ليبيا

قصور الغليثة… كنز روماني غرب بنغازي يُنقَذ من النسيان قبل فوات الأوان

باحثو آثار بنغازي يخوضون معركة زمن لإنقاذ حصون قصور الغليثة وترميم العقد المنهار

ليبيا 24


جهود ميدانية تعيد الأمل إلى موقع أثري عمره قرون وتحلم بتحويله إلى واجهة سياحية

تحت طبقات التراب، ووسط أعشاب تزحف ببطء على الحجارة، يدور سباق صامت لكنه محموم. فريق من الباحثين والخبراء في هيئة آثار بنغازي يسابق الزمن لإنقاذ موقع قصور الغليثة الأثري غربي المدينة، عبر جهود ميدانية متواصلة، في محاولة لوقف تآكل الذاكرة قبل أن يطمرها النسيان.

القصة هنا ليست مجرد ترميم جدران، بل معركة على التاريخ، وصراع بين إرادة الإنسان وعوامل التعرية.

تيكا… حيث تحرس الحجارة ذاكرة برنيق

تقع قصور الغليثة في منطقة تيكا، على بعد نحو خمسة عشر كيلومتراً غرب بنغازي. ويضم الموقع حصوناً عسكرية فريدة تعود أصولها التاريخية إلى الفترة الرومانية، في القرن الثاني الميلادي تقريباً.

فقد شُيدت خطوط دفاع وحصون عسكرية لحماية الأطراف الغربية لمدينة بنغازي القديمة، التي كانت تسمى تاريخياً برنيق، والمدن المجاورة، من الهجمات والغارات العسكرية. وتشير الاكتشافات الميدانية في الموقع كذلك إلى وجود بقايا لمعاصر زيتون وصهاريج مياه، مما يبرز دور الموقع كمركز إداري وزراعي كبير في ذلك العصر، إلى جانب وظيفته العسكرية.

أيدٍ تبني ما هدمه الزمن

تتركز الأعمال الميدانية الحالية على رفع الأتربة والأعشاب الضارة التي تتسبب في تآكل الحجارة، وتدعيم الجدران والأقواس الأثرية لحمايتها من عوامل التعرية والتآكل، إلى جانب التوثيق العلمي المستمر لتسجيل التغيرات الهيكلية للموقع.

إنها مهمة شاقة تُنجز بوسائل محدودة، لكنها تحمل في طياتها إصراراً على عدم ترك التاريخ ينهار.

صوت الميدان: حلم عمره عقود

قال جلال العبيدي، الباحث الأثري بمراقبة آثار بنغازي: “نتواجد اليوم في الموقع لإعادة ترميم وتأهيل العقد المنهار في الطابق الثاني، وهو جزء تعرض للانهيار منذ سبعينيات أو ثمانينيات القرن الماضي.

إن إعادة ترميم هذا الصرح كان حلماً يراودنا منذ عشرات السنين، ورغم قلة الإمكانيات، إلا أننا ماضون في عملنا”.

وأضاف أن الفريق أعد مقترح عمل دقيقاً يعتمد على الأسس العلمية لإعادة البناء، مشيراً إلى أن العمل “يتطلب دقة معمارية عالية في التعامل مع الحجارة الضخمة والأقواس المتداخلة، وهو ما يُعد تحدياً نادراً ما تجرؤ حتى البعثات الأجنبية على تنفيذ مثيله بمفردها، وفي ظل هذه الظروف”.

تحدٍ معماري نادر

لا يقتصر التحدي على طبيعة الموقع نفسه، بل يمتد إلى الحجارة الضخمة والأقواس المتداخلة التي تفرض على العاملين فهماً عميقاً للهندسة القديمة، وقدرة على المزج بين ما تبقى من الأصل وبين ما يحتاج إلى تدعيم.

ومع ذلك، يؤكد العبيدي أن الخبراء مستمرون في تجميع الحجارة الأصلية وتنظيف الموقع للوصول إلى صيانة كاملة تُعيد للقصور رونقها، تمهيداً لتأهيلها لتكون واجهة سياحية ومقصداً لزوار مدينة بنغازي.

من حصن عسكري إلى واجهة سياحية

يرى القائمون على المشروع أن استمرار أعمال الترميم يشكل “واجباً وطنياً” للحفاظ على الذاكرة التاريخية والإرث الحضاري لشرق ليبيا.

وهم يدعون إلى تضافر الجهود، وتسليط الضوء على هذه المواقع، لتوفير الموارد اللازمة لاستكمال أعمال الحماية قبل فوات الأوان. فالمسألة ليست ترفاً أثرياً، بل حق للأجيال القادمة في أن تعرف من كانت، وعلى أي أرض وقفت.

واجب وطني قبل فوات الأوان

في وقت تتسارع فيه مشاريع النسيان، يبقى فريق قصور الغليثة نموذجاً للعمل الصامت. لا ينتظرون كثيراً، ولا يشكون علناً، بل يرفعون الأتربة عن حجر كان يوماً يحمي مدينة، ويضعون أيديهم على قوس كان يوماً يروي حكاية.

إنقاذ قصور الغليثة ليس إنقاذاً لموقع فقط، بل إنقاذ لذاكرة مدينة بأكملها. وبينما يواصل الباحثون عملهم، يبقى السؤال معلقاً: هل يتحرك الجميع قبل أن يصبح ما تبقى من هذا الإرث مجرد صورة في كتاب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى