موتٌ ببطءٍ في ليبيا: انقطاع الكهرباء والمياه يخنقان مرضى الكلى… والدبيبة يكتفي بالوعود
أكثر من 7100 مريض فشل كلوي في ليبيا بين مطرقة انقطاع الكهرباء وسندان شح المياه... وحكومة الدبيبة تتفرج
ليبيا 24
ليست جلسة غسيل عادية… إنها حياة أو موت: مراكز الكلى في ليبيا تتهاوى تحت وطأة الإهمال وغياب المسؤولية
أزمة مركّبة تُحاصر مرضى الكلى في ليبيا: عندما تتحول جلسة الغسيل إلى رهان على الحياة
في مشهدٍ يختزل مأساةً إنسانيةً مركّبة، يقف آلاف الليبيين من مرضى الفشل الكلوي على حافة الهاوية، محاصرين بين انقطاعٍ للتيار الكهربائي يتجاوز العشرين ساعةً يومياً في بعض المناطق، وشحٍّ حادٍّ في مصادر المياه، ونقصٍ مزمنٍ في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية.
هؤلاء المرضى، الذين تتوقف حياتهم كلها على انتظام جلسات غسيل الدم، لم يعودوا يواجهون مرضاً فقط، بل يواجهون منظومةً صحيةً منهارةً، وحكومةً منتهية الولاية يُلقى على عاتقها العبء الأكبر في هذا الانهيار، وفقاً لشهادات المرضى وخبراء الصحة ومنظمات حقوقية ومراقبين.
العدد الحقيقي أكبر من الأرقام المعلنة
تكشف البيانات المتقاطعة أن أكثر من 7100 مريض فشل كلوي يخضعون لجلسات غسيل الدم في ليبيا، يتوزعون على ما يقارب 96 وحدة ومركز علاج، إضافةً إلى نحو 2200 مريض ممن أجروا عمليات زراعة كلى ويتناولون أدوية تثبيط المناعة، وفقاً لرئيس المنظمة الوطنية لدعم التبرع بالأعضاء محمود ميلاد أبودبوس.
وتقول الهيئة الوطنية لأمراض الكلى إن عدد المسجلين في المنظومة الموحدة تجاوز 7 آلاف مريض، بعد أن كانت الأرقام السابقة متضاربة وتتراوح بين 6 آلاف و6200 مريض، بسبب غياب منظومة دقيقة قبل إنشاء الهيئة.
غير أن أبودبوس يرى أن الصورة أوسع من ذلك بكثير، إذ يؤكد وجود أكثر من 18 ألف مريض ضمن شرائح مختلفة في ملف أمراض الكلى، بينهم نحو 9 آلاف مريض يترددون على مراكز الكلى ويعانون من مشكلات صحية قد تدفعهم إلى مرحلة الفشل الكلوي.
الكهرباء… حين يصبح الانقطاع حكماً بالإعدام
يقول استشاري كلى، إن «نقص بعض الأدوية والمستلزمات الطبية يمثل مشكلة متكررة تواجه مراكز الغسيل، إلا أنه قد يمكن تجاوزها في بعض الأحيان في حال وفرتها الجهات الحكومية، أما أزمة الكهرباء والمياه فأكثر تعقيداً لأنها ترتبط بقدرة المركز على تشغيل أجهزة الغسيل واستمرار تقديم الخدمة».
ويضيف محذّراً: «ليست جلسة غسيل بالنسبة إلى المريض إجراءً طبياً أو فحصاً عادياً كي يؤجله، وأي تأخير أو تقليص في عدد الجلسات قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تهدد حياة المريض».
ويتحدث مريض كلوي عن تجربته مع مركز تاجوراء قائلاً: «أجلب أدويتي للحصول على جلسة غسيل، ثم يبلغني العاملون في المركز أن الكهرباء مقطوعة منذ ساعات، وأنهم لا يعرفون متى ستعود لتشغيل الأجهزة.
اشترى المركز مولداً خاصاً لكنه لم يملك القدرة على الصمود ساعات طويلة». ويضيف: «أحصل مع مرضى آخرين أحياناً على جلستين من ثلاث جلسات مقررة أسبوعياً، لأسباب من بينها شح مصادر المياه التي يُضطر المركز إلى شرائها عبر سيارات الصهاريج، وتعطّل منظومات التعقيم والتحلية الخاصة في البئر الجوفي للمركز».
وتشير تقارير صحفية إلى أن انقطاعات الكهرباء اليومية التي تتراوح بين أربع وعشر ساعات قد عطّلت الحياة في عموم ليبيا خلال موجة الحر، مما أدى إلى تعطل الأعمال والمكاتب الحكومية التي لا تملك مولدات كهربائية، بينما قال أحد سكان طرابلس إن «انقطاعات تصل إلى ست وثماني ساعات تعطل توصيل المياه البلدية وتدمر الأجهزة المنزلية وتعرّض أفراد الأسرة الذين يحتاجون إلى أدوية مبردة للخطر».
المياه… شريان الحياة الذي جفّ
ويعدّ شح المياه تحدياً موازياً لا يقل خطورةً، إذ تشكّل المياه «المغذي الرئيسي لأجهزة غسيل الكلى»، وفقاً لبيان إدارة مركز خدمات أمراض الكلى في بنغازي، الذي ناشد السلطات «بسرعة تدارك الوضع نتيجة انقطاع التيار الكهربائي والمياه»، محذراً من أن «توقف أجهزة غسيل الكلى يعني تعرّض حياة المرضى المترددين على المركز والذين يخضعون لجلسات غسيل يومية لخطر الموت».
ويؤكد تقرير فرنسي أن ليبيا تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً في ملف الأمن المائي، في ظل تزايد آثار الجفاف والتغيرات المناخية، واستمرار الانقسام السياسي الذي يعرقل تنفيذ إصلاحات هيكلية في قطاع المياه، مشيراً إلى أن الاعتماد شبه الكامل على المياه الجوفية غير المتجددة لم يعد خياراً مستداماً.
الأدوية… تجارة الموت البطيء
ويصف أبودبوس الوضع الدوائي بأنه «كارثي في ليبيا بالكامل»، مؤكداً عدم توفر الأدوية المصاحبة وأدوية تثبيط المناعة لمرضى غسيل الكلى في جميع مدن ليبيا، مع نقص حاد في أطباء الأوعية الدموية والاختصاصيين، إضافة إلى نقص في مستلزمات تشغيل غسيل الكلى.
ويشدّد على أن «المشكلة الأساسية تكمن في غياب توفر الدواء رغم تخصيص ميزانيات من قبل الحكومة»، محذراً من استمرار ما وصفه بـ«النزيف الصامت» في أرواح المرضى، ومعتبراً أن ما يحدث يمثل «انهياراً خطيراً في منظومة الأمن الدوائي في ليبيا». ويتساءل: «أين ذهبت أكثر من 8.4 مليار دينار لقطاع الصحة سنة 2024؟».
المنظومة الإلكترونية… عبء إضافي
ويلفت مريض كلوي إلى أن «مرضى الكلى باتوا غير قادرين على التنقل بين المراكز لتعويض الجلسات الناقصة؛ بسبب المنظومة الإلكترونية الموحدة التابعة لوزارة الصحة التي فرضت على المرضى أن يتسجلوا فيها إجبارياً»، ويرى أن «هذه المنظومة تحوّلت إلى عبء؛ لأنها تربط المريض بمركز محدد وتمنع استقباله في مكان آخر».
رأي الجمهور ونشطاء مواقع التواصل
على منصات التواصل الاجتماعي، يوثّق نشطاء ليبيون مشاهد يومية من معاناة المرضى، إذ كتب أحد الناشطين: «في مستشفى الكلى بطرابلس، المرضى ينتظرون الكهرباء كي تعمل الأجهزة. بعضهم يموت في الانتظار. هذا ليس قضاءً وقدراً، هذا إهمال متعمد».
وقالت ناشطة أخرى: «الدبيبة يتحدث عن إنجازات وهمية بينما أطفالنا يموتون على أبواب مراكز الغسيل. الحكومة منتهية الولاية تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن كل حالة وفاة».
ويرى مراقبون أن احتجاجات شعبية واسعة شهدتها طرابلس ومدن أخرى، حيث أقدم محتجون على إحراق الإطارات وقطع الطرق، احتجاجاً على ساعات الانقطاع الطويلة التي تصل في بعض المناطق إلى نحو 14 ساعة يومياً.
المسؤولية القانونية والأخلاقية
ويؤكد خبراء صحيون أن «معالجة الجهات المعنية المشاكل عبر إرسال كميات متقطعة إجراء غير كافٍ، ومن الضروري بناء مخزون استراتيجي يكفي فترة أكثر من عام للتعامل مع أزمة الأمراض المزمنة، وليس مجرد توريد كميات محدودة تنفد خلال شهرين».
وفي هذا السياق، يحمّل مجلس حكماء وأعيان طرابلس المركزي رئيس الحكومة المنتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة المسؤولية الكاملة عن تفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية، داعياً إلى إصلاحات فورية، ومحذراً من أنه في حال عدم الاستجابة «يجب أن تستقيل الحكومة».
ويشير المجلس إلى «الغياب التام للنزاهة والشفافية والمساءلة»، ويتهم الدبيبة بالاعتماد على البيانات العامة ورسائل التواصل الاجتماعي «التي تهدف إلى تشتيت المواطنين» دون اتخاذ إجراءات ملموسة.
حين تُختزل الحياة في جلسة
في بلدٍ يمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا، ينتج أكثر من 1.3 مليون برميل يومياً، يعيش مرضى الكلى على وقع انتظار جلسة غسيل قد لا تأتي أبداً. بين وعودٍ حكومية لا تتحقق، ومنظومة صحية تتهاوى، وأدوية مفقودة، وتيار كهربائي خائن، ومياه شحيحة، يقف المريض الليبي وحيداً في مواجهة موتٍ بطيء لا يرحم.
وهنا تبرز المسؤولية القانونية والأخلاقية لحكومة منتهية الولاية: فليس من حق أي سلطة أن تترك مواطنيها يموتون على أبواب مراكز العلاج، بينما المصابيح مطفأة، والمياه مقطوعة، والوعود تُباع للمرضى كما يُباع السراب للعطشى.



