طفرة الملاعب وسراب الأرقام: الاقتصاد الأمريكي تحت مجهر كأس العالم
كأس العالم وحدّ القلوب لكنه أربك حسابات وول ستريت
ليبيا 24
إنفاق أمريكي بالمليارات على المونديال وعوائد اقتصادية شبه معدومة
بين وعود الفيفا ودفاتر الحسابات الرسمية
في تقرير صدر قبيل انطلاق صافرة البداية، رسم الاتحاد الدولي لكرة القدم لوحة وردية لمستقبل الاقتصاد الأمريكي، متوقعاً أن تضخ البطولة 30.5 مليار دولار في شرايينه، وتوفر ما يعادل 185 ألف وظيفة بدوام كامل.
غير أن مسحاً دقيقاً للبيانات الاقتصادية الصادرة عن الجهات الحكومية والمؤسسات المالية المتخصصة يرسم صورة مغايرة تماماً لهذا التفاؤل المؤسسي. فبعد إسدال الستار على العرس الكروي، وجد المحللون أنفسهم أمام مشهد اقتصادي يثير تساؤلات عميقة حول الجدوى الحقيقية لاستضافة الأحداث الرياضية العملاقة، وما إذا كانت الحكومات والدافعون يتحملون فاتورة باهظة لقاء مكاسب عاطفية ووجدانية يصعب قياسها بالموازين التقليدية.
لغز السياحة وأسرار الإنفاق الاستهلاكي
تكشف سجلات المكتب الوطني للسفر والسياحة أن حركة القدوم إلى الولايات المتحدة ظلت شبه جامدة خلال شهر حزيران، مسجلة ارتفاعاً هزيلاً لم يتجاوز 0.2 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وبرزت في هذه المعادلة مفارقة لافتة، حيث قادت القارة الأفريقية وأمريكا الجنوبية طفرة الزائرين بنسب 13.8 و4.7 في المئة على التوالي، بينما تراجع التوافد الأوروبي 1.2 في المئة، وانكمشت السياحة الآسيوية بنسبة 5.6 في المئة.
هذا الأداء الباهت للقطاع السياحي بدد آمال الفنادق التي انتظرت طفرة في الحجوزات، إذ أظهر تقرير التضخم انخفاض أسعارها 2.8 في المئة، مؤشراً على تخمة في العرض مقابل طلب أقل من المنتظر. وفي مفارقة أخرى، لم ترتفع أسعار تذاكر الطيران إلا بقدر ضئيل لا يكاد يذكر، بينما صعدت الخدمات الترفيهية 0.5 في المئة فحسب، مما يؤكد أن الموجة البشرية القادمة لحضور المباريات لم تخلق الضغط الاستهلاكي المتوقع.
سوق العمل ورسائل التراجع الحادة
جاء تقرير الوظائف لشهر حزيران بمثابة صدمة للمراقبين الذين راهنوا على انتعاشة تشغيلية بفعل البطولة. فقد هوى قطاع الترفيه والضيافة بفقدانه 61 ألف وظيفة، وهو انكماش وصفه خبراء اقتصاديون بأنه “مثير للحيرة” ويرجح أن يعاد النظر فيه وتنقيحه لاحقاً. كما سلط الضوء على تقلص قطاع تجارة التجزئة للسلع العامة بمقدار 5 آلاف وظيفة، مما يلمح إلى فتور غير متوقع في حركة شراء الهدايا التذكارية والمنتجات المرتبطة بالحدث.
ورغم احتمال أن بعض العاملين في المطاعم والحانات تلقوا أجراً إضافياً لقاء ساعات عمل أطول، فإن هذا الأثر التوزيعي يختفي خلف الأرقام الإجمالية الكلية. وعلى صعيد المبيعات، لم يتجاوز النمو الوطني في قطاع التجزئة 0.2 في المئة، وهو رقم يقل عن توقعات المحللين وعن معدل 1 في المئة المسجل في أيار السابق، فيما زاد الإنفاق على المطاعم والحانات 0.1 في المئة فقط، في مشهد يتناقض مع صورة الحانات المكتظة والجماهير الغفيرة التي نقلتها الشاشات.
انتعاش محلي محدود وبصمة البيرة الاسكتلندية
على الرغم من الصورة القاتمة على المستوى الكلي، تكشف بيانات شركة “فيزيرف” لخدمات الدفع ومؤشرات البنك الاحتياطي الفيدرالي عن جيوب انتعاش محلية ارتبطت جغرافياً بالمدن المضيفة.
فارتفعت مبيعات الشركات الصغيرة في تلك المدن 4.1 في المئة خلال حزيران، مقابل 1.8 في المئة فقط في المدن الكبرى التي لم تستضف مباريات. وتصدرت بوسطن قائمة المستفيدين بقفزة 7.6 في المئة، لكن المفارقة أن جانباً كبيراً من هذا الصعود نُسب إلى استهلاك كثيف للبيرة قادته جماهير اسكتلندا التي كادت أن تستنفد مخزون المدينة.
ومع ذلك، أشار البنك الفيدرالي إلى أن فنادق بوسطن نفسها عانت في البداية من حجوزات دون المأمول، ولم تصل إلى مستوياتها المعتادة إلا بعد أن لجأت إلى خفض الأسعار، مما يؤكد هشاشة الطفرة المحلية وارتباطها بعوامل استثنائية.
حرب إيران ومعادلة الأثر المتلاشي
في تحليله للمشهد، يشير جو بروسويلاس، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في بنك “آر بي إس”، إلى عامل خارجي أربك قياس الأثر الصافي للبطولة. فالحرب التي اندلعت في إيران تزامنت مع صافرة البداية، وأدت إلى ارتفاع في أسعار المستهلكين وكبح واضح في الطلب. ويرى بروسويلاس أن هذين العاملين – انتعاش كأس العالم من جهة وتداعيات الحرب التضخمية من جهة أخرى – ربما تعادلا وتلاشى أثرهما المتبادل، بحيث لم يظهر الدعم الكلي للبطولة بالقوة المتوقعة.
يضاف إلى ذلك صعوبة منهجية في عزل أثر حدث رياضي عن نسيج اقتصاد هائل ومعقد كالاقتصاد الأمريكي، فكيف يمكن احتساب الأموال التي كانت ستنفق أصلاً بمعزل عن المونديال؟ أو تقدير خسائر الإنتاجية الناجمة عن متابعة الموظفين للمباريات أثناء ساعات العمل؟ أو تقييم التكلفة الحقيقية لاضطراب حركة التنقل اليومية؟
فخ البنية التحتية وسؤال التكلفة الحقيقية
تروج الفيفا لفكرة أن نسخة 2026 تمتعت بميزة استثنائية، إذ لم تضطر الدول المضيفة إلى تشييد ملاعب جديدة كما فعلت قطر في 2022، مما يجعل تكلفة البنية التحتية “مجانية” عملياً.
لكن هذا الطرح يصطدم بواقع أن دافعي الضرائب تحملوا في مرحلة ما فاتورة بناء هذه المنشآت العملاقة، استناداً إلى افتراض أنها ستستخدم لاستضافة أحداث كبرى ككأس العالم.
وهنا تبرز معضلة محاسبية معقدة، وفقاً لمايكل إدواردز، أستاذ إدارة الرياضة في جامعة ولاية كارولينا الشمالية، تتعلق بكيفية تخصيص جزء من هذه التكاليف الغارقة على البطولة، ومدى مشروعية اعتبارها “مجانية”. ويضيف إدواردز أن كثرة المتغيرات المربكة والضجيج في البيانات تجعل من الصعب للغاية استخلاص مكاسب محددة يمكن أن تُعزى بشكل قاطع لهذه الفعاليات الضخمة.
الفيفا والرهانات: الرابح الأكبر بلا منازع
إذا كانت الصورة ضبابية على مستوى المنفعة الوطنية العامة، فإن الرابح الأكبر يتجلى بوضوح في هيئة الاتحاد الدولي لكرة القدم. تقدر تحليلات “بلومبرغ إنتليجنس” أن الفيفا ستجني 9 مليارات دولار من مبيعات التذاكر وحدها، إضافة إلى 1.1 مليار دولار من بيع حقوق البث التلفزيوني في الولايات المتحدة لشبكتي “فوكس” و”تيليموندو”.
وبجانبها، حققت شركات المراهنات إيرادات طائلة من رهانات قدرت قيمتها بـ 2.25 مليار دولار، فيما قطف ملاك الملاعب حصتهم من إيرادات التذاكر. هذا التدفق المالي بعيداً عن خزينة المدن المضيفة يوضح الفجوة بين من يدفع الفاتورة ومن يحصد العائد، وهي المعضلة التي يلخصها إدواردز بقوله: “دافعو الضرائب هم من يبنون الملعب، في حين تذهب الغالبية العظمى من الإيرادات إلى مالكي الفرق والاتحادات الرياضية الدولية”.
مونديال القلوب: مكاسب لا تقاس بالدولار
غير أن اختزال تقييم التجربة برمتها في لغة الأرقام المالية والحسابات الجافة يفتقد جزءاً جوهرياً من الحقيقة.
فالبطولة قدمت لحظات نادرة من الوحدة والتقارب في عصر تسوده العزلة الرقمية التي تفرضها منصات التواصل الاجتماعي. لقد شعر الأمريكيون بفيض من الفخر الوطني وهم يرون حشود السياح الدوليين يقعون في غرام تفاصيل حياتهم اليومية، من متاجر “وول مارت” إلى صلصة “الرانش”.
وفي زمن تعصف بالعالم فيه الأزمات والتوترات الجيوسياسية، أدت هذه البطولة دوراً رمزياً في جعل الكوكب يبدو أصغر حجماً وأكثر حميمية.
ويخلص إدواردز إلى أن غياب دليل قاطع على العائد الاقتصادي لا يعني بالضرورة أن استضافة كأس العالم فكرة سيئة، فهناك فوائد أخرى غير نقدية تستدعي نقاشاً أوسع وأعمق، بعيداً عن المزاعم “شبه الخيالية” التي تصاحب عادة تقارير الجدوى المسبقة


