أزمة أدوية السرطان في ليبيا.. اتهامات بالفساد وردود عنيفة وصراع مصالح يهدد صحة المرضى
رئيس هيئة السرطان يواجه اتهامات بأدوية منتهية الصلاحية ومهربة
ليبيا 24
السايح يصف اتهامات الأدوية بالمهزلة ويطلب إعدامه بميدان الشهداء
في تطور دراماتيكي هزَّ المشهد الصحي والسياسي الليبي، وجد رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة السرطان، حيدر السايح، نفسه في قلب عاصفة من الاتهامات الخطيرة التي تتراوح بين جلب أدوية مهربة ومنتهية الصلاحية لمرضى الأورام، وإهدار المليارات دون تقديم خدمات ملموسة، وسط موجة غضب شعبية عارمة ومطالبات بالمساءلة، بينما ردَّ السايح بتحدٍّ غير مسبوق، واصفاً الاتهامات بـ”المهزلة”، ومطالباً بإعدامه شنقاً في ميدان الشهداء إن ثبتت إدانته، في مشهد يعكس عمق الأزمة وتشابك أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والطبية.
اتهامات بالفساد تهز الثقة في المنظومة الدوائية
انطلقت الأزمة مع تصاعد منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي اتهمت السايح بتوريد أدوية وتطعيمات مهربة ومنتهية الصلاحية إلى مراكز الأورام، ما أثار حالة من الهلع بين آلاف المرضى وأسرهم الذين يعيشون أصلاً معاناة يومية في البحث عن جرعات العلاج. وتزامنت هذه الاتهامات مع صور متداولة لأدوية مجهولة المصدر نسبت إلى الهيئة، مما زاد من حالة الريبة والشك في سلامة الدواء الليبي، وهو ما اعتبره مراقبون “طعناً في الأمن الصحي القومي” و”تهديداً لحياة الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع”.
السايح يتحدى بالإعدام وينفي في منشور مطول
في رد فعل عنيف، خرج السايح في منشور مطول على صفحته الشخصية، نافياً بشكل قاطع جلب أي دواء منتهي الصلاحية أو مهرب، واصفاً ما يُثار بأنه “مهزلة وقمة الفجور في الخصومة”. وقال السايح: “إذا ثبت أنني جلبت دواءً منتهي الصلاحية أو مهرباً، فأطالب بإعدامي شنقاً في ميدان الشهداء أمام الليبيين جميعاً، وأنا بكامل قواي العقلية”. وأكد أن الهيئة لا تستورد أي دواء إلا بعد استكمال كافة إجراءات التسجيل في وزارة الصحة، والحصول على إذن استيراد من جهاز الرقابة على الأغذية والأدوية، والإفراج الرقابي، وشهادة الجودة المعتمدة التي تعتبر بمثابة جواز سفر للشركات المصنعة.
وكشف السايح عن إجراءات نوعية اتخذتها الهيئة، منها وقف توريد أدوية الأورام عبر الشركات المحلية والاعتماد على الاستيراد المباشر من المصانع العالمية في أوروبا وأمريكا، وإيقاف جلب الأدوية من العراق، مشدداً على أن تطعيمات الدولة الليبية تأتي من أفضل شركات العالم بشهادة منظمة الصحة العالمية. وأرجع السايح الحملة ضده إلى “حرب مصالح وابتزاز تقودها شركات عبر صفحات التواصل”، متهماً إياها بالسعي لتخريب النظام الصحي وزعزعة ثقة المواطن بدوائه، مشيراً إلى تعرضه للتهديد والاغتيال المعنوي وتهكير هواتفه من أجل ثنيه عن قراراته.
ناشط سياسي يكشف تفاصيل عقود مشبوهة وملفات فساد
في المقابل، خرج الناشط السياسي من مصراتة، المهدي عبد العاطي، بتصريحات نارية اتهم فيها السايح بـ”الكذب على الشعب”، مشيراً إلى أن الهيئة أنفقت أربعة مليارات دينار دون تقديم أدوية أو علاجات ملموسة لمرضى السرطان في المراكز. واتهم عبد العاطي السايح بالتعاقد مع شركة مزيفة لتوريد أدوية الدرن، مؤكداً أنه بحوزته وثائق رسمية من هيئة الرقابة الإدارية ومكتب النائب العام التي تثبت ذلك، وأن التحقيقات جارية حالياً. وتساءل عبد العاطي: “إن كان السايح يعلم أن الشركة مزيفة، فهذه كارثة عظمى، وإن لم يكن يعلم، فهي كارثة أكبر”، مطالباً بكشف مصير أدوية الدرن التي تم التحصل عليها، محذراً من تداعيات توزيع أدوية مزيفة على مرضى الدرن، ليس في ليبيا فقط بل في المنطقة بأسرها، لا سيما مع وجود مهاجرين على الأراضي الليبية.
كما اتهم عبد العاطي بوجود نفس الأدوية مجهولة المصدر في مركز أورام مصراتة، معتبراً أن “لا حجج لانتشارها إلا الفساد العلني”، مشيراً إلى معاناة المرضى من نقص الأدوية وخوفهم من الجرعات التي تقدمها الهيئة بعد اكتشاف حالات منتهية الصلاحية أو مجهولة المصدر.
مرضى الأورام بين نقص العلاج والخوف من الدواء.. 1023 يوماً من الوعود
لم تقتصر الاتهامات على الجانب الجنائي، بل امتدت إلى الجانب الخدمي والإداري، حيث وجه نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي سؤالاً قاسياً للسايح بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات وثمانية أشهر على إنشاء الهيئة، وسنتين وتسعة أشهر على تكليفه بتسيير مهامها: “أين ذهبت كل هذه السنوات؟ ولماذا لا يزال المرضى يطاردون أدويتهم من مدينة إلى أخرى، وتحولت جرعات العلاج إلى هاجس يؤرق آلاف الأسر؟”. وأكد النشطاء أن مرضى الأورام لا ينتظرون وعوداً جديدة، بل دواءً يصل في موعده، وحياة لا تؤجل، متهمين السايح بالانشغال بفيديوهات الاستعراض الإعلامي والتجميل أمام الكاميرات، بدلاً من حل معاناة المرضى على أرض الواقع، مؤكدين أن المريض الليبي يركض من مركز إلى مركز بحثاً عن جرعة علاج، بينما تحاول الهيئة إقناع الشعب بأن كل شيء ممتاز.
أبعاد سياسية واقتصادية وطبية متشابكة
تكشف الأزمة عن أبعاد متعددة؛ فمن الناحية السياسية، يلوح في الأفق سؤال حول دور رئيس الحكومة الذي أكد السايح أنه كان يردد دائماً أن “جودة الدواء خط أحمر”، وهو ما استغله السايح لتبرير إجراءاته، بينما اعتبره منتقدوه غطاءً سياسياً للفساد. اقتصادياً، تطرح قضية المليارات الأربعة التي أنفقت دون مخرجات ملموسة علامات استفهام حول آلية الصرف والرقابة المالية، خاصة مع قرار الهيئة التحول إلى الاستيراد المباشر، وهو ما قد يكون خطوة إيجابية لكنه يحتاج إلى شفافية كاملة. أما طبياً، فتمثل القضية خطراً داهماً على الصحة العامة، إذ أن أي دواء منتهي الصلاحية أو مجهول المصدر يمكن أن يؤدي إلى عواقب مميتة، ناهيك عن تأثير أدوية الدرن المزيفة التي قد تخلق سلالات مقاومة للأدوية، وهو ما يهدد جهود مكافحة المرض في ليبيا والدول المجاورة.
حرب شركات ومصالح… والمواطن في دائرة الضحية
وسط هذا الجدل المحتدم، يبقى السؤال الأهم: من المستفيد؟ يرى السايح أن الحملة مدفوعة من شركات كانت تستفيد من عقود التوريد السابقة، بينما يرى خصومه أنه هو من يسعى للإثراء على حساب صحة المواطنين. لكن المؤكد أن المريض الليبي هو الخاسر الأكبر، إذ بات يعيش حالة من التخبط بين نقص الدواء وخوفه من جودته، بينما تتحول مناقشة قضاياه الحيوية إلى معارك إعلامية وسجالات فيسبوكية بعيدة كل البعد عن معاناته اليومية.
دعوة للتحقيق وضرورة استعادة الثقة
في خضم هذه التطورات، يبقى المخرج الوحيد هو التحقيق الشفاف والعاجل من قبل الجهات القضائية والرقابية المختصة، بما فيها مكتب النائب العام وهيئة الرقابة الإدارية، لكشف الحقيقة كاملة حول الأدوية المهربة والمنتهية الصلاحية، وعقود الشركات المزيفة، ومصير المليارات المنفقة. ذلك أن صحة المواطن الليبي ليست مجالاً للمزايدات أو الاستعراضات، بل هي أمانة ومسؤولية وطنية تتطلب تضافر الجهود لضمان دواء آمن وفعال يصل في وقته، ومنظومة صحية تحترم آلام المرضى وتضع حداً لمعاناتهم.



