رغم محاولات حكومة الدبيبة .. ليبيا تبدأ تنفيذ ميزانية موحدة بقيمة 167 مليار دينار برعاية أمريكية
الحكومة الليبية ترحب بـ"اتفاق الإنفاق الموحد" وتعتبره حجر أساس لتوحيد المؤسسات.. والدبيبة يدّعي إنجازاً لم يصنعه

ليبيا 24
اتفاق برعاية أمريكية يعيد رسم خريطة الإنفاق.. لكن يترك أسئلة السيادة معلقة
بدأت ليبيا تنفيذ ميزانية عامة موحدة بقيمة 167 مليار دينار ليبي، أي ما يعادل أكثر من 26 مليار دولار، وذلك تنفيذاً لاتفاق سياسي صدر برعاية أمريكية بين الأطراف المتنافسة، وفق ما صرح به مصدر برلماني مطلع.
وأوضح المصدر أن الشق الأكبر من اعتمادات هذه الميزانية سيوجه لبند المرتبات والدعم المباشر للمواد الأساسية والسلع التموينية، فيما خُصص الشق المتبقي لتمويل المشروعات التنموية وإعادة الإعمار.
وتُمثل هذه الخطوة المالية توافقاً نادراً يهدف إلى توحيد الإنفاق الحكومي وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي التي أضرت بالاستقرار الاقتصادي والمالي للبلاد خلال السنوات الماضية.
غير أن هذا الاتفاق، الذي جاء بعد مفاوضات شاقة استمرت سبعة أشهر وأنهت أكثر من ثلاثة عشر عاماً من غياب ميزانية موحدة، يثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة المكاسب التي تحققت للمواطن الليبي في الشرق والجنوب، في ظل استمرار حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية الولاية في السيطرة على مفاصل الإنفاق في طرابلس، دون أن يكون لها أي شرعية دستورية أو شعبية.
مرحلة التنفيذ: من يملك قرار الإنفاق فعلياً؟
وعلق رئيس حزب صوت الشعب، فتحي الشبلي، على الأمر بالقول إن “الميزانية الموحدة دخلت مرحلة التنفيذ، حيث يتولى مصرف ليبيا المركزي إدارة الإيرادات والإنفاق ضمن إطار موحد، بهدف إنهاء مساري الإنفاق في الشرق والغرب”.
وأضاف الشبلي، في تصريح صحفي، أن “إيرادات النفط تبقى إيرادات سيادية للدولة الليبية، ولا توجد نسبة معلنة رسمياً تقسم النفط جغرافياً بين الشرق والغرب والجنوب، أما التنمية، فتبلغ مخصصاتها نحو 40 مليار دينار، وتشمل مشروعات في مختلف المناطق، من بينها مشروعات الشرق، لكن لا توجد حصة رسمية منفصلة معلنة باسم الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد”.
وشدد على أن “جوهر التفاهم يتمثل في أن الشرق حصل على ضمان إدراج مشروعات التنمية، والغرب على توحيد المالية والإنفاق، ليبقى السؤال الأهم: هل يتحول الاتفاق فعلاً إلى مصرف مركزي واحد، وميزانية واحدة، وإيرادات واحدة، وإنفاق واحد؟ هذا هو الاختبار الحقيقي للصفقة”.
وبينما يحاول الدبيبة تصوير الاتفاق على أنه إنجاز يحسب له، تؤكد الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد أنها جددت ترحيبها بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه بمشاركة أعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، معتبرةً أنه يمثل “خطوة وطنية مهمة” نحو توحيد المؤسسات، ومؤكدة أن وزارة التخطيط والمالية بدأت فعلياً إجراءات التنفيذ عبر الصرف وفق قاعدة (1/12) على أبواب الميزانية العامة.
وأكدت الحكومة الليبية أن مصرف ليبيا المركزي سيتولى الإشراف المباشر على تنفيذ الاتفاق، لضمان سلامة التدفقات المالية وتحقيق الانضباط المالي، محذرة من أي محاولات لعرقلة تنفيذ الاتفاق أو الالتفاف على مضمونه، ومشددةً على أنها ستتخذ إجراءات قانونية رادعة ضد أي إخلال بهذا المسار.
تسوية مالية مؤقتة أم حل دائم؟
من جانبه، قال المحلل السياسي، خالد محمد الحجازي، إنه “منذ سنوات، ظل الانقسام السياسي في ليبيا ينتج انقساماً موازياً في إدارة المال العام، لتصبح الميزانية إحدى أبرز ساحات الصراع بين مراكز السلطة في شرق البلاد وغربها.
ومع اعتماد إطار موحد للإنفاق خلال عام 2026، يبدو أن الطرفين توصلا إلى تسوية مالية مؤقتة، لكن الأسئلة الأهم تتعلق بما وراء الأرقام: من يملك قرار الإنفاق؟ وكيف ستدار عائدات النفط؟ وما الذي حصل عليه كل طرف مقابل القبول بالصيغة الجديدة؟”.
وبين الحجازي أن “اعتماد الميزانية الموحدة يشكل خطوة مهمة في مسار معالجة الانقسام المالي الذي استمر لأكثر من عقد”، لافتاً إلى إعلان مصرف ليبيا المركزي اعتماد إطار للإنفاق الموحد، عقب التوافق بين ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، مع مشاركة المؤسسات الرقابية والمالية في آليات التنفيذ والمتابعة.
وأوضح الحجازي أن “أهمية الاتفاق تكمن في أنه لا يتعلق فقط بتحديد حجم الإنفاق، وإنما بمحاولة إعادة وضع الموارد العامة والنفقات الحكومية داخل إطار مالي واحد، بدلاً من استمرار ترتيبات الإنفاق المتوازية التي رافقت الانقسام السياسي والمؤسسي طوال السنوات الماضية”.
وأشار إلى أن “مصادر وتقارير مختلفة ذكرت أرقاماً متعددة بشأن القيمة الإجمالية للميزانية الموحدة لعام 2026، تبعاً لطريقة احتساب بعض البنود والمخصصات، لكن الأهم من الرقم الإجمالي هو طبيعة توزيع الإنفاق بين المرتبات والدعم والمصروفات التشغيلية ومشروعات التنمية”.
الثروة النفطية: من يحميها ومن يبددها؟
في السياق ذاته، تَبرُز الإغلاقات النفطية المتكررة بوصفها عاملاً يحد من قدرة ليبيا على الاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية، بعدما أدى إغلاق صمام على خط نقل خام حقل الشرارة إلى تراجع الإنتاج بنحو 130 ألف برميل يومياً، وتوقف وحدة تكرير بمصفاة الزاوية، ما هدد إمدادات الوقود، وزاد الضغوط على القطاع الحيوي.
وبلغت الكميات المفقودة خلال خمسة أيام من الإغلاق نحو 650 ألف برميل، فيما تجاوزت الخسائر المالية المباشرة 95 مليون دولار، وفق البيانات المعلنة. ويشار إلى أن ملف إدارة الثروة النفطية وتوزيع عائداتها لا يزال محل نزاع بين الحكومتين المتنافستين، رغم اقتصار تسويق الخام رسمياً على المؤسسة الوطنية للنفط.
وأكدت المؤسسة الوطنية للنفط في بيان رسمي أنها قد تضطر إلى إعلان حالة القوة القاهرة إذا استمر إغلاق خط نقل خام الشرارة، محذرة من أن استمرار هذا الإغلاق سيترتب عليه توقف إنتاج حقل الشرارة وعمليات النقل والتصدير، الأمر الذي سيقود إلى إلحاق الضرر المباشر على الاقتصاد الوطني بتراجع الإيرادات العامة للدولة خاصة مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً.
ويرى الخبير النفطي محمد الشحاتي أن مصلحة ليبيا النفطية “لا تكمن في ارتفاع الأسعار الناتج عن الحروب أو إغلاق الممرات البحرية، وإنما في وجود سوق نفط مستقرة يمكن التنبؤ بها، بما يتيح للبلاد التخطيط لإنتاجها وصادراتها واستثماراتها”، مضيفاً أن “القيمة الحقيقية للنفط الليبي ترتبط بقدرته على الوصول إلى الأسواق في ظروف مستقرة، وبقدرة الدولة على المحافظة على تدفق صادراتها، وليس بمجرد ارتفاع الأسعار نتيجة أزمة عالمية”.
المواطن المكلوم بين وعود التنمية وواقع التهميش
في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا جنى المواطن الليبي في الشرق والجنوب من هذا الاتفاق؟ فبينما تتحدث الأرقام عن تخصيص نحو 40 مليار دينار للتنمية، تشمل مشروعات في مختلف المناطق، تؤكد التقارير أن حكومة الدبيبة المنتهية الولاية لا تزال تسيطر على آلية الإنفاق الفعلي في العاصمة، دون أن يكون لها أي غطاء دستوري أو تفويض شعبي.
وتؤكد حكومة الدكتور أسامة حماد، التي تحظى بشرعية مجلس النواب المنتخب، أن الاتفاق يشكل “حجر الأساس” لإطلاق برامج تنموية متوازنة في أنحاء البلاد كافة، بما يضمن عدالة توزيع الموارد، ويرفع من مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، ويدعم مسيرة التنمية والإعمار.
كما أكدت الحكومة التزامها بالتنسيق المستمر مع مصرف ليبيا المركزي والمؤسسات ذات العلاقة، لضمان حسن تنفيذ هذه الإجراءات المالية، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتحقيق الاستدامة المالية، بما يخدم تطلعات الشعب الليبي نحو الاستقرار والازدهار.
وفي هذا الصدد، يرى مراقبون أن الاتفاق، رغم أهميته المالية، لا يرقى إلى مستوى الحل السياسي الشامل، وأن حكومة الدبيبة المنتهية الولاية تسعى من خلاله إلى إطالة أمد بقائها غير الشرعي في السلطة، مستغلة الغطاء الدولي الذي وفرته الرعاية الأمريكية للاتفاق. ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد على فرض سيادتها على كامل التراب الليبي، وانتزاع إدارة الثروة الوطنية من قبضة من لا يملكون شرعية تمثيل الشعب الليبي.



