ليبيا

غبار الجحيم الصامت: سحابة أتنا الكبريتية تعبر المتوسط نحو ليبيا ودول الجوار

أقمار أوروبا ترصد غبار أتنا يغطي سواحل شمال إفريقيا

ليبيا 24

سحابة أتنا الكبريتية تغسل سواحل ليبيا

في مشهد جيولوجي نادر، أعادت الرياح المتوسطية تشكيل خريطة التلوث الطبيعي، حين حملت عموداً كثيفاً من الغازات البركانية من فوهة بركان أتنا السخونة، لتلقي بظلالها غير المرئية على سواحل ليبيا وتونس والجزائر.

ففي السابع من يوليو، لم تكن الأقمار الاصطناعية التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ترصد حركة السحب المعتادة، بل جبهة كبريتية هائلة، امتدت كالوشاح الأصفر فوق زرقة المتوسط، قبل أن تلامس اليابسة الإفريقية في مشهد يحمل بين طياته أسئلة علمية وبيئية عميقة.

جبهة كبريتية تعبر البحر المفتوح

وفق المعطيات الأولية التي نشرها موقع ميتيو ويب الإيطالي، فإن هذه السحابة ليست مجرد غبار عابر، بل هي حمض الكبريتيك المكثف، وأكسيد الكبريت، اللذان تفاعلا مع بخار الماء فوق البحر، مشكلين رذاذاً ممتداً على ارتفاع يتراوح بين ثلاثة وستة كيلومترات.

وقد أكدت صور القمر الصناعي “سنترينل” انتشار هذا الغطاء على مساحة تقدر بمئات الكيلومترات، متجاوزاً الحدود البحرية بسلاسة، وكأن المتوسط لم يكن سوى ممر ضيق لبخار الجبل الناري.

ليبيا في قلب العاصفة الجوية

أما ليبيا، التي اعتادت على رياح الخماسين والعواصف الترابية الصحراوية، فوجدت نفسها فجأة أمام عدوان جوي من نوع مختلف.

إذ حملت التيارات الهوائية الشمالية الغربية نحو سواحل بنغازي وطرابلس تركيزات مرتفعة من ثاني أكسيد الكبريت، ما أثار مخاوف خبراء الصحة البيئية من تداعيات مؤقتة على جودة التنفس، خصوصاً لدى المصابين بالربو أو الحساسيات الصدرية.

ولم تقف الظاهرة عند ليبيا، بل تعدتها إلى تونس والجزائر، حيث سجلت محطات الرصد الجوي انحرافاً في قراءات الأشعة فوق البنفسجية، نتيجة امتصاص الجسيمات الكبريتية لأجزاء من الطيف الضوئي.

قراءة علمية في المشهد الطبيعي

يرى مختصو البراكين في مرصد إتنا أن هذه الانبعاثات تأتي ضمن النشاط الاعتيادي للبركان، لكن حدتها هذا الموسم تزامنت مع كتل هوائية مستقرة فوق البحر، ما مهّد لانتقال الغبار لمسافات قياسية غير مسبوقة في الأعوام الأخيرة.

ويؤكد الجيولوجيون أن مثل هذه السحب، رغم مظهرها المقلق، سرعان ما تتبدد بعد أيام، إما عبر ترسبها مع الأمطار الحمضية الخفيفة، أو بتشتتها في الطبقات العليا من الغلاف الجوي.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى حول تأثيرها المباشر على العوالق البحرية والنظام البيئي الساحلي، لا سيما في مناطق مصبات الأنهار الليبية التي تعتبر حاضنة للثروة السمكية.

تحذيرات غير معلنة

ورغم أن وكالة الفضاء الأوروبية لم تصدر بياناً رسمياً عن خطورة الوشاح الكبريتي، إلا أن باحثين في مجال المناخ يحذرون من تكرار مثل هذه الظواهر في ظل ارتفاع حرارة مياه البحر المتوسط، ما يزيد من تطاير الأبخرة وتعقيد تفاعلاتها الكيميائية.

وفي المقابل، تبدو الحكومات المحلية في شمال إفريقيا في حالة ترقب، تاركة أمر الرصد للمراكز الدولية، بينما ينتظر الصيادون والمزارعون تقارير دقيقة عن مدى تلوث الأمطار القادمة، خوفاً من تداعيات غير محسوبة على مواسمهم القادمة.

خلاصة المشهد

تبقى سحابة أتنا هذه شاهداً جديداً على وحدة الإقليم المتوسطي بيئياً، حيث لا تعترف الرياح بالحدود السياسية، ولا تفرق الجسيمات البركانية بين ضفة وأخرى.

فالبركان الذي يلفظ أنفاسه فوق صقلية، يكتب فصلاً عابراً في مناخ القارة الإفريقية، تاركاً للعلماء مهمة فك شيفرات تأثيره، وللسكان دروساً في التعايش مع غضب الأرض الصامت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى