: رفع الدعم الآن نهب مقنن ما لم يتجاوز سعر البنزين 8 دينارات
في خرجة إعلامية لاذعة تجمع بين التحذير الاقتصادي العميق والسخرية السياسية المرة، رسم رئيس المجلس الأعلى لقبائل ورشفانة الأسبق والمرشح الرئاسي السابق، المبروك محمد أبوعميد، لوحة قاتمة للمشهد الليبي، متهماً دعاة رفع الدعم عن المحروقات في التوقيت الراهن بالسعي إلى تمرير “عملية نهب كبرى” تحت غطاء القانون.
تدوينة أبوعميد، التي جاءت أشبه بتقرير ميداني من قلب الأزمة، لم تكتفِ بتشريح الفساد، بل ذهبت إلى إعلان “كيان سياسي جديد” داخل مزرعة والده، في استعارة ساخرة لواقع البلاد الممزق.
“شرط الثمانية دنانير” ومعضلة الحمير
وضع أبوعميد شرطاً عبثياً وحاسماً لقبول أي حديث عن إلغاء الدعم، قائلاً إن رفع الدعم عن الوقود لا يمكن أن يكون منطقياً إلا “في حالة واحدة وهي أن يكون سعر لتر البنزين أكثر من 8 دينارات للتر الواحد، في هذه الحالة سترتفع أسعار الحمير والبغال لتركبوها”.
تعكس هذه الجملة المقتضبة رؤية تحليلية عميقة مفادها أن تحرير سعر الوقود بشكل كامل في بلد يمر بأزمة سيولة خانقة ويعتمد مواطنوه على السيارات الخاصة كوسيلة النقل الوحيدة في ظل انعدام النقل العام، هو إيذان بانهيار الطبقة المتوسطة المتبقية.
فهو يربط بين سعر المحروقات وتكلفة البدائل البدائية، في إشارة إلى العودة المحتملة لعصور ما قبل الدولة.
حقل ألغام الطرابلسي وغياب السيادة
في إشادة نادرة، وصف أبوعميد تصريح وزير الداخلية المكلف بحكومة الدبيبة منتهية الولاية عماد الطرابلسي بأن الحديث عن الهجرة غير الشرعية “حقل ألغام” بأنه موقف “شجاع”، لأنه يعني أن الوزير قد يخسر منصبه. لكن أبوعميد استثمر هذه النقطة ليطلق توصيفاً قاسياً للحالة الليبية: “هو ما يؤكد بأننا لا نملك أمرنا”.
إنه تشخيص مفاده أن غياب القرار الوطني المستقل في هذا الملف الحساس يجرد الدولة من أهم عناصر سيادتها، ويفتح الباب أمام دعوة شعبوية غامضة بأن “الشعب هو من يتولى هذه المهمة”، في إيماءة خطيرة نحو تفويض الشارع بما عجزت عنه المؤسسات الرسمية.
الإقليم الخامس: “جمهورية المزرعة”
في ذروة التهكم على التقسيم الفعلي القائم وغياب الدولة، أعلن أبوعميد عن ميلاد “الإقليم الخامس”، قائلاً: “أعلن أنا المواطن الليبي عن تشكيل الإقليم الخامس الممتد داخل مزرعة والدي الله يرحمه ويضم هذا الإقليم أشقائي وأبناءهم وأحفادهم”.
هذا الإعلان، رغم طرافته الظاهرية، يحمل نقداً لاذعاً لدعوات الأقاليم التي يراها مجرد استجابة لفراغ السلطة. وبربطه هذه “الدويلة المصغرة” بالحوار المهيكل، يسخر أبوعميد من المسارات السياسية العقيمة التي لا تنتج سوى “حوار إصلاح جديد للهيكل”.
تشريح فساد الوقود.. التهريب الحقيقي في عرض البحر
في الجزء الأكثر خطورة في التصريح، انتقل أبوعميد من السخرية إلى كشف تقني لآليات الفساد، متهماً المسؤولين عن عقود توريد الوقود بأنهم جوهر المشكلة.
وأكد أن “التهريب الحقيقي يتم في عرض البحر” وأنه “ليس تخميناً بل بناءً على تقارير الأمم المتحدة”، مشيراً إلى أن كميات الوقود التي يتم التعاقد عليها لا تصل كاملة إلى الموانئ.
هذا التحليل يتجاوز الخطاب الشعبوي المعتاد حول تهريب الحدود البرية المحدود، ليضع الإصبع على جرح الغرف التجارية المغلقة وعقود الاستيراد الغامضة التي تتم بعيداً عن الرقابة.
وقدم حلاً تقنياً بضرورة تفعيل منظومة مراقبة إلكترونية تبدأ من لحظة وصول البواخر إلى الموانئ وحتى وصول الشحنة لمحطة الوقود، مروراً بمراقبة المحطات بالكاميرات، وهو طرح يراه المراقبون كفيلاً بوقف النزيف فوراً إذا “صدقت النوايا”، على حد تعبيره.
آلة النهب المقنن والعبء على غات والكفرة
حذر أبوعميد من أن رفع الدعم في الوقت الحالي سيفتح الباب أمام آلية مزدوجة للنهب. فالتهريب الحالي “ممنوع وفق القوانين”، لكن تحرير الأسعار سيحوّل أموال الوقود إلى خزينة “الحكومة لنهبها من جديد تحت مضلة القانون”، على غرار ما حدث مع “تريلون ومليار دينار” ومع أموال دعم السلع التموينية.
في تحليله الاقتصادي الاجتماعي، رسم أبوعميد صورة قاتمة لسلسلة التضخم التي ستضرب البلاد، متسائلاً: “كم سيكون سعر حليب الأطفال والمواد الغذائية في غات والكفرة بعد تحميل قيمة النقل؟”
إنه ربط واضح بين قرار مركزي في العاصمة، وانهيار القوة الشرائية في أقاصي الجنوب المهمش أصلاً، محذراً من أن أي قرار “متسرع دون دراسة اقتصادية واجتماعية سليمة سيكون له آثار سيئة جداً على الاستقرار والأمن العام”.
واختتم بوصفة صريحة: “وحدوا مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية ثم فكروا في رفع الدعم”، في رسالة واضحة أن بناء الدولة يسبق هدم ما تبقى من عقدها الاجتماعي.



