الفقر في ليبيا يتجاوز 40%.. الاقتصاد تحت ضغط تراجع الدينار وتدهور الخدمات
الفضيل: الأسرة تحتاج 5 آلاف دينار للحد الأدنى.. وارتفاع الأسعار يلتهم زيادات الأجور

قال أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، عبد الحميد الفضيل، إن نسبة الفقر في ليبيا تجاوزت 40% حتى نهاية عام 2025، في مؤشر يعكس اتساع الضغوط المعيشية على الأسر الليبية، بالتزامن مع تراجع القوة الشرائية للدينار وارتفاع تكاليف السلع والخدمات وتدهور مستوى الخدمات الأساسية.
وحذّر الفضيل، من أن استمرار هذه الأوضاع يضع شرائح متزايدة من المجتمع على عتبة الفقر، معتبرًا أن العديد من مظاهر ضعف أداء الدولة باتت حاضرة، في ظل أزمات متكررة تمس الخدمات والدخل ومستوى المعيشة.
5 آلاف دينار لتغطية الاحتياجات الأساسية
وأوضح أستاذ الاقتصاد أن الأسرة الليبية المكونة من خمسة أفراد تحتاج إلى ما بين 4500 و5000 دينار شهريًا لتغطية احتياجاتها الأساسية، مشيرًا إلى أن ارتفاع الأسعار وتكاليف الخدمات باتا يضغطان بصورة مباشرة على دخول المواطنين.
وأشار إلى أن معدلات الفقر كانت تدور حول 22% خلال عامي 2022 و2023، عندما كانت حدة الأزمات أقل، إلا أن التطورات اللاحقة دفعت أعدادًا أكبر من المواطنين إلى الاقتراب من خط الفقر أو تجاوزه.
ويربط الفضيل هذا التدهور بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها انخفاض قيمة الدينار، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتزايد أسعار السلع والخدمات، إلى جانب استمرار أزمات الكهرباء والمياه والرعاية الصحية.
تراجع الدينار يبدد أثر زيادة الأجور
وأكد الفضيل أن المطالبات برفع الأجور، والزيادات التي أقرت بالفعل لبعض القطاعات، لا تعني بالضرورة تحسنًا حقيقيًا في مستوى معيشة المواطن، إذا تزامنت مع استمرار ارتفاع الأسعار.
وأوضح أن أي زيادة في الدخول يمكن أن تفقد جزءًا كبيرًا من تأثيرها مع ارتفاع المستوى العام للأسعار، سواء نتيجة انخفاض قيمة الدينار أو ارتفاع تكاليف الإنتاج والخدمات، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تراجع الدخل الحقيقي والقوة الشرائية للأسر.
وتكشف هذه المعادلة عن مشكلة أعمق من مجرد مستوى الرواتب، إذ إن تحسين دخول المواطنين يظل محدود الأثر ما لم يترافق مع سياسات قادرة على كبح التضخم وتحقيق استقرار نسبي في قيمة العملة وتحسين بيئة الإنتاج.
الخدمات الأساسية تتحول إلى عبء إضافي
ولفت أستاذ الاقتصاد إلى أن أزمة الخدمات في ليبيا لا تقتصر على الكهرباء، وإنما تمتد إلى قطاع المياه، حيث يضطر عدد كبير من المواطنين إلى شراء المياه لتلبية احتياجاتهم، فضلًا عن تراجع مستوى الخدمات الصحية.
وقال إن ضعف قدرة المستشفيات الحكومية على توفير العلاج في الحالات المرضية الصعبة يدفع المواطنين إلى اللجوء للقطاع الخاص، بما يضيف أعباء مالية كبيرة على الأسر.
وحذّر من أن إصابة أحد أفراد الأسرة بمرض خطير قد تدفعها إلى الاقتراض لتغطية تكاليف العلاج، وهو ما يمكن أن يحول أزمة صحية إلى أزمة اقتصادية تمتد آثارها إلى باقي أفراد الأسرة، وقد تدفعها في نهاية المطاف إلى ما دون خط الفقر.
المواطن يتحمل تكلفة قصور الخدمات
ويرى الفضيل أن جوهر المشكلة يتمثل في اضطرار المواطن إلى تمويل جانب كبير من احتياجاته الأساسية من دخله الخاص، رغم أن جزءًا من هذه الخدمات يفترض أن توفرها الدولة باعتبارها من وظائفها الأساسية.
ويعني ذلك أن الأسرة لا تواجه فقط ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والخدمات، وإنما تتحمل كذلك تكاليف بديلة للكهرباء والمياه والعلاج، وهو ما يقلص الجزء المتاح من دخلها للإنفاق على الاحتياجات الأخرى.
وأشار الفضيل إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء في ليبيا، وفق ما تحدثت عنه بيانات منظمة الأغذية والزراعة «فاو»، يضيف ضغطًا جديدًا على الأسر، في وقت تتزايد فيه الفجوة بين تكاليف المعيشة والقدرة الفعلية للمواطنين على تحملها.
أزمة اقتصادية تتداخل مع ضعف الإدارة
وانتقد الفضيل كذلك مستوى إدارة الدولة، معتبرًا أن شغل بعض المناصب يتم في حالات عدة دون امتلاك أصحابها الكفاءة والخبرة اللازمة، وربط ذلك بما وصفه بارتفاع مستويات الفساد التي تعكسها تقارير مؤشر مدركات الفساد.
وتشير مجمل المعطيات التي طرحها الفضيل إلى أن أزمة الفقر في ليبيا لا ترتبط بعامل اقتصادي منفرد، وإنما تتشكل من تفاعل عدة أزمات، تبدأ من تراجع القوة الشرائية للدينار وارتفاع الأسعار، وتمتد إلى ضعف الخدمات وارتفاع تكلفة الحصول عليها، وصولًا إلى مشكلات الإدارة والفساد.
وفي ظل هذه المعادلة، تصبح زيادة الأجور وحدها معالجة محدودة الأثر، ما لم تترافق مع تحسين الخدمات الأساسية وضبط الإنفاق العام ورفع كفاءة الإدارة وتعزيز القدرة الشرائية للمواطن.
ويضع ارتفاع معدلات الفقر، وفق تقدير الفضيل، ضغوطًا إضافية أمام السلطات الليبية، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، وإنما أيضًا على مستوى قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الخدمات التي تحول دون انتقال مزيد من الأسر من دائرة الاستقرار النسبي إلى دائرة الهشاشة والفقر.



