الحمى القلاعية تهدد الثروة الحيوانية في ليبيا.. نفوق المواليد يتجاوز 50 بالمئة وإجراءات احتواء عاجلة في عدة مناطق
التحصين الدوري والحجر الصحي آخر الحلول للحد من كارثة الحمى القلاعية بالمرج
ليبيا 24:
تحذيرات بيطرية من كارثة تتربص بالقطيع ونسب نفوق مرتفعة بين الحملان والعجول مع دخول الفيروس عضلة القلب
تواجه الثروة الحيوانية في ليبيا واحدة من أخطر التهديدات الوبائية في السنوات الأخيرة، مع رصد إصابات مؤكدة ومشتبه بها بمرض الحمى القلاعية في عدة مناطق من الشرق والغرب، وسط تحذيرات بيطرية من أن معدلات نفوق المواليد قد تصل إلى 70 بالمئة في بعض القطعان، الأمر الذي ينذر بانهيار محتمل في الإنتاج الحيواني وتداعيات خطيرة على الأمن الغذائي في البلاد.
تحذيرات من كارثة وشيكة
وحذر نقيب المهن الطبية البيطرية بمدينة المرج، مروان العسبلي، مربي الماشية من خطورة مرض الحمى القلاعية وسرعة انتشاره، مؤكداً أن معدلات نفوق المواليد من الحملان والعجول قد تتراوح بين 50 و70 بالمئة نتيجة إصابة عضلة القلب، وهي الحالة المعروفة بيطرياً باسم “القلب النمري”.
وأوضح العسبلي أن تأثير المرض يختلف بحسب عمر الحيوان، إذ تسجل الحيوانات البالغة نسب نفوق منخفضة، لكنها تتعرض لخسائر إنتاجية كبيرة تتمثل في انخفاض إنتاج الحليب والإجهاض والعرج والهزال، فيما تظل الفئة الأكثر تضرراً هي المواليد الصغار بسبب ضعف مناعتهم وقابلية الفيروس للإصابة بعضلة القلب.
طرق انتقال العدوى
وأشار النقيب إلى أن الفيروس قادر على الانتقال عبر الهواء لمسافات بعيدة، إلى جانب انتقاله بالاحتكاك المباشر مع الحيوانات المصابة أو من خلال المعدات ووسائل النقل والأشخاص المتنقلين بين الحظائر.
وتزداد خطورة الفيروس بقدرته على البقاء في البيئة المحيطة لفترات طويلة، ما يجعل السيطرة عليه تحدياً كبيراً يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف المعنية.
خطة وقائية شاملة
ودعا العسبلي إلى اعتماد خطة وقائية متكاملة تقوم على الالتزام ببرامج التحصين الدوري باستخدام اللقاحات المعتمدة، وتطبيق إجراءات الأمن الحيوي داخل الحظائر، وفرض الحجر الصحي على الحيوانات الجديدة لمدة لا تقل عن 21 يوماً قبل خلطها بالقطيع.
كما شدد على ضرورة التخلص الآمن من الحيوانات النافقة عبر الدفن الصحي أو الحرق، لمنع استمرار انتشار الفيروس وانتقاله إلى قطعان أخرى.
وأكد العسبلي أن الوقاية تمثل الوسيلة الأكثر فاعلية لحماية الثروة الحيوانية، داعياً المربين إلى التعاون مع الجهات البيطرية المختصة والإبلاغ المبكر عن أي حالات اشتباه، بما يسهم في احتواء المرض والحد من آثاره على الأمن الغذائي والإنتاج الحيواني.
اشتباهات في الجبل الأخضر وإجراءات احترازية
في تطور ميداني خطير، أعلن فرع جهاز الشرطة الزراعية بالجبل الأخضر الاشتباه في ظهور إصابات بمرض الحمى القلاعية بين قطعان الأغنام في منطقتي قندولة ومراوة بمدينة البيضاء.
وأجرى فريق من مكتب الصحة الحيوانية بالبيضاء زيارة ميدانية إلى المنطقتين عقب رصد حالات اشتباه بالمرض، حيث ظهرت على عدد من الأغنام أعراض تمثلت في العرج والتهابات وتقرحات بالفم واللسان، إلى جانب تسجيل حالات نفوق.
وأضاف البيان أن الفرق المختصة سحبت عينات من الحيوانات المشتبه بإصابتها، وأحالتها إلى المركز الوطني للصحة الحيوانية بوزارة الزراعة والثروة الحيوانية لإجراء الفحوصات المخبرية اللازمة وتحديد نوع الفيروس، تمهيداً لتوفير اللقاحات المناسبة واتخاذ الإجراءات اللازمة.
ودعت الجهات المختصة جميع مربي الماشية إلى سرعة التواصل مع مكتب الصحة الحيوانية عند رصد أي أعراض مشابهة، والامتناع عن نقل أو تسويق الأغنام المصابة أو المخالطة لها إلى حين صدور نتائج الفحوصات، حفاظاً على سلامة الثروة الحيوانية والحد من انتشار المرض.
إغلاقات في الغرب الليبي
لم تقتصر الإجراءات الاحترازية على منطقة الشرق، إذ أعلنت بلدية قصر بن غشير إيقاف بيع الحيوانات بسوق الأحد الشعبي اعتباراً من الأحد المقبل وحتى إشعار آخر، بعد الاشتباه في تسجيل حالات إصابة بمرض الحمى القلاعية.
وفي خطوة مماثلة، أعلن جهاز الحرس البلدي بالعجيلات قفل السوق الشعبي للمواشي بسبب انتشار المرض اعتباراً من يوم الخميس الموافق 9 يوليو 2026.
طبيعة المرض وخطورته
الحمى القلاعية، المعروفة أيضاً بداء الحافر والفم، هي مرض فيروسي شديد العدوى يصيب الحيوانات ذات الظلف المشقوق مثل الأبقار والأغنام والماعز والخنازير.
يتميز بارتفاع درجات الحرارة التي قد تصل إلى 42 درجة مئوية، وظهور بثور مؤلمة في الفم وعلى الحوافر تنفجر لتترك تقرحات مؤلمة تسبب العرج وفقدان الشهية وتوقف إنتاج الحليب.
وفي الأغنام والماعز، تكون الأعراض أقل حدة وظهوراً، وتقتصر غالباً على العرج البسيط والتهابات الفم، مما قد يؤدي إلى تأخر اكتشاف المرض وزيادة فرص انتشاره بين القطعان.
وينتقل الفيروس عبر الاتصال المباشر بين الحيوانات المصابة والسليمة، واستنشاق الرذاذ الملوث، وتناول أغذية ملوثة، وانتقال العدوى عبر ملابس وأدوات المزارعين، إضافة إلى قدرته على الانتقال عبر الهواء لمسافات طويلة في ظروف مناسبة.
التأثير البشري والخلط الشائع
رغم خطورة المرض على الثروة الحيوانية، يؤكد الخبراء أن الفيروس نادراً ما يصيب البشر، وتحدث الإصابة غالباً للأشخاص الذين يتعاملون بشكل مباشر مع الحيوانات المصابة أو يستهلكون منتجاتها غير المطهية جيداً.
وتكون الأعراض إن حدثت خفيفة ومحدودة، وتتضمن الحمى والتهاب الحلق وظهور تقرحات في الفم والجلد.
ويحدث خلط شائع بين مرض الحمى القلاعية الذي يصيب الحيوانات ومرض آخر مختلف تماماً يصيب الإنسان يُسمى “مرض اليد والقدم والفم” الذي ينتشر عادة بين الأطفال، ويسببه فيروس من نوع مختلف تماماً.
ويصيب هذا المرض الإنسان في جوف الفم وراحتي اليدين والأصابع وباطن القدمين، وتحدث معظم الحالات في فصل الصيف وأوائل الخريف، ولا علاقة له بالمرض الفيروسي الذي يهدد الثروة الحيوانية.
استراتيجيات المكافحة
يعتبر التحصين الدوري والواسع النطاق أفضل وسيلة للوقاية من الحمى القلاعية، كما تنفذه بصفة مستمرة مديريات الطب البيطري.
وعند الاشتباه في ظهور المرض، يتم عزل الحيوانات فوراً وإبلاغ الجهات المختصة ومنع نقل أو تسويق الحيوانات المخالطة.
وتشير التجارب الدولية إلى أن أفضل طريقة لإيقاف انتشار الحمى القلاعية هي قتل قطيع الحيوانات المصابة وحرقها، وعزل المزارع المصابة، وهو ما دعت إليه منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة التي حذرت من أن المرض قد يصيب دولاً عديدة في مختلف أنحاء العالم، وناشدت المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمواجهته.
تداعيات على الأمن الغذائي
يمثل تفشي الحمى القلاعية تهديداً مباشراً للأمن الغذائي في ليبيا، حيث تعتمد البلاد بشكل كبير على الإنتاج الحيواني المحلي لتلبية احتياجاتها من اللحوم والألبان. ومع توقف إنتاج الحليب في الأبقار المصابة وفقدان الوزن والهزال الذي يصيب القطعان، تتزايد المخاوف من نقص المعروض من المنتجات الحيوانية وارتفاع أسعارها في الأسواق المحلية.
كما أن القيود المفروضة على نقل وتسويق المواشي، وإغلاق أسواق الماشية في عدة مناطق، ستؤدي حتماً إلى تعطيل سلاسل التوريد وزيادة الضغوط على المربين الذين يعتمدون على بيع مواشيهم كمصدر رئيسي للدخل. وتتفاقم هذه التحديات في ظل غياب برامج تحصين واسعة النطاق وضعف القدرات المخبرية اللازمة لتشخيص المرض وتحديد نوع الفيروس بسرعة.
ويؤكد المراقبون أن معالجة هذه الأزمة تتطلب تنسيقاً عالياً بين وزارة الزراعة والثروة الحيوانية والمركز الوطني للصحة الحيوانية وجهاز الشرطة الزراعية والبلديات، مع ضرورة توفير الاعتمادات المالية الكافية لتأمين اللقاحات وتجهيز الفرق البيطرية الميدانية وتعزيز القدرات المخبرية.
كما يبرز دور التوعية والإرشاد البيطري كعنصر أساسي في مواجهة الوباء، من خلال تعريف المربين بأعراض المرض وطرق انتقاله وإجراءات الوقاية، وحثهم على الإبلاغ الفوري عن أي حالات اشتباه، والامتناع عن نقل أو تسويق الحيوانات المصابة، والالتزام بإجراءات الأمن الحيوي داخل الحظائر.
وتظل الثروة الحيوانية في ليبيا تواجه تحديات أكبر من مجرد وباء عابر، فهي بحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة لحمايتها من الأوبئة والأمراض، تشمل تطوير البنية التحتية للخدمات البيطرية، وإنشاء نظام إنذار مبكر فعال، وتأهيل الكوادر البيطرية، وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية المتخصصة للاستفادة من خبراتها في مكافحة الأمراض الوبائية العابرة للحدود.



