بعد أن امتدت يد الأمن إلى عنق طبيب… جيش ليبيا الأبيض يعلنها: كرامتنا خط أحمر
الليبيون يشعلون الشارع… من طرابلس إلى بنغازي: اعتصام القطاع الصحي يفضح انفصال حكومة الدبيبة
ليبيا 24
من الفساد المستشري إلى التدخل الخارجي: قصة انهيار المنظومة الصحية ورسالة استغاثة “الكفاءات”
ليبيا تحت نيران الغضب الأبيض: كيف تحوّل القطاع الصحي إلى ساحة مواجهة مع حكومة الدبيبة منتهية الولاية؟
في مشهد غير مسبوق يشي بتحول جوهري في بنية الاحتجاج الشعبي، خرج آلاف الأطباء وأعضاء الطواقم الطبية والمساندة في مختلف المدن الليبية من الشرق إلى الغرب والجنوب، في حراك غير مسبوق، لا سيما مع دخول مرافق صحية كبرى مثل مستشفى طرابلس المركزي ومستشفيات النساء والولادة ومستشفى دواو العام بزليتن، على خط الإضراب الشامل.
لم يعد الأمر مجرد وقفة احتجاجية عابرة أو غضب محدود النطاق، بل تحوّل إلى حركة عصيان مدني داخل مؤسسة الدولة الأكثر حساسية، في وجه حكومة “الوحدة الوطنية” التي يعتبرها منتقدوها منتهية الولاية وغير قادرة على الاستجابة لمطالب الليبيين.
يأتي هذا التصعيد بعد واقعة اعتداء قوات الأمن على أطباء كانوا يقفون في وقفة سلمية معلنة أمام مقر الحكومة في العاصمة طرابلس، وهو ما أشعل فتيل غضب واسع في صفوف الجيش الأبيض، ودفعهم للخروج بأعداد ضخمة تطالب بحقهم في الحياة الكريمة.
الأزمات المتراكمة: من الرواتب الزهيدة إلى الإهمال الإداري
خلف هذا الحراك تقف جملة من المطالب المشروعة، على رأسها تسوية الأجور والفروقات المالية المستحقة للأطباء منذ سنوات، إلى جانب توفير التأمين الصحي للعاملين في القطاع.
التقديرات الواقعية تشير إلى أن مرتبات الأطباء لا تتجاوز نحو 200 دولار شهرياً، وهو مستوى يقل كثيرًا عن أي معيار مقبول للحياة الكريمة في ظل الغلاء وتدهور قيمة الدينار.
لكن القضية أعمق من الأجور، فهي أزمة كرامة ومكانة اجتماعية. يستغرب المراقبون من أن الدولة التي تسعى لاستقدام كوادر طبية أجنبية برواتب تصل إلى 3200 دولار شهرياً للاستشاري و2500 دولار للكوادر المساعدة, تترك أبناءها من الأطباء الليبيين دون حقوقهم المشروعة لسنوات.
وهو ما دعا اتحاد حراك القطاع الصحي إلى تجديد انتقاداته لسياسات الأجور المطبقة على العاملين الليبيين، مطالباً بمعالجة أوضاعهم بدلاً من الاعتماد على حلول الاستقدام الخارجي.
ويُضاف إلى ذلك، كما أشار نقيب الصحفيين في طرابلس منصور الأحرش، أن الطبيب الذي أمضى سبع سنوات في الدراسة والتوتر والسهر، يجد نفسه بعد التخرج مباشرة في مستشفى يفتقر لأبسط الإمكانيات، ينتظر مرتبه الذي لا يكفيه مصروفه اليومي.
وفي المقابل، يجد من لم يكمل دراسته يتقاضى أكثر من عشرة آلاف دولار عبر سفارات وجهات أخرى، في إشارة مباشرة إلى خلل عميق في منظومة العدالة الاجتماعية أصبح الطبيب ضحيتها الأولى.
الفساد المستشري وازدواجية المعايير
لم تتوقف الأزمة عند حد الرواتب، بل تمتد إلى منظومة إدارية أصبحت هي الأخرى جزءًا من المشكلة.
تدخل الجيش الأبيض هذه المرة بعنوان جديد: “إعادة الصلاحيات إلى وزارة الصحة، وإيقاف حالة التشتت التي يعيشها القطاع.” فبعد 2011، أُثقِل القطاع الصحي بالبطالة المقنعة، وأُدخلت إليه أعداد كبيرة من دون تخطيط ومن خارج المجال الصحي، فيما استُنزفت الوزارة بالفساد والسرقات، وجُرّدت من صلاحياتها لصالح مراكز وهيئات موازية، كل منها بميزانية وإدارة منفصلة.
هذا التعدد في الجهات — من جهاز لمكافحة السرطان إلى جهاز لتوطين العلاج بالداخل، وصولاً إلى جهاز لطب الميدان والدعم — لم يُفضِ إلا إلى تداخل الاختصاصات وتوزيع الميزانيات وضياع المسؤولية.
الأمر الذي دفع اتحاد حراك القطاع الصحي للتأكيد على أن “إعادة تقييم وإلغاء أو دمج الجهات التي ثبت عدم قدرتها على أداء اختصاصاتها لم يعد ترفاً إدارياً، بل أصبح ضرورة لحماية المال العام وضمان حق المريض في العلاج.” وأشار الاتحاد إلى أن “المرضى لا ينتظرون إعادة تدوير الاختصاصات… والمال العام لا يحتمل استمرار منظومة بلا نتائج.”
وفي هذا السياق، يبدو أن هناك إقراراً ضمنياً بوجود خلل في منظومة الإمداد والتعاقد والتنفيذ، وهو ما يستوجب المعالجة الجذرية، وليس مجرد إصدار تعليمات إضافية. ففي عام 2011 وحده، أُدخلت أعداد هائلة من الموظفين دون تخطيط، وتُركت الكوادر الفعلية من دون تدريب أو تطوير أو إمكانات.
ويُطرح سؤال مركزي: لماذا ما زالت الحكومة تضطر إلى إعادة توجيه الاختصاصات واستكمال الإجراءات وتوحيد قنوات التنفيذ والشراء؟ يُقر الكتاب الصادر عن ديوان مجلس الوزراء بوجود خلل في منظومة الإمداد والتعاقد والتنفيذ يستوجب المعالجة الجذرية، ما يؤكد أن استمرار هذا الوضع أصبح خطراً على حياة المرضى الليبيين ويستدعي محاسبة المقصرين.
الاعتداء على الأطباء: الدولة التي تخنق أطباءها
في مساء الأحد، وتحديداً أمام مقر مجلس الوزراء في طرابلس، تحولت وقفة احتجاجية سلمية معلنة إلى مشهد مهين لا يمكن أن يقبله أي ليبي غيور على بلده. فقد امتدت يد أحد أفراد الأمن إلى عنق طبيب أعزل، وهو يطالب بحقه.
هذه الصورة، التي تناقلها النشطاء على نطاق واسع، اختصرت مأساة دولة تُخنق فيها الأصوات المطالبة بحقوقها.
ويوضح الكاتب والناشط د. محمد إمزيكة هذه المفارقة بقوله: “كفى تقديساً لحاملي السلاح في ليبيا.
ليس كل من ارتدى بدلة أصبح من الجيش أو الشرطة.” ويضيف في رسالة بالغة الدلالة: “الوطن يحمي الطبيب؛ لا يخنقه. الوطن يحترم المعلم؛ لا يهينه. الوطن يحتضن كفاءاته؛ لا يطردها.”
وقد جاء هذا الاعتداء ليجيب بشكل عملي على سؤال يتكرر في الأروقة الرسمية: “لماذا لا يعود الأطباء الليبيون من الخارج؟” فالإجابة تكمن في هذه الصورة بالتحديد: إلى بيئة تحتاج فيها الكفاءة إلى حماية، ويُطلب فيها من الطبيب أن يصمت ويتحمل، بينما يظل من يحمل السلاح في قمة الهرم الاجتماعي.
تصعيد مطلبي متصاعد ومخاوف من الانهيار الشامل
حراك القطاع الصحي، الذي يقوده “اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا”، دخل مرحلة جديدة من التصعيد. فقد دعت النقابات إلى إضراب عام في جميع المرافق الصحية, وهو ما تزامن مع احتشاد مئات الطواقم الطبية أمام مقر الحكومة للمطالبة بتنفيذ تسعة مطالب، من بينها زيادة الرواتب وتحسين ظروف العمل.
وفي تطور خطير، أعلنت عدة مرافق صحية كبرى، من بينها مستشفى طرابلس المركزي، عن دخولها في إضراب عن العمل احتجاجًا على التردي المتواصل في أوضاع القطاع الصحي وتراجع مستوى الخدمات.
هذا الإضراب، الذي يستثني الطوارئ وأقسام العناية المركزة ووحدات الغسيل الكلوي، يعكس قراراً جماعياً بتحمل المسؤولية المهنية والإنسانية، ولكنه في الوقت نفسه يوجه رسالة واضحة إلى الحكومة بأن الوضع لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل.
الاستقالات والتفويضات… مأساة الكفاءات المهمشة
على الضفة الأخرى من الأزمة، بدأت تظهر مؤشرات على تفريغ القطاع الصحي من كفاءاته بشكل تدريجي.
ففي مستشفى طرابلس الطبي، تقدّم أحد الأطباء باستقالته احتجاجاً على ما آلت إليه أوضاع الأطباء والعاملين في القطاع الصحي.
وجاءت هذه الاستقالة على خلفية مراسلة من وكيل رئيس الوزراء لشؤون الدولة إلى النائب العام، تضمنت اتهامات بالتقصير في التعامل مع حالات وفاة، من بينها حالة وقعت خلال شهر أغسطس، أي قبل بدء الاعتصام والحراك الصحي.
ويؤكد الطبيب المستقيل أن تحميل الأطباء مسؤولية وقائع مرتبطة بواقع صحي يعاني من نقص الإمكانيات والموارد، بدل معالجة الأسباب الحقيقية لتدهور الخدمات، يمثل رسالة بالغة الخطورة للعاملين في المهنة.
كما أشار إلى غياب العدالة الاجتماعية في تقدير الطبيب داخل الدولة، في ظل شعور بأن الطبيب الذي يتحمل مسؤولية حياة المرضى، ويعمل في ظروف صعبة وعلى مدار الساعة، أصبحت قيمته الوظيفية والمادية أقل من قطاعات أخرى، في مقدمتها المؤسسة العسكرية وقطاع النفط.
هذه الاستقالة ليست مجرد استقالة من وظيفة، بل هي رسالة احتجاج على واقع أصبح فيه الطبيب مطالباً بتحمل مسؤولية نقص الدواء والمعدات والإمكانيات، ثم يُساءل عن نتائج منظومة صحية تعاني من هذه النواقص. فهل أصبح الطبيب الحلقة الأضعف في دولة تحتاجه أكثر من أي وقت مضى؟
تفويضات معلقة ومستقبل مجهول
تُضاف إلى هذه المعاناة، أزمة تفويضات الأطباء وأعضاء هيئة التدريس بالخارج لعامي 2024 و2025، حيث يواجه عشرات الأطباء وأعضاء هيئة التدريس جموداً غير مبرر في ملف تفويضاتهم المالية الجاهزة للتنفيذ، رغم استكمالهم كافة الشروط والإجراءات القانونية منذ فترة طويلة.
ويطالب المتضررون رئيس الحكومة بإصدار قرار عاجل ينهي حالة الانتظار عبر التفعيل الفوري للتفويضات الجاهزة وتسييل ميزانياتها، ووضع آلية شفافة وجدول زمني لمعالجة باقي الملفات المدرجة على قوائم الانتظار.
يؤكد مختصون أن هذا الملف لا يقتصر على المصلحة الشخصية للمستهدفين، بل يمس حاجة ملحة لسد النقص الحاد في التخصصات الطبية والسريرية بالمستشفيات، وتطوير الكفاءات التعليمية بالجامعات.
وفي المقابل، تتزايد المخاوف من موجة استقالات جماعية تلوح في أفق القطاع الصحي العام، بعدما أصبحت كثير من الكفاءات أمام خيارين: الهجرة بحثًا عن مستقبل أفضل، أو التوجّه إلى القطاع الخاص هربًا من تدنّي المرتبات وسوء الأوضاع الوظيفية.
بين صمت الحكومة ورحلات وزيرها
في خضم هذه الأزمة، يجد العاملون في القطاع الصحي أنفسهم أمام حكومة تبدو وكأنها تعيش في عالم آخر. ففي الوقت الذي يتصاعد فيه الحراك، وتتواصل الوقفات والاحتجاجات، نجد أن وزير الصحة منشغل برحلاته الخارجية، من اليابان إلى تونس والمغرب وإيطاليا، بعيداً عن أولويات قطاعه الملتهب.
وهو ما دفع النقابة العامة لأطباء الأسنان لطرح سؤال بالغ الدلالة: “فهل نحن أمام وزير للصحة… أم وزير للسياحة؟”
وتزداد سخريتهم حين يكتشفون أن الحكومة كانت تناقش، في اليوم نفسه الذي اعتُدي فيه على الأطباء، آلية تنفيذ التأمين الصحي للعاملين في الصحة والتعليم. في الداخل اجتماع عن حقوقهم، وفي الخارج مشهد مهين. هذه مفارقة تختصر المأساة كلها.
ولعل الأشد خطورة ما يتناقله الأطباء المشاركون في الحراك عن لغة التهديد والترهيب التي يستخدمها بعض المدراء في محاولة لكسر الاعتصام. يقولون: “تذكّر جيدًا أنك كنت يومًا واحدًا منهم… اليوم أنت مدير مستشفى، وغدًا قد ينتهي التكليف وتعود مواطنًا بين الناس.
” فالحكومة التي لا تجد حلاً لمشاكل القطاع، تلجأ إلى التلويح باستبدال الأطباء والمعلمين بكوادر أجنبية، في تصعيد غير مسبوق ضد أبناء القطاع.
من يحاصر من؟
في النهاية، يبدو أن الحكومة الليبية المنتهية الولاية تقف اليوم أمام اختبار وجودي. فبعد سنوات من الإهمال الممنهج، وتراكم الأزمات، وضرب مصداقيتها في الشارع، تواجه الآن ما يمكن وصفه بـ”الغضب الأبيض” الذي قد لا يهدأ حتى تحقيق المطالب كاملة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستستمع الحكومة إلى صوت العقل قبل أن تتحول استقالة طبيب واحد إلى شلال من الاستقالات، وإضراب محدود إلى شلل كامل في المنظومة الصحية؟ “ليبيا لن تنهض بعدد البنادق الموجودة فيها، بل عندما يصبح عقل الطبيب أثمن من البندقية.”



