بوادر شرخ في جدار الحوار المهيكل… وواشنطن تطل من نافذة تيتيه
المعارضون للحوار المهيكل يتهمونه بإعادة إنتاج الأزمة وتهديد السيادة
ليبيا 24
تيتيه: لن نمنع الأطراف من تشكيل حكومة مع واشنطن
لم تعد أروقة الحوار المهيكل في ليبيا ذلك الفضاء الصامت الذي حاولت بعثة الأمم المتحدة تسويقه بوصفه توافقاً وطنياً خالصاً، فالتصريحات الأخيرة للمبعوثة الأممية هانا تيتيه، وما تلاها من ردود فعل متباينة، كشفت عن تصدعات عميقة لا تقتصر على مخرجات المسار، بل تمتد إلى شرعية العملية ذاتها. وفيما تفتح تيتيه الباب أمام شراكة أميركية محتملة لتشكيل حكومة جديدة، يجد الليبيون أنفسهم أمام مشهد مزدحم بمبادرات لا يبدو أن أياً منها يلامس جوهر الأزمة، بل يعيد إنتاجها بأقنعة مختلفة.
تيتيه تقر بالانقسام وتلوح بتجاوز المؤسسات
في مداخلة تلفزيونية، خرجت هانا تيتيه عن الحذر الدبلوماسي المألوف لتقول بوضوح إن ستة من أعضاء مسار الحوكمة في الحوار المهيكل لديهم وجهة نظر مختلفة، معترفة بأن الإجماع لم يتحقق.
وأضافت بأنها دأبت في كل إحاطاتها أمام مجلس الأمن على الإشارة إلى «المعرقلين» في ليبيا، في إشارة بدا أنها تضع المتحفظين على المخرجات في دائرة الاشتباه السياسي.
لكن التصريح الأكثر إثارة للجدل تمثل في فتحها الباب أمام مسار أميركي موازٍ، حين قالت: «إذا قررت الأطراف العمل مع الولايات المتحدة لتشكيل الحكومة، فالبعثة لا يمكنها أن تقول لا تفعلوا ذلك».
ومع أنها نفت أن تكون البعثة تعمل مع المبادرة الأميركية، إلا أن هذا الموقف اعتُبر تحولاً لافتاً يمنح غطاءً ضمنياً لأي تحرك تقوده واشنطن في الملف التنفيذي، ويثير تساؤلات حول مدى مركزية المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة أصلاً.
وبدا لافتاً أن تيتيه أدرجت في خارطة الطريق تشكيل حكومة موحدة، لكنها ربطت التقدم بالآليات التي سيقدمها رؤساء المجالس الثلاثة، في إشارة إلى أن المبادرة الأميركية قد تكون إحدى تلك الآليات.
وفي مسار موازٍ، تحدثت عن تحول نحو «لجنة مصغرة» بعد عجز مجلسي النواب والدولة عن التوافق، مؤكدة أن المفاوضات مستمرة، وأن نتائج اللجنة المصغرة ستُعلن كحزمة واحدة، لتلوح بعدها بإمكانية التوصية لمجلس الأمن «باستخدام تدابير أخرى وتجاوز المؤسسات الليبية»، في تهديد مبطن لمن لا يلتزمون بالتوقيتات التي تحددها البعثة.
واعترفت تيتيه بأنها لم تطلع على مشروع الدستور الليبي وأحكامه المتعلقة بالانتخابات، وهو اعتراف أثار موجة من التساؤلات حول مدى إلمام البعثة بالإطار الدستوري الذي يفترض أن يستند إليه أي مسار سياسي.
الانقسام داخل الحوار: أغلبية صامتة وأقلية معترضة
لم تكن كواليس الحوار المهيكل أقل توتراً من المشهد الخارجي. فقد أكدت عضو المسار جيهان خالد أن إحاطة تيتيه فضحت حقيقة حاول البعض طمسها، وهي أن مسار الحوكمة لم يشهد توافقاً حول توصياته.
وأوضحت أن وجود تحفظات جوهرية من مشاركين يمثلون 26% من المسار يعني أن التوصيات لا تمثل إرادة جماعية، ولا يمكن تسويقها بوصفها محل إجماع، معتبرة أن ذلك يستوجب إعادة النظر فيها بدلاً من فرضها كأمر واقع.
في المقابل، دافع الخبير الاقتصادي محسن الدريجة، وهو من المشاركين، عن الحوار، مشيراً إلى أنه أول حوار ليبي ـ ليبي يُعقد داخل ليبيا، وأن إدارة الجلسات كانت ليبية خالصة، وأن التمويل من الاتحاد الأوروبي ودول أخرى اقتصر على تكاليف لوجستية محدودة.
ولفت إلى أن عدد المتحفظين الذين خرجوا في مؤتمر صحفي لا يتجاوز أربعة من أصل 120 عضواً، متسائلاً عن الجهات التي تعترض على مرحلة انتقالية جديدة في حين تملك إنهاء المراحل الانتقالية وإجراء الانتخابات «الشهر القادم إن أرادت».
غير أن عضو مجلس الدولة الاستشاري فتح الله السريري كان أكثر قسوة، حين قال إن البعثة لديها أجندات تسعى لتنفيذها، وإن هناك تحفظات على توصيات الحوار المهيكل وعلى اختيار الشخصيات المشاركة فيه، مشيراً إلى أن من بينهم إعلاميين في لجنة الحوار الأمني.
ورأى السريري أن الحوار كان ينبغي أن يناقش تفتيت المركزية بدل توحيد السلطة الحالية، وخلص إلى أن البعثة لا تملك القرار، بل هي انعكاس لسياسات دول مجلس الأمن المتصارعة.
ومن زاوية أخرى، جاء موقف رئيس هيئة صياغة الدستور مراجع نوح ليعكس تحدياً مختلفاً، حين اعتبر أن ما يُسمى الحوار المهيكل يُعد تدخلاً في الشأن الليبي، وأن مخرجاته في مسارات الأمن والحوكمة والاقتصاد والمصالحة الوطنية موجودة أصلاً في مشروع الدستور الذي صاغته الهيئة التأسيسية المنتخبة.
وهي إشارة إلى أن الحوار، بدلاً من أن يبني على ما هو قائم، أعاد اختراع العجلة وفتح أبواباً لصراعات جديدة.
بوعميد والازدواجية السياسية: معيار السيادة الانتقائي
في مداخلة بدت الأكثر رصداً للتحولات الكامنة، قدمت عضو مسار الحوكمة منال بوعميد دفاعاً متماسكاً عن الحوار، لكنها في الوقت ذاته رمت بحجر ثقيل في مياه المعارضة الراكدة.
فقد أشادت بالحوار المهيكل باعتباره نقلة نوعية انتقل من منطق التفاهمات الضيقة إلى منطق الحوار الأوسع، وأكدت أن مخرجاته تركز على معالجة أسباب الانسداد وتقود إلى انتخابات، وأن ضمانتها تكمن في حجم التأييد الوطني الذي تحظى به.
ثم جاءت النقطة الفارقة حين أعربت بوعميد عن استغرابها من أن بعض الأصوات التي تهاجم مخرجات الحوار اليوم تحت شعار «الدفاع عن السيادة» لم نسمع لها الحدة ذاتها عندما طُرح مشروع بولس، الذي تناول بشكل مباشر إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وصيغ تقاسم النفوذ.
وتساءلت: «إذا كان النقاش حول مخرجات صاغها ليبيون يُعد مساساً بالسيادة، فكيف يُنظر إلى مشروع دولي يتدخل في تفاصيل المشهد السياسي الليبي على أنه مبادرة مقبولة أو قابلة للتفاوض؟».
هذه الكلمات، التي جاءت من داخل خيمة الحوار المهيكل، وضعت أصابعها على مفارقة لافتة: فالذين يرفعون راية السيادة في وجه الحوار الوطني، يبدون أقل حماسة حين يتعلق الأمر بمبادرة تحمل توقيعاً خارجياً واضحاً.
وهي مفارقة تمنح مبادرة بولس، شاء مناصروها أم لم يشاؤوا، موقعاً متميزاً في النقاش، بوصفها المسار الذي لم يُقابَل بالرفض نفسه الذي يواجهه الحوار المهيكل، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة التحالفات السياسية التي تقف وراء كل مسار.
صفوة متشككة.. ومبادرات تكرر نفسها
لم يقتصر التشكك على الأطراف السياسية وحدها، بل امتد إلى تحليلات الخبراء. فالمحلل السياسي حسام الفنيش رأى أن مخرجات الحوار المهيكل لم تأتِ بحلول جديدة، بل أعادت إنتاج تجارب المراحل الانتقالية السابقة التي لم تنجح في إنهاء الانقسام.
وأشار إلى أن بعض التوصيات مثل تشكيل لجنة «64» تثير تساؤلات حول قدرتها على إنتاج حل سياسي، متسائلاً عما إذا كان المجتمع الدولي سيأخذ بجميع التوصيات أم سيختار منها ما يتوافق مع رؤيته.
واعتبر الفنيش أن العملية لم تكن تُدار بصورة ليبية خالصة، وأن البعثة هي من حددت المواضيع المطروحة للنقاش، وهو ما يجعل الحديث عن غياب كامل للتدخل الدولي غير دقيق.
وجاء بيان حزب صوت الشعب، برئاسة فتحي الشبلي، ليعبر عن حالة النفور من مجمل المسارات المطروحة، حين أعلن رفضه لمبادرة بولس ومخرجات الحوار المهيكل وإحاطة البعثة الأممية وبيان الرئاسات الثلاث معاً.
ورأى الحزب أن المشكلة الليبية ليست في غياب التفاهمات السياسية، بل في غياب الشرعية الشعبية، وأن المدخل الصحيح يبدأ من استفتاء وطني يحدد الليبيون عبره شكل الدولة ونظام الحكم، محذراً من أن أي مسار لا يبدأ من إرادة الشعب ولا ينتهي إلى انتخابات سيبقى مجرد إدارة للأزمة وإطالة لعمرها.
أما النائب وعضو لجنة الحوار المهيكل الدكتور عبد السلام نصية، فقدم تحليلاً لافتاً من الداخل، حين وصف كيف تحول الحوار من فضاء فكري حر إلى ساحة تفاوض سياسي تشبه المسارات السابقة.
وعزا ذلك إلى أن من أشرفوا على المسار من البعثة هم الخبرات ذاتها التي شاركت في حوارات الصخيرات وجنيف، ما جعل المقاربة تميل إلى إعادة استخدام الأدوات والمنهجيات نفسها.
وخلص نصية إلى أن الأزمة لم تكن أزمة حكومات بقدر ما هي أزمة قيادة ومؤسسات، وأن الحديث عن حكومة موحدة يظل مهماً لكنه لا يكفي، محذراً من أن خلط مرحلة إنتاج الأفكار بمرحلة التفاوض عليها يفقد الحوارات قدرتها على الابتكار.
المجتمع المدني وقضايا السيادة: نقد منهجي وتحفظات قانونية
في الجانب المتصل بالمسار الحقوقي، أثارت الباحثة أحلام بن طابون جملة من التحفظات على منهجية الحوار ومخرجاته.
وانتقدت ما وصفته بعدم إتاحة المجال للرد على ملاحظات المواطنين في اجتماعات مسار المصالحة وحقوق الإنسان، محذرة من أن وصف المعارضين بأنهم «لم يقرأوا» لا يخدم الحوار الجاد.
وركزت على نقاط محددة تتصل بالعلاقة بين الشريعة وحقوق الإنسان، وتوسيع ولاية المحكمة الجنائية الدولية، والانضمام لاتفاقية الاختفاء القسري، معتبرة أن ذلك يمس صلب السيادة القضائية للدولة ويستوجب نقاشاً موضوعياً بعيداً عن الاستقطاب.
وفي السياق ذاته، كشف الكاتب الصحفي خليل الحاسي عن جانب من الخلفيات غير المرئية للمشهد، حين أشار إلى أن رفض ترشيح حنان محمد شلوف، المقربة من تيار المفتي الغرياني، للمشاركة في الحوار قد يكون أحد مفاتيح فهم الحملة التي تشنها دار الإفتاء على المسار.
ولفت إلى أن شلوف، التي قاطعت مجلس النواب سابقاً استناداً إلى فتوى دار الإفتاء، تطالب اليوم المشاركين في الحوار بإعلان توبة دينية، في مؤشر على أن الصراع لا يقتصر على المخرجات السياسية، بل يتغذى على استقطابات أعمق.
المفتي وخطاب التخويف: من الصخيرات إلى الحوار المهيكل
بدوره، شن المفتي المعزول الصادق الغرياني هجوماً عنيفاً على الحوار المهيكل، واصفاً إياه بأنه «اعتداء على الليبيين»، وأن البعثة الأممية اختارت أعضاءه «على مقاسها» بعد أن «استدرجتهم بالوعود» ثم غيرت خطابها لجعل التوصيات ملزمة.
وقارن الغرياني بين المشاركين الحاليين ومن جندتهم البعثة السابقة لمشروع الصخيرات، قائلاً إن العبرة واضحة، وحذر من أن المخرجات تسلم مؤسسات الدولة الرقابية والمالية والقضائية إلى خبراء دوليين من دول معادية، وتمنح الحكومة الانتقالية صلاحية التصرف في السجل المدني الذي وصفه بأنه منفذ للتغيير الديمغرافي.
وختم بدعوة إلى إظهار القوة والاعتزاز الوطني، معتبراً أن المجتمع الدولي لا يحترم إلا القوي.
ليبيا أمام خريطة طرق متشعبة وبوصلة مفقودة
في خضم هذا التضارب، يقف الليبيون أمام حقيقة مركزية واحدة: أن الخلاف على الحوار المهيكل لا يقل حدة عن الخلاف الذي يفترض أن يعالجه.
وبين مبادرة أممية تبحث عن إجماع مفقود، ومبادرة أميركية تقدم نفسها كبديل، وحوار وطني متهم بإعادة إنتاج الأزمة، تبقى الكلمة الفصل غائبة. ليس لأن الأفكار ناقصة، بل لأن الإرادة السياسية الحقيقية لإنهاء المراحل الانتقالية لم تكتمل بعد. وما لم تُحسم الأسئلة الكبرى حول القيادة والمؤسسات وتوزيع السلطة، ستظل كل مبادرة، سواء أتت من داخل ليبيا أو من خارجها، مجرد محطة جديدة في دوامة لا تنتهي.



