طرابلس بين “زلمات” المرتزقة وصمت المواطن.. البركي تسخر من تناقضات دولة تدفع لمرتزق وتقطع الكهرباء عن الأصيل
سخرية لاذعة من أزمة المرتزقة السوريين.. البركي تسأل الدبيبة: هل البلاء في الجنسية الليبية أم في عقلية من يستورد الأجير ويترك المواطن؟

ليبيا 24
ليبيا 24
البركي ساخرة: المرتزق السوري يتظاهر من أجل ألفي دولار والليبي يصبر على انقطاع الكهرباء وسط صمت رسمي
في منشور هزّ الشارع الليبي بسخرية لاذعة وصراحة نادرة، وضعت الباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي إصبعها على جرح مكشوف في جسد العاصمة، حيث يتحرك المرتزق الأجنبي بكل ثقل سلاحه واحتجاجه ليطالب بمستحقاته المتأخرة، بينما يقبع المواطن الليبي في ظلام منقطع الكهرباء وشح سيولة الدولار، وكأنه يعيش في مملكة مقلوبة تُقدّم فيها الأولوية لأجير يحمل بندقيته على مواطن يحمل بطاقته الشخصية وانتظاره للدولة الغائبة.
وكعادتها، لم تكتفِ البركي بعرض التناقض، بل مضغته بسخرية مريرة، ووضعت الجميع أمام مرآة قاسية تعكس انحسار هيبة الدولة وارتفاع قيمة “الأجنبي المسلح” مقابل انهيار قيمة “الليبي الصامت”، معتبرة أن ما يحدث في شوارع العاصمة من احتجاجات مسلحة للمرتزقة السوريين ليس مجرد أزمة مستحقات مالية، بل قمة التخبط السياسي والأمني الذي وصلت إليه حكومة الدبيبة منتهية الولاية.
ألفا دولار للزلمة ولا دينار للكهرباء.. قراءة في مفارقة الأجير والمواطن
أثارت البركي في منشورها السؤال الأكثر إيلاماً في الشارع الليبي: هل المشكلة في جنسيتنا نحن الليبيين، أم في السياسات المتهافتة التي تستورد الأمن من الخارج وتترك أبناء الوطن يتخبطون في أزمات معاشية خانقة؟ وتساءلت بقسوة تهكمية عن السر وراء استحقاق الأجنبي الذي لا يحمل بطاقة ليبية راتباً شهرياً يصل إلى ألفي دولار، بينما الليبي الذي يعيش على أرضه لا يجد قوت يومه في ظل انهيار العملة المحلية وارتفاع الدولار بفعل السياسات النقدية الفاشلة.
ولم تخفِ البركي استغرابها من قدرة المرتزق الأجنبي على قطع الشوارع وإطلاق النار في الهواء والمطالبة بحقوقه المسلوبة، بينما المواطن الليبي يرضى بصمت قاتل في وجه انقطاع التيار الكهربائي لساعات متواصلة ونقص حاد في السيولة النقدية المصرفية.
وهنا تبرز السخرية اللاذعة في كلماتها، حيث تعتبر أن الأولوية في نظر حكومة الدبيبة والميليشيات المساندة لها، ليست لابن البلد، بل لمن يحمل السلاح نيابة عنها، وكأن شرعية هذه الحكومة باتت مرهونة برضا الفئات المسلحة الأجنبية وليس برضا الشعب الليبي الذي تئن جيوبه من الفقر المدقع.
“ضريبة الزلمات”.. تهكم على أسلوب إدارة المال العام
في سخرية لم تخلُ من مرارة الألم، اقترحت البركي مبادرة تهكمية ساخرة، دعت فيها كل مواطن ليبي إلى التبرع بعشرة دنانير يشتري بها دولاراً واحداً من السوق السوداء ليهديها إلى رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، كي يتمكن من تسديد رواتب المرتزقة المتأخرة.
ووصفت هذه الطريقة بأنها الحل الوحيد لإنقاذ ماء الوجه وتفادي الفضيحة الدولية، مقترحة ما أسمته “ضريبة الزلمات” التي تُدفع شهرياً، وكأن المواطن الليبي صار مكلفاً بتمويل أمن من يهدد أمنه ويستنزف مقدراته.هذه السخرية القاسية تحمل في طياتها نقداً لاذعاً لسياسات المال العام في ليبيا، حيث تتسرب المليارات دون حساب لتمويل وجود عسكري أجنبي على الأراضي الليبية، بينما تعجز الحكومة عن توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها.
وفي هذا السياق، يبدو الاقتراح التهكمي ضربة موجعة لمنظومة الفساد التي تديرها الميليشيات، إذ تتحول المطالبة بحقوق المرتزقة إلى مأساة إضافية فوق رأس المواطن الذي يدفع الثمن مرتين: مرة غلاء معيشة، ومرة تهديداً أمنياً من جماعات مسلحة يفترض أنها تحميه لا أن تهدده بسلاحها المطالب بمستحقاتها.
سين سؤال وجودي: الجنسية السورية أم الليبية؟
طرح سؤال البركي الأكثر تأثيراً وإثارة للجدل، عندما تساءلت باستغراب ساخر إن كانت ستتحول إلى مواطنة سورية لتستحق راتباً شهرياً بالألفي دولار في طرابلس، معتبرة أن التقدير المالي في هذه البلاد لا يحدده الجهد ولا الانتماء، بل مدى الاستعداد لأن تكون أجيراً مسلحاً لصالح الميليشيات والسلطة القائمة.
وتجسد هذه المفارقة المرة واقعاً مؤسفاً حيث أصبحت الجنسية الأجنبية للمقاتلين سلعة مضمونة الراتب، بينما تتردى قيمة الجنسية الليبية التي تورث المواطن أزمة سيولة وانقطاع كهرباء وفقراً مدقعاً.
هنا ترفع البركي راية النقد الاجتماعي الأعمق، متسائلة بحدة عن المعايير المزدوجة في التعامل مع الإنسان في ليبيا، فمن يحمل الجنسية السورية ويقف بجانب الميليشيات يُعالج كقوة لا يُستهان بها وتستحق الدعم المالي غير المحدود، بينما الليبي الذي لا يملك سلاحاً ولا ارتباطاً بالنافذين يُترك لتأكله أزمات الحياة ويُطلب منه الصبر والاحتساب وكأنه لا يستحق إلا البقايا بعد أن يشبع الأجير.
بلادنا ولا بلادهم؟.. صمت المواطن مقابل ثورة الأجير
البركي لم تكتفِ بطرح السؤال، بل ذهبت إلى جوهر الأزمة حين تساءلت: “بلادنا ولا بلادهم؟”، مستنكرة أن يتظاهر الأجنبي في شوارع طرابلس ويعطل مرافقها ويطلق النار في سمائها للمطالبة بحقوقه، بينما الليبي الأصيل يرضى بواقع متردٍ من انقطاع التيار ونقص السيولة دون أن يخرج إلى الشارع مطالباً بحقه في الحياة الكريمة.
وفي هذا السياق، يبرز النقد الموجّه إلى المكون الاجتماعي نفسه، إذ تبدو السخرية هنا موجهة لتقبل الليبي لهذا الواقع المهين، وكأن المواطن صار جزءاً من “مملكة المنتظرين” التي سخر منها سابقاً محللون آخرون، ينتظر تحركاً حقيقياً من مؤسسات الدولة التي لا تظهر إلا في بيانات التنصل من المسؤولية.
وتحمل كلمات البركي بُعداً أمنياً خطيراً، فهي تُشير بوضوح إلى أن استمرار وجود هذه المجموعات الأجنبية وتحولها إلى كتلة ضغط مالية وأمنية لا يخدم الاستقرار، بل يُرسخ فكرة أن السلاح الخارجي هو الأقدر على فرض الشروط، مما يُضعف موقف الدولة ويجعل سيادتها ورقة رابحة في يد كل ميليشيا تستقدم الأجير بأموال الشعب وتديره بأوامر خارجية.
وفي ختام منشورها، عادت لتؤكد رفضها القاطع لأي محاولات توطين لهذه الفئات في ليبيا، ولكنها تركت سؤالها المعلق في الهواء: هل سيظل الليبيون صامتين حتى تتحول العاصمة إلى ثكنة لأصحاب البنادق، أم أن وعيهم سينتفض على هذه الازدواجية التي تجعل الأجنبي مُكرَماً والمحلي مهاناً؟



