ليبيا

لقاء روما يعود ليطارد “الدبيبة”.. والمنقوش تفضح التنسيق مع الكيان في ظهورها الإعلامي الأول بعد ثلاث سنوات من الإقالة

“المنقوش” تعود من بوابة البودكاست.. ومقارنة نفسها بـ”ميركل” و”تاتشر” تثير عاصفة من الغضب الشعبي في ليبيا

عودة مثيرة للجدل.. نجلاء المنقوش تطلق بودكاست وتقارن نفسها بميركل وتاتشر وسط موجة غضب ليبي عارم

في مشهد سياسي وإعلامي يعكس عمق الأزمة التي تعيشها المؤسسات الليبية، عادت وزيرة الخارجية بحكومة الدبيبة منتهية الولاية نجلاء المنقوش إلى الواجهة من بوابة البودكاست، في أول ظهور إعلامي لها منذ إقالتها قبل ثلاث سنوات على خلفية لقائها المثير للجدل مع وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق إيلي كوهين في العاصمة الإيطالية روما.

ولم تمر تصريحاتها التي قارنت فيها نفسها بقامتين سياسيتين عالميتين، هما المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل ورئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر، دون أن تثير زوبعة من الانتقادات اللاذعة التي طالتها وطالت حكومة عبد الحميد الدبيبة التي ما تزال تصر على البقاء في منصبها رغم انتهاء ولايتها.

تعود وزيرة الخارجية الليبية السابقة نجلاء المنقوش إلى المشهد العام عبر بودكاست جديد تنطلق حلقته الأولى في السادس والعشرين من أغسطس الجاري.

ويأتي هذا المشروع الإعلامي بعد نحو ثلاث سنوات من مغادرتها منصبها في حكومة الدبيبة، إثر الأزمة السياسية والدبلوماسية التي اندلعت عقب لقائها بوزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق إيلي كوهين في روما.

ووفقاً للمعلومات المتاحة، يركز البودكاست على مبادئ الدبلوماسية التصالحية وفنون التفاوض وإدارة المخاطر والتعامل مع النزاعات المعقدة في بيئات الأعمال عالية المخاطر. غير أن توقيت هذه العودة، ومحتوى تصريحاتها الأولى، فتحا ملفاً سياسياً وشعبياً كان الليبيون يظنون أنه طُوي إلى غير رجعة.

في أول ظهور لها عبر البودكاست، وصفت المنقوش نفسها بأنها “أول امرأة تتولى منصب وزيرة الخارجية في تاريخ ليبيا”، مؤكدة أن “شكلها كان مختلفاً، وطريقة حضورها مختلفة، وحتى طريقة تفكيرها كانت مختلفة عمن حولها”.

وأضافت أنها “كانت تقول كل ما تفكر فيه بصراحة عالية، حتى في القضايا الصعبة”، معتبرة أنها “تحملت مسؤولية كبيرة، مثل المسؤولية التي حملتها أنجيلا ميركل عندما تولت قيادة ألمانيا”.

وذهبت المنقوش إلى حد الاستشهاد بمقولة شهيرة لرئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر: “إذا أردت شيئاً يُقال، فاطلبه من رجل… وإذا أردت شيئاً يُنجز، فاطلبه من امرأة”.

كما تحدثت عن إنجازها في “إقامة أول قمة دولية في طرابلس”، مشيرة إلى أن المجلس الرئاسي قام بتوبيخها لأنها لم تستشرهم في تنظيم هذا الحدث.

أثارت هذه التصريحات موجة غضب عارمة في الشارع الليبي ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر النشطاء والمواطنون أن مقارنة المنقوش نفسها بميركل وتاتشر تمثل “سخرية من العقل الليبي” و”إهانة لشعب يعاني من انقطاع الكهرباء والمياه والوقود”.

وفي هذا السياق، كتبت الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة الدكتورة ريم البركي عبر صفحتها على فيسبوك، ساخرة: “تقول نجلاء إنها عانت مثل تاتشر وميركل؛ وأنا، صراحة، منبهرة بأنها تعرف أصلاً من هما تاتشر وميركل… وهذا في حد ذاته إنجاز حقيقي يُحسب لها، فليس من السهل أن يقود الحظ إنسانة متواضعة الثقافة إلى أن تسمع بشخصيتين غيّرتا تاريخ أوروبا”.

من جانبها، وجهت الإعلامية عفاف الفرجاني انتقاداً لاذعاً للمنقوش، قائلة: “بدل أن تخرجي في ذاك البودكاست البائس لتعتذري من الشعب الليبي، خرجتِ لتتبجحي وتستشهدي بعظيمات الأمم… ميركل وحدت ألمانيا، وتاتشر حمت وطنها بريطانيا، وأنتِ ماذا فعلتِ؟ بعتِ ثقة بلادك وعقدتي الاجتماعات السرية مع أعداء الوطن والعروبة والدين والإنسانية”.

وأضافت الفرجاني: “العظيمات لا يخنّ أوطانهن ثم يطلبن منا أن نصفق لاختلاف شكلهن وطريقة تفكيرهن. خنتِ الوطن، خنتِ ثقة المواطن الذي ائتمنكِ على سيادته، خنتِ العروبة والقضية”.

لم تقتصر الانتقادات على الجانب الأخلاقي والوطني، بل طالت الخلفية المهنية والسياسية للمنقوش، حيث أشار محللون ونشطاء إلى أن مسيرتها المهنية لا تؤهلها للمقارنة بقامات سياسية بحجم ميركل وتاتشر.

وفي هذا الإطار، قال المحلل السياسي واستشاري الجراحة عامر التواتي في منشور على فيسبوك: “ضنك العيش من نقص الكهرباء والمياه والوقود أنسانا نجلاء… لكن نجلاء تصر على الظهور لتذكرنا بأنها كانت موظفة صغيرة في مكتب تحت الدرج في السفارة القطرية بواشنطن، ثم وجدت نفسها وزيرة خارجية ليبيا الجديدة، هكذا مرة واحدة ودفعة واحدة”.

وأضاف التواتي: “لم تكن نجلاء تعرف ماذا تفعل بكل ما هي فيه، لم يكن يشغلها سوى أحذيتها وحقائبها، لم يكن يشغلها سوى أزياء الموسم القادم”.

وفي تعليق لافت، كتب المتحدث السابق باسم مجلس الدولة والمحلل السياسي السنوسي إسماعيل: “السيدة أنجيلا ميركل عندها سنوياً سبع بدلات رسمية فقط تكرر الظهور بها. انت يا مسز نجلاء كل ظهور ظهرتيه كان ببدلة جديدة لم يسبق ارتداؤها ولن ترتديها مستقبلاً، وهذا عجب عجاب”.

في تطور دراماتيكي، كشف وكيل وزارة الخارجية الأسبق حسن الصغير، في تصريحات مفاجئة، أن “فكرة مؤتمر استقرار ليبيا كانت من أفكاري، والمنقوش حوّلته لاحقاً إلى ملتقى لمحاربة الانتخابات”.

وأضاف الصغير، الذي كان يكتب خطابات المنقوش وبياناتها وتصريحاتها من الألف إلى الياء، بما فيها كلماتها أمام البرلمان الإيطالي وفي لقاءاتها الخارجية: “أشعر بالندم على منحها ما لا تستحق وصناعة قبول لها بين الليبيين”.

وأكد الصغير أنه “امتنع سنوات عن نشر هذه الحقيقة، لكنني اليوم أجد نفسي مديناً لليبيين بتبيانها”.

لا تزال تداعيات لقاء روما حاضرة في النقاش السياسي والإعلامي الليبي. ففي أغسطس 2023، أعلنت إسرائيل أن وزير خارجية الكيان الصهيوني المحتل آنذاك إيلي كوهين التقى نجلاء المنقوش في العاصمة الإيطالية.

وقال كوهين في حينه إن اللقاء تناول إمكانات تطوير العلاقات بين ليبيا وإسرائيل، في حين أكدت خارجية الدبيبة أن الاجتماع كان “لقاءً عارضاً وغير رسمي وغير معد مسبقاً”، ولم يتضمن مباحثات أو اتفاقات أو مشاورات بشأن التطبيع.

غير أن الجدل استمر بعد إبعاد المنقوش، خصوصاً مع ظهور روايات متباينة بشأن مدى علم الدبيبة باللقاء. فنقلت وسائل إعلام دولية عن مسؤولين ليبيين لم تكشف أسماؤهم أن الدبيبة كان على علم بالمباحثات، بل إنه أعطى الضوء الأخضر للاجتماع.

وفي ظهور إعلامي لاحق، قالت المنقوش إن لقاءها بكوهين جرى بتنسيق مع حكومة الدبيبة، ونفت أن يكون الاجتماع استهدف الدخول في مسار لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، مؤكدة أن قرار التطبيع شأن سيادي لا يمكن لوزير أو حكومة اتخاذه نيابة عن الشعب الليبي.

أثار الإعلان عن اللقاء موجة غضب واحتجاجات داخل ليبيا، في ظل عدم وجود علاقات دبلوماسية بين طرابلس والكيان الصهيوني، إلى جانب وجود قوانين ليبية تجرّم إقامة علاقات مع إسرائيل.

واقتحم العشرات من المتظاهرين مقر وزارة الخارجية للتعبير عن رفضهم للقاء المنقوش مع كوهين ومحاولات التطبيع مع الاحتلال الغاصب. وعلى خلفية الأزمة، أوقف الدبيبة المنقوش عن العمل وأحالها إلى التحقيق، قبل أن يعلن إبعادها عن منصب وزيرة الخارجية في 28 أغسطس 2023.

يجمع المراقبون على أن عودة المنقوش عبر بودكاست متخصص في الدبلوماسية والتفاوض، في وقت لا تزال فيه تداعيات أزمة لقاء روما حاضرة، تمثل محاولة يائسة لتلميع صورة سياسية شوهتها وقائع اللقاء المشبوه.

لكن الشارع الليبي، الذي يتجرع مرارة انقطاع الكهرباء والمياه والوقود، يرى في هذا الظهور الإعلامي استهانة بمعاناته اليومية، وتناسياً للجراح التي ما تزال مفتوحة.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح المنقوش في إقناع الليبيين بأنها كانت ضحية مؤامرة سياسية، أم أن البودكاست سيكون محطة جديدة في مسيرة خيبات أمل شعب أنهكته الحروب والانقسامات؟

المؤكد أن الليبيين، الذين سئموا من وجوه الحكم الفاشل ومنتهية الصلاحية، لن ينسوا لمن خان ثقتهم، ولن يغفروا لمن جعل من سيادة وطنهم ورقة تفاوض في لعبة السياسة الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى