ليبيا

أزمة السيولة تعود للواجهة في ليبيا وسط استمرار الضغوط على القطاع المصرفي

قيود السحب تكشف استمرار الاختلالات النقدية وتبرز غياب المعالجات الحكومية

ليبيا 24

عاد ملف السيولة النقدية إلى صدارة المشهد الاقتصادي في ليبيا مع قرار مصرف ليبيا المركزي خفض سقف السحب النقدي إلى ألف دينار للفرد خلال شهر يوليو في وقت تتواصل فيه معاناة المواطنين في الحصول على أموالهم من المصارف.

ويعكس القرار استمرار الضغوط التي يواجهها القطاع المصرفي، بينما يسلط الضوء على غياب معالجة حكومية شاملة للأسباب الهيكلية التي أبقت الأزمة قائمة رغم امتدادها لسنوات.

خفض سقف السحب يعكس استمرار الضغوط على الجهاز المصرفي

أعاد قرار مصرف ليبيا المركزي خفض سقف السحب النقدي إلى ألف دينار للفرد خلال شهر يوليو أزمة السيولة إلى واجهة المشهد الاقتصادي، في ظل استمرار الصعوبات التي تواجه المتعاملين مع المصارف في الحصول على النقد، سواء عبر الفروع أو أجهزة الصراف الآلي.

ويأتي القرار في إطار إدارة النقد المتاح داخل الجهاز المصرفي، مع محدودية الكميات المتوافرة لدى عدد من الفروع، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرة المصارف على تلبية احتياجات العملاء اليومية، وأعاد إلى الواجهة أزمة ممتدة منذ سنوات دون الوصول إلى حلول مستدامة.

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على حدود القطاع المصرفي، بل تمتد إلى النشاط الاقتصادي اليومي، حيث يواجه الأفراد صعوبة في الوصول إلى مدخراتهم، بينما تتأثر الحركة التجارية نتيجة اعتماد نسبة كبيرة من التعاملات داخل الأسواق على النقد الورقي، وهو ما يؤدي إلى إبطاء عمليات البيع والشراء وتأجيل بعض الأنشطة الاستهلاكية.

ورغم توسع خدمات الدفع الإلكتروني خلال العامين الماضيين، فإن انتشارها لا يزال متفاوتًا بين القطاعات المختلفة، إذ تعتمد الأسواق التقليدية والمشروعات الصغيرة بصورة رئيسية على التعاملات النقدية، ما يقلل من قدرة وسائل الدفع الرقمية على تعويض نقص السيولة المتداولة.

أزمة ممتدة ومعالجات محدودة في ظل غياب حلول حكومية شاملة

تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن استمرار أزمة السيولة يرتبط بمجموعة من العوامل الهيكلية المتراكمة، من بينها اتساع الاقتصاد غير الرسمي، وارتفاع حجم الكتلة النقدية المحتفظ بها خارج الجهاز المصرفي، إضافة إلى زيادة الطلب على النقد الورقي مقارنة بالسيولة المتوافرة داخل المصارف.

كما يسهم استمرار ضعف الثقة في القطاع المصرفي في زيادة معدلات اكتناز الأموال خارج البنوك، بما يقلص حجم السيولة القابلة للتداول داخل النظام المصرفي ويزيد الضغوط على عمليات السحب النقدي.

وفي هذا السياق، ينظر إلى قرار خفض سقف السحب باعتباره إجراءً تنظيمياً لإدارة النقد المتاح أكثر من كونه حلاً للأسباب الجذرية للأزمة، إذ لا يعالج الاختلالات التي أدت إلى استمرار نقص السيولة على مدار السنوات الماضية.

وبرز خلال الفترة الأخيرة استمرار اعتماد الإجراءات المؤقتة لإدارة الأزمة، في مقابل غياب خطوات حكومية واسعة لمعالجة أسبابها الأساسية، سواء من خلال تعزيز الثقة في القطاع المصرفي، أو توسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني بشكل أكثر شمولاً، أو الحد من توسع الاقتصاد الموازي، أو تحسين توزيع السيولة بين الفروع المصرفية.

وتعد أزمة السيولة إحدى أبرز التحديات التي يواجهها الاقتصاد الليبي منذ عام 2014، نتيجة تداخل عوامل سياسية ومؤسسية واقتصادية، دفعت السلطات النقدية إلى فرض قيود متفاوتة على السحب النقدي في مراحل مختلفة. ورغم مواصلة مصرف ليبيا المركزي التوسع في نشر نقاط البيع، وتطوير خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، وتشجيع استخدام البطاقات المصرفية، فإن النقد الورقي لا يزال يمثل الوسيلة الأكثر استخدامًا في قطاعات واسعة من الاقتصاد، الأمر الذي يبقي أزمة السيولة قائمة ويحد من أثر الحلول التقنية في غياب معالجة شاملة للعوامل المسببة لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى