مافيا الطيران الانتحاري.. حين تتحول طرابلس إلى منصة لإدارة الخراب والاغتيالات السياسية
غرفة عمليات أوكرانية تدير طائرات انتحارية من قلب طرابلس.. والزاوية تشتعل وخسائر كارثية في الطاقة والوقود
ليبيا 24
من انهيار أمن العاصمة إلى اغتيال المنصوري.. حكومة منتهية الولاية توظف الدم سياسياً وتخذل الدولة
طرابلس.. ثكنة مفتوحة لإدارة الدمار من أوكرانيا إلى الزاوية
في مشهد يختزل انهيار السيادة الليبية، كشف المحلل السياسي محمد قشوط عن وجود غرفة عمليات سرية تدير طائرات مسيرة وانتحارية انطلاقاً من طرابلس، يديرها مرتزقة أوكرانيون بعلم وموافقة صريحة من حكومة عبد الحميد الدبيبية منتهية الولاية. هذه الغرفة، وفق قشوط، تحولت إلى منصة إقليمية لإدارة الفوضى لا تقتصر تداعياتها على الداخل الليبي فحسب، بل تمتد إلى ضرب مصالح دولية، إذ أكد قشوط أنه “من هذه الغرفة ووسط أراضينا تم استهداف ناقلتين نفط من روسيا”.
التحقيقات الميدانية التي استند إليها قشوط تشير إلى أن هذه الغرفة هي نفسها التي بات “الطيران الانتحاري يتحرك منها في سماء مدينة الزاوية”، في إشارة إلى سلسلة الضربات الممنهجة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية في المنطقة الغربية.
فبعد استهداف محطة كهرباء الزاوية في شهر مايو الماضي، والذي تسبب في خسارة 700 ميغاواط ودخول البلاد في موجة طرح أحمال وإظلام شامل، عادت الطائرة الانتحارية ذاتها لتضرب المحطة مجدداً، لتخرجها بالكامل عن الخدمة. وقبل ذلك بيوم واحد، دمرت طائرة أخرى خزان وقود الديزل بمصفاة الزاوية.
العمليات الثلاث تحمل توقيعاً واحداً: غرفة عمليات تديرها أياد أجنبية فوق أرض ليبية محتلة سياسياً من عصابة حاكمة.
الشركة الأمريكية تهرب.. والوطن يحترق
النتيجة المباشرة لهذا العبث المدمر لم تتأخر. فبعد الضربة الجديدة لمحطة كهرباء الزاوية، أعلنت الشركة الأمريكية المتعاقدة على صيانة المحطة انسحابها الكامل، وغادرت بكامل طواقمها الفنية خوفاً على حياتها. قشوط علق على هذه الحادثة بتأكيد أن “الشركة الأمريكية هربت بكامل طاقمها اليوم بعد استهداف المحطة التي كانوا يعملون على صيانتها”.
هذا الانسحاب لا يمثل مجرد خسارة فنية، بل هو انهيار لآخر أوراق الحكومة في إقناع المجتمع الدولي بقدرتها على تأمين المشاريع الحيوية. ففي الوقت الذي تروج فيه حكومة الدبيبة لشعار “عودة الحياة”، تؤكد الوقائع أن الحياة عادت فعلاً، لكن للمليشيات ولعائلات الاعتمادات والمرتزقة الأوكران.
الشعب الليبي، كما قال قشوط، “جلبت له هذه العائلة مشروع الموت تحت عنوان عودة الطيران الانتحاري”.
الداخلية التي لا تحمي.. من التعذيب في مصنع التبغ إلى كاميرات التطبيل
في الشق الأمني الداخلي، رسم قشوط صورة قاتمة لإدارة وزارة الداخلية في حكومة الأمر الواقع. الوزير الذي وصفه بأنه “مليشياوي فشل في إدارته لوزارة الداخلية وعجز أن يفرض الأمن في أغلب المدن التي في نطاق سيطرته”، لا يملك في جعبته، بحسب قشوط، سوى الظهور الإعلامي كلاعب بارع أمام الكاميرات.
“حكاواتي بارع أمام الكاميرا والقنوات وكله استعراضاته على الغلابة لا أكثر”، يقول قشوط، مضيفاً أن مفرداته الشعبوية مثل “بنقبه” و”حكه عالزليز” لا ترتقي إلى مكانة ومنصب وزير في دولة تبحث عن الحد الأدنى من الكرامة.
الأرقام والإحصائيات الرسمية لم تعد ضرورية لكشف حجم الانهيار الأمني، فالشواهد كافية. قشوط أشار إلى أن المليشيات تحت إدارة هذا الوزير “ترتع وتفحج على عباد الله والمواطنين اللي في حالهم سواء في حي الأندلس وغوط الشعال والدريبي في طرابلس”.
والأكثر دموية، أن قبل أسبوعين فقط، قُتل شاب تحت التعذيب داخل معتقل مصنع التبغ، بشهادة النائب العام شخصياً. هذه الجريمة الموثقة رسمياً لم تحرك ساكناً في هرم السلطة، في مشهد يؤكد أن حكومة الدبيبة تتعامل مع المواطن الليبي كرهينة لا كصاحب حق.
ثم يأتي المشهد الهزلي عندما يبادر الوزير بتقديم تعزية عقب اغتيال اللواء فوزي المنصوري في بنغازي، لتبدأ معها حملة تطبيل منظمة. قشوط يصف هذا السلوك بمرارة: “نزل تعزية بعد يوم من اغتيال اللواء فوزي المنصوري وبدي بعدها تطبيل.. منور يا عماد والله الا فارس وهكي التريس وصحة ليك يا عماد الطرابلسي وكأنه سجل حافل من تقلبات المواقف وجرائم يمسح بكلمات تعزية لا تسمن ولا تغني من جوع”.
اغتيال المنصوري.. بين الإرهاب ورسائل السياسة الأمريكية
في الجزء الأكثر تعقيداً من تحليله، فكك قشوط أبعاد عملية اغتيال اللواء فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية، بعبوة ناسفة زرعت في سيارته بعد خروجه من صلاة العشاء في مدينة بنغازي.
قشوط وصف الاغتيال بأنه “خسارة كبيرة للوطن وللقوات المسلحة العربية الليبية”، لكنه تجاوز منطق العزاء التقليدي إلى تحليل البعد الاستراتيجي للجريمة.
فمن خطط ونفذ العملية، وفق المحلل، “لم يكن يخطط لاغتيال الرجل فقط، بل هدفه الرئيسي اغتيال المنصب”.
فاللواء المنصوري كان يشغل موقعاً بالغ الحساسية، وأي خرق أمني داخل بنغازي، حاضنة المشروع الوطني التي حطمت أكبر مخطط إرهابي استهدف الدولة، يهدف إلى إيصال رسالة للخارج قبل الداخل: الوضع غير آمن وغير مستقر. قشوط يؤكد أن هذه الرسالة موجهة تحديداً “لشركات والمستثمرين وللمبادرة الأمريكية التي تدفع بها إدارة ترامب، والتي ترى في القيادة العامة للقوات المسلحة أكثر طرف موثوق والأقوى في المشهد الليبي”.
هنا ينفتح الباب على صراع النفوذ الخفي. ففي وقت لا تزال التنظيمات الإرهابية وتفريخاتها تتحرك وتنتشر في المنطقة الغربية بدعم حكومي، يجزم قشوط بأن هناك “غاية سياسية وطرف سياسي سواء كان محلياً أو دولياً وراء ما حدث”.
التحليل يوجه الأنظار نحو المتضررين من المبادرة الأمريكية، أولئك “الذين يخشون أن يخرجوا من المشهد ويرتعدون من دور القيادة العامة للقوات المسلحة فيها”. اغتيال المنصوري، بهذا المنطق، لم يكن مجرد تصفية جسد، بل محاولة لتصفية دور المؤسسة العسكرية في معادلة الحل السياسي القادم.
بيان رخيص.. حين يتحول الدم إلى مادة للاستغلال السياسي
في مقابل عظمة المصاب، يأتي الموقف الرسمي لحكومة الدبيبة ليكشف عن وجهها الأكثر قبحاً. قشوط وصف البيان الحكومي بأنه “رخيص وتافه ولا يعكس سوى دناءة حكومة مليشياوية غير شرعية تحكم في طرابلس بسياسة أمر الواقع”.
البيان لم يراع الجانب الإنساني ولم يقدم واجب العزاء لأسرة الشهيد، بل قفز مباشرة إلى توظيف الحدث سياسياً ومطالبة النائب العام بفتح تحقيق.
المفارقة التي يسلط عليها قشوط الضوء تكمن في أن الدبيبة الذي يطالب بتحقيق في اغتيال المنصوري “يتجاهل ما يحدث في الزاوية التي لا تبعد عن منزله سوى 40 كيلومتراً، حيث الطيران الانتحاري يدمر مقدرات وممتلكات الشعب وبنيته التحتية من خزانات المصفاة إلى محطات الكهرباء”.
هذا التناقض الصارخ دفع المحلل إلى وصفها بأنها “أقبح وأخس حكومة في تاريخ ليبيا منذ الاستقلال”.
إما أن ترحل أو نرحل.. معركة وجود مع عائلة الحكم
اختتم قشوط تحليله بتوصيف المشهد الكلي بأنه “معركة وجود مع هذه العائلة ومن يضع يده في يدها ويتعاون معها”. الشعار الذي رفعته حكومة الدبيبة “عودة الحياة” تحول إلى نقيضه تماماً، فالحياة الوحيدة التي عادت هي حياة المليشيات وعائلات الاعتمادات والمرتزقة، بينما يحترق مستقبل الليبيين في خزانات المصفاة ومحطات الكهرباء. وفي معادلة لا تقبل المساومة، يضع قشوط خياراً واحداً: “إما أن ترحل أو نرحل”.



