اضطرابات البحر الأسود ترفع كلفة القمح وتضغط على أسواق الخبز في الدول العربية
اعتماد مرتفع على الواردات وتراجع بدائل التوريد يضعان فاتورة الاستيراد والدعم أمام ضغوط متزايدة خلال 2026

يمثل القمح أحد المكونات الأساسية للأمن الغذائي في الدول العربية، التي تعد أكبر منطقة مستوردة للقمح عالمياً، ما يجعل اضطرابات موانئ البحر الأسود ذات تأثير مباشر على أسواق المنطقة، من خلال ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتغير مصادر التوريد، إلى جانب زيادة أسعار العقود المبرمة لتأمين الإمدادات.
وتتزايد حساسية الأسواق العربية خلال عام 2026 في ظل تعرض صادرات روسيا وأوكرانيا، وهما من أبرز موردي القمح للمنطقة، لاضطرابات متزامنة، بالتزامن مع تراجع قدرة بعض الأسواق الأوروبية على توفير بدائل بالكميات والتكلفة المعتادة، نتيجة تأثير الحرارة والجفاف على المحاصيل.
وتبرز مصر، باعتبارها أكبر مستورد للقمح عالمياً، حجم هذا الانكشاف بوضوح، إذ جاءت أكثر من 82% من وارداتها من القمح خلال النصف الأول من العام من روسيا وأوكرانيا، وفق بيانات شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس».
ارتفاع كلفة القمح وتغير مصادر التوريد
انعكست اضطرابات الإمدادات على الأسعار النهائية وتكاليف وصول القمح إلى الأسواق العربية. ففي مصر، بلغ سعر القمح شاملاً كلفة الوصول إلى شرق المتوسط مستوى قياسياً عند 301 دولار للطن في أواخر أغسطس، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الشحن نتيجة عزوف بعض ملاك السفن عن دخول موانئ المنطقة.
وفي الجزائر، اشترى الديوان المهني للحبوب في مناقصة مطلع أغسطس ما يقدر بين 540 ألفاً و720 ألف طن من قمح الطحين بسعر تراوح بين 289 و290 دولاراً للطن شاملاً الشحن، مقارنة بنحو 264 إلى 265 دولاراً في مناقصة يونيو. ورغم السماح بمناشئ متعددة، رجح متعاملون أن تأتي معظم الكميات من رومانيا وبلغاريا، مع تراجع جاذبية القمح الروسي بسبب المخاطر المرتبطة بالهجمات على الموانئ.
أما تونس، فاشترت في 21 يوليو نحو 100 ألف طن من القمح اللين، بأسعار تراوحت بين 270 و293.69 دولاراً للطن شاملاً الشحن، مقابل 268.16 دولاراً في مناقصة يونيو. وارتبطت الزيادة، وفق متعاملين، بتصاعد المخاطر في البحر الأسود، فيما شددت تونس شروط التوريد لتقليل مخاطر تعذر تنفيذ العقود المرتبطة بالإمدادات القادمة من المنطقة.
وتشير هذه التحركات إلى أن تأثير اضطرابات البحر الأسود لا يقتصر على السعر العالمي للقمح، بل يمتد إلى تكاليف النقل والتأمين وشروط التوريد ومخاطر تنفيذ العقود، وهي عوامل تنعكس في النهاية على تكلفة تأمين الاحتياجات المحلية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في الدول التي يرتبط فيها الخبز بسياسات الدعم. ففي مصر، يستفيد عشرات الملايين من الخبز المدعوم، فيما رفعت الحكومة في يونيو 2024 سعر الرغيف البلدي المدعوم من 5 قروش إلى 20 قرشاً، في أول زيادة منذ عام 1989، وسط ارتفاع أسعار القمح وتكاليف الاستيراد وتراجع قيمة العملة المحلية.
تفاوت مستويات الانكشاف بين الدول العربية
لا تتساوى الدول العربية في درجة تعرضها لاضطرابات أسواق القمح، إذ تختلف مستويات الإنتاج المحلي والاستهلاك والاعتماد على الاستيراد ومصادر الشراء وحجم المخزونات وقدرة الموازنات العامة على استيعاب ارتفاع التكاليف.
وتتوقع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة لعام 2026 إنتاج مصر نحو 10.2 ملايين طن من القمح، مقابل نحو 5 ملايين طن لكل من المغرب والعراق، و3.5 ملايين طن للجزائر، و1.4 مليون طن لتونس، ونحو 1.1 مليون طن للسعودية.
ورغم إنتاج مصر المحلي الكبير، فإن ضخامة الاستهلاك تجعلها أكبر مستورد للقمح عالمياً.
وقد أدى تعثر بعض الشحنات الروسية والأوكرانية خلال يوليو وأغسطس إلى ضغوط على القطاع الخاص، في حين ساهم شراء الحكومة نحو 5 ملايين طن من المحصول المحلي في توفير حاجز للمخزون الحكومي.
وفي الجزائر، يحد الإنتاج المحلي من مستوى الانكشاف، لكنه لا يلغي الحاجة إلى كميات كبيرة من الواردات، بينما أظهرت مناقصة أغسطس تحولاً نحو رومانيا وبلغاريا كمصادر بديلة للإمدادات الروسية الأكثر تعرضاً للمخاطر.
وتجمع تونس بين إنتاج محلي محدود وحاجة إلى الاستيراد، رغم تحسن توقعات محصولها هذا الموسم بفعل الأمطار. كما يوفر تحسن الإنتاج المتوقع في المغرب مساحة أكبر لامتصاص اضطرابات الواردات مقارنة بالدول الأكثر اعتماداً على الأسواق الخارجية.
وفي المشرق، يظل الأردن معرضاً لاضطرابات الإمدادات، مع اتجاه مشترياته إلى مصادر في شرق أوروبا. كما رصدت بيانات «كبلر» مشتريات سعودية غير معتادة من القمح الروماني، في ظل تعطل جزء من تدفقات البحر الأسود.
تزامن اضطرابات روسيا وأوكرانيا يحد من البدائل
تتزامن الضغوط على الأسواق العربية مع اضطرابات في اثنين من أبرز مصادر القمح العالمي. فقد أدت الضربات الروسية على أوديسا وموانئ أوكرانية أخرى إلى خفض توقعات صادرات كييف الزراعية، بينما تسببت الهجمات على موانئ وسفن روسية في تعطيل جزء من طاقة تصدير الحبوب عبر البحر الأسود.
وتواجه حركة الشحن كذلك ارتفاعاً في المخاطر والتكاليف، فيما لا تكفي البدائل البرية والنهرية لتعويض الطاقة التصديرية للموانئ بالكامل. كما يواجه المصدرون الأوكرانيون عبر نهر الدانوب قيوداً على الطاقة الاستيعابية، وفق بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال».
وفي الوقت نفسه، تتراجع بعض البدائل المتاحة في الأسواق العالمية. فقد خفضت رابطة «كوسيرال» تقديرات إنتاج القمح اللين في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا إلى 140.8 مليون طن، بينما تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية انخفاض إنتاج روسيا وأوكرانيا مجتمعَتين بنسبة 11% في موسم 2026-2027، وتراجع صادراتهما بنسبة 7%.
كما تشير التقديرات إلى انخفاض محصول القمح الكندي بنحو 13%، مع تراجع توقعات مخزونات القمح العالمية في نهاية الموسم إلى 272.8 مليون طن.
وتؤدي هذه التطورات إلى زيادة المنافسة على الكميات المتاحة من القمح، في وقت تصبح فيه الإمدادات البديلة، مثل القمح الفرنسي والروماني والبلغاري والأسترالي، أكثر تكلفة بسبب طول مسافات النقل وارتفاع تكاليف الشحن.
وفي هذا السياق، شهدت مصر تحركات لتأمين الإمدادات عبر عقود أطول أجلاً، من بينها اتفاق لمدة خمس سنوات لتوريد القمح بقيمة 500 مليون دولار بين شركة «الظاهرة» الإماراتية والمشتري الحكومي المصري، وفق مصادر محلية مصرية.
ولا تعني هذه الإجراءات انخفاض التكلفة، لكنها تسهم في الحد من مخاطر انقطاع الإمدادات، مع انتقال جانب من التحدي إلى كلفة التوريد وفاتورة الاستيراد والموازنة العامة.
غياب آلية مماثلة لممر الحبوب
وتختلف الظروف الحالية عن أزمة عام 2022، عندما ساهمت مبادرة حبوب البحر الأسود، بوساطة الأمم المتحدة وتركيا، في إعادة جزء من تدفقات الحبوب إلى الأسواق العالمية والمساعدة في تهدئة الأسعار.
ولا توجد حتى الآن آلية مماثلة أعادت استقرار حركة التصدير عبر البحر الأسود. وفي المقابل، تعمل تركيا على إعادة فتح مسار تفاوضي، إذ أعلنت عن خطة لضمان المرور الآمن للحبوب عبر المنطقة وتجري اتصالات مع روسيا وأوكرانيا، دون وضوح كامل بشأن تفاصيل الخطة أو موعد تنفيذها.
وتبقى إمدادات القمح المتاحة للدول العربية كافية في المدى القريب وفق المعطيات الواردة، إذ تشير تقديرات «ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس» إلى امتلاك مصر مخزونات تكفي احتياجاتها حتى نحو فبراير المقبل، مع إمكانية انتظار وصول محاصيل نصف الكرة الجنوبي من أستراليا والأرجنتين.
غير أن استمرار اضطرابات البحر الأسود، إلى جانب ضعف بعض المحاصيل وارتفاع تكاليف النقل وغياب ضمانات واضحة لحركة السفن، يبقي تكاليف تأمين القمح تحت الضغط، ويجعل إدارة فاتورة الاستيراد والدعم عاملاً رئيسياً في تعامل الحكومات العربية مع تطورات سوق الحبوب خلال الفترة المقبلة.



