ليبيا

“صفقة الموت”.. كيف حوّلت ميليشيات مصراتة ليبيا إلى ساحة انتقام أوكراني ضد روسيا؟

موسكو تلوّح بالرد العسكري.. وطرابلس تنفي "تفكيك خلية المسيّرات" وسط صمت مطبق على مصير مئات الآلاف من الليبيين

ليبيا 24

من مليتة إلى سرت.. “أسطول الظل” يشتعل في المتوسط ودم الليبيين وقود لصراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل

ليبيا.. “ساحة انتقام” جديدة تدفع ثمنها شعوبها

في تطور خطير يهدد بتحويل ليبيا إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى الكبرى، كشفت تقارير إعلامية دولية عن وجود وحدات أوكرانية متخصصة في تشغيل الطائرات المسيّرة البحرية داخل قاعدة مصراتة العسكرية غرب البلاد، تستخدمها كنقطة انطلاق لشن هجمات على سفن روسية في البحر المتوسط، في مؤشر على انزلاق البلاد نحو حرب بالوكالة لا طاقة لأهلها بها.

وأفادت شبكة “سي إن إن” الأميركية بأن مشغّلي الطائرات المسيّرة الأوكرانيين ينتشرون في شمال غرب ليبيا منذ أواخر عام 2025، وأن قاعدة مصراتة تحوّلت إلى “نقطة انطلاق” لاستهداف الناقلات المرتبطة بـ”أسطول الظل” الروسي، مقابل تقديم تدريبات للقوات المحلية على استخدام هذه التقنيات.

وفي تفاصيل أكثر خطورة، رصد صيادون يونانيون زورقاً مسيّراً أوكرانياً محمّلاً بالمتفجرات بعد أن فقد مشغّلوه السيطرة عليه قرب جزيرة ليفكادا اليونانية، وهو ما دفع أثينا لتقديم مذكرة احتجاج دبلوماسية رسمية.

حكومة الدبيبة.. نفي “شكلي” وغطاء لما يحدث على الأرض

في مواجهة هذه الاتهامات المتصاعدة، أصدرت وزارة الدفاع بحكومة الدبيبة المنتهية الولاية بياناً نفت فيه “نفياً قاطعاً” وجود أي اتفاق أو ترتيب أو تنسيق يسمح باستخدام قاعدة مصراتة أو أي منشأة عسكرية لتنفيذ عمليات خارج إطار المهام السيادية للدولة. وأكدت الوزارة أن جميع أشكال التعاون العسكري مع الدول الصديقة تخضع للأطر القانونية الرسمية.

لكن هذا النفي يبدو للكثير من المراقبين والمتابعين للشأن الليبي بمثابة “نفي شكلي” لا يخفي حقيقة ما يجري.
فمن جهة، تتجاهل الحكومة التعليق على الأنباء المتعلقة بالهجمات الأوكرانية من الأراضي الليبية، ومن جهة أخرى، تحاول في الوقت نفسه تقديم نفسها كطرف يحارب “الإرهاب” عبر إعلانها “تفكيك خلية تخريبية” استهدفت منشآت نفطية في طرابلس والزاوية.

وتتساءل أوساط ليبية بحق: كيف يمكن لحكومة عاجزة عن حماية منشآتها النفطية والكهربائية من هجمات “مسيّرات مجهولة” أن تكون قادرة على ضبط قاعدة عسكرية كاملة يستخدمها أجانب لشن حرب ضد دولة عظمى؟.

إن هذا التناقض الصارخ يضع علامات استفهام كبيرة حول دور هذه الحكومة، التي يبدو أنها تفتح أبواب البلاد لأطراف دولية متنازعة، بينما يقف المواطن الليبي المكلوم عاجزاً يدفع فاتورة صراعات لا علاقة له بها.

مصراتة.. من “مدينة التجار” إلى “معقل التوترات”

لم تكن مصراتة مجرد مدينة عابرة في هذه المعادلة، فقد كشفت التقارير عن تحوّل القاعدة الجوية في المدينة إلى مركز عمليات متقدم للاستخبارات الدفاعية الأوكرانية.

وتشير بعض المصادر إلى وجود ما لا يقل عن ألفي عنصر أوكراني يتوزعون في مناطق غرب ليبيا، بما في ذلك الزاوية ومحيط طرابلس. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن هذا الوجود ليس مجرد صدفة، بل هو نتاج صفقة بين ميليشيات مسلحة محسوبة على تيار الإسلام السياسي في مصراتة وبين كييف؛ حيث حصلت هذه الميليشيات على تقنيات طائرات مسيّرة واستشارات عسكرية، بينما حصل الأوكرانيون على قواعد انطلاق لعملياتهم.

وتحذّر أوساط ليبية من أن هذه الميليشيات التي راهنت على التنسيق مع أوكرانيا ظناً منها أنها تحصل على ورقة قوة، قد تكون في الواقع وقعت في فخ كبير. فإدخال ليبيا في صراع مباشر مع روسيا يغيّر طبيعة الأزمة بالكامل؛ فلم تعد المسألة مجرد صراع على السلطة، بل أصبحت قضية تمس حسابات دولية وإقليمية أكبر بكثير.

روسيا لن تسكت.. وموسكو تعدّ العدة

الواقع يؤكد أن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استهداف سفنها من شواطئ إفريقية.
وقد أعلنت وزارة النقل الروسية أن ناقلة الغاز الطبيعي المسال “أركتيك ميتاغاز” تعرضت لهجوم بطائرات مسيّرة أوكرانية انطلقت من الساحل الليبي، مما تسبب في غرقها شمال ميناء سرت.

ووصف نيكولاي باتروشيف، أحد مساعدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، هذا الهجوم بأنه “عمل إرهابي دولي”.

كما اتهمت روسيا رسمياً حكومة الدبيبة بالتورط في دعم تحركات أوكرانية تهدف إلى زعزعة الاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي.

وقد تعهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرد على هذه الهجمات، محذراً من أن “الهجمات على البنية التحتية تستدعي دائماً رداً من موسكو”.

والسؤال الأبرز الذي يطرح نفسه بقوة: إذا قررت روسيا توجيه ضربة ردعية على الأراضي الليبية، فمن سيدفع الثمن؟

هل ستدفع الميليشيات التي ارتمت في أحضان الأوكرانيين؟ أم سيدفع المواطن الليبي البسيط الذي لم يطلب يوماً أن تكون بلاده ساحة لتصفية الحسابات الدولية؟

تركيا والجزائر.. هل هما في الصورة؟

الأخطر في هذه المعادلة هو موقع دولتين محوريتين في المشهد الليبي: تركيا والجزائر. فأنقرة التي تقول إن لها نفوذاً في الغرب الليبي، وترتبط في الوقت نفسه بعلاقات استراتيجية مع روسيا، لا يمكنها تجاهل هذا المسار.

فإذا كانت تركيا لا تعلم ما يجري في مصراتة، فهذه مصيبة؛ وإذا كانت تعلم، فالمصيبة أكبر. أما الجزائر التي جعلت أمنها القومي عنواناً لقطع علاقاتها مع الإمارات، فلن يكون من السهل عليها تجاهل تحول جوارها الليبي إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات روسيا وأوكرانيا.

المواطن الليبي.. الضحية الأولى والأخيرة

وسط هذا الصراع المحتدم، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا جنى المواطن الليبي من كل هذا؟ لقد تحوّلت بلاده إلى منصة لتصدير المرتزقة، ومسرحاً لهجمات بالمسيّرات تستهدف منشآت نفطية وكهربائية، وملعباً تتقاذفه القوى الدولية.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير عن استهداف مئات المهاجرين للتجنيد في أوكرانيا مقابل المال، وعن تجنيد أطفال ونساء، يبقى الشعب الليبي هو الطرف الغائب عن كل هذه المعادلات.

إن ما يجري في ليبيا اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو صراع على السلطة، بل هو عملية انتحار جماعي تقودها أطراف محلية مأزومة، وتغذيها قوى دولية لا تهمها سوى مصالحها.

والضحايا هم أولئك الذين لا صوت لهم، الذين فقدوا أبناءهم في صراعات لم يختاروها، والذين يدفعون فاتورة أزمات الكهرباء والوقود والخبز، بينما تتصارع الميليشيات والحكومات المتناحرة على ما تبقى من فتات ليبيا.

خاتمة: ليبيا ليست ساحة

إن ما يحدث على الأراضي الليبية من تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات بين روسيا وأوكرانيا هو جريمة كبرى بحق شعب يبحث عن العيش الكريم والاستقرار. ومن العار أن يتحول البلد الذي يملك أكبر احتياطيات النفط في إفريقيا إلى ملعب للصراعات الدولية.

إن ليبيا التي أنجبت عمر المختار، والتي قدمت تضحيات جسيمة، تستحق أن تكون وطناً لشعبها، لا ساحة حرب بالوكالة. والشعب الليبي بوعيه وإدراكه يرفض أن يكون وقوداً لصراعات لا تخدم إلا مصالح الطغاة.

ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق جميع الأطراف الوطنية للخروج من هذا النفق المظلم، وإعادة ليبيا إلى الليبيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى