من مصفاة الزاوية إلى محطات الكهرباء: تفاقم “الإرهاب الاقتصادي” يغرق ليبيا في نفق مظلم ودعوات ملحة لوحدة الصف
الزاوية "جرس إنذار": دبلوماسي يحذر من أن استهداف المنشآت الحيوية إرهاب يهدد أمن المنطقة الغربية بالكامل
ليبيا 24
الزاوية تشتعل وقلق يخيم على المشهد الليبي: استهداف مقدرات الدولة يفتح باباً لانهيار اقتصادي وأمني أوسع
يمر المشهد الليبي بمنعطف بالغ الخطورة، تتقاطع فيه الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية لتشكل لوحة قاتمة تهدد ما تبقى من استقرار في البلاد.
ففي وقت تتسارع فيه الأحداث بشكل ينذر بالخطر، تبرز تحذيرات النخب الوطنية من أن البلاد تقف على حافة الهاوية، حيث لم يعد العنف مجرد اشتباكات عابرة، بل تحول إلى “إرهاب” ممنهج يستهدف الشريان الرئيسي للحياة الليبية: منشآتها الحيوية.
ليلة ثقيلة على وطن أنهكته الأزمات
في منشور له عبر منصات التواصل الاجتماعي، رسم الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى صورة قاتمة للواقع الليبي، واصفاً الليلة الماضية بأنها “ليلة أخرى ثقيلة تمرّ على وطن أنهكته الأزمات، ليلة تختلط فيها مشاعر القلق والحزن والخوف، مع استقالات كبيرة، وانفجارات في منشآت حيوية، وأحداث واغتيالات تهزّ وجدان كل ليبي”.
هذا التعبير عن القلق العميق ليس مجرد تعليق عابر، بل هو تشخيص لحالة الانهيار المتسارع الذي يضرب مفاصل الدولة، حيث تتماهى الأزمات السياسية مع العمليات التخريبية التي تستهدف البنية التحتية للطاقة، مما يضاعف من معاناة المواطن ويقوض أي أمل في تعافٍ اقتصادي قريب.
وفي تحذير بدا أقرب إلى صرخة استغاثة، أضاف عيسى: “نسأل الله أن تكون ليلة امبارح آخر ليالي الوجع، وأن تكون بدايةً لنهاية هذا المسار المؤلم”. وتعكس هذه الكلمات حالة من الإحباط العميق إزاء استمرار دوامة العنف والاضطراب، في وقت تبدو فيه الأطراف السياسية عاجزة عن إيجاد مخرج حقيقي، مما يدفع البلاد خطوة تلو الأخرى نحو المجهول.
الإرهاب لا يقتصر على استهداف الأرواح… وجرس إنذار من الزاوية
الجزء الأكثر حدة في تحليل الدبلوماسي الأسبق، كان إعادة تعريفه لمفهوم الإرهاب ليشمل العمليات الممنهجة التي تطال مقدرات الدولة الاقتصادية. فقد شدد عيسى على أن “الإرهاب لا يقتصر على استهداف الأرواح، بل يشمل أيضاً كل من يتعمد تدمير أو حرق أو استهداف المنشآت الحيوية للدولة؛ فهي ليست مجرد مبانٍ أو مرافق، وإنما مقدرات وطنية ترتبط مباشرة بحياة المواطنين، واقتصاد البلاد، وأمنها واستقرارها”.
ويأتي هذا التصريح في سياق الأحداث المتلاحقة التي تشهدها مدينة الزاوية، التي تحولت إلى ساحة مفتوحة للعبث بالأمن القومي الليبي. إن استهداف المنشآت النفطية، وفقاً لعيسى، هو “في جوهره اعتداء على الدولة ومقدراتها ومستقبل أجيالها، وقد تمتد آثاره إلى المواطن والاقتصاد لتتجاوز بكثير حدود المنشأة المستهدفة”.
هذا التشخيص يضع الأحداث الأخيرة في إطارها الحقيقي باعتبارها حرباً اقتصادية شاملة تشنها عناصر خارجة عن القانون، تتخذ من الفوضى السياسية وتغول الميليشيات غطاءً لتقويض ما تبقى من هيبة الدولة.
إن ما يحدث في الزاوية لم يعد مجرد حوادث منعزلة، بل هو عنوان لمرحلة جديدة من التهديد الذي يتجاوز حدود المدينة.
ويصف عيسى الوضع هناك بأنه “جرس إنذار”، محذراً من أن “ما تشهده مدينة الزاوية من حرق وتدمير للمنشآت الحيوية، بالأمس المصفاة، واليوم المحطة الكهربائية، وما يرافق ذلك من تهديد للأرواح والممتلكات، ليس أمرًا عابرًا، بل جرس إنذار يستوجب التوقف والتعامل معه بكل مسؤولية وحكمة”.
ويزيد من خطورة الموقف أن استمرار هذا العبث، كما يؤكد، “يهدد أمن المدينة والمنطقة الغربية بالكامل وبالأخص العاصمة، ويُنذر بتداعيات خطيرة إن لم تتضافر الجهود لوقف هذا المسار”.
في مواجهة النفق المظلم… هل من صوت للعقل؟
في مقابل هذا المشهد البائس، لم يخلُ حديث الدبلوماسي الأسبق من دعوة إلى التماسك، بدت وكأنها محاولة لاستنهاض ما تبقى من ضمير وطني في وجه قوى التخريب والفوضى.
فقد وجه عيسى نداءً واضحاً، مؤكداً أن “اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى صوت العقل والحكمة، وإلى أن يتكاتف أبناء الوطن، وأن يتجاوزوا خلافاتهم”. وفي رسالة ذات دلالة عميقة في مواجهة منطق القوة والسلاح الذي تمارسه التشكيلات المسلحة، أردف قائلاً: “القوة الحقيقية لليبيا ليست في سلاحها ولا في نفوذ أحد، بل في وحدة شعبها وتكاتف أبنائها”.
واختتم مناشدته بدعاء يعبر عن وجع الليبيين جميعاً: “اللهم أخرج ليبيا من هذا النفق المظلم إلى نور الأمن والسلام والاستقرار، اللهم اجمع شمل الليبيين… وأن يأتي اليوم الذي يلتقي فيه الليبيون على كلمة واحدة، ليبيا أولاً”.
هذا النداء، الذي يأتي من شخصية دبلوماسية مخضرمة، ليس مجرد أمنيات عابرة، بل هو تأكيد على أن الحل يكمن في استعادة المشروع الوطني الجامع الذي يمكن أن ينتشل البلاد من براثن الفوضى التي تغذيها الميليشيات ويقوضها استهداف مقدرات الشعب.
إنه نداء لإدراك أن نقطة اللاعودة تقترب، وأن إنقاذ ليبيا لن يكون إلا بفرض إرادة الدولة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها كل من تسول له نفسه العبث بأمن الليبيين وقوت يومهم.



