98 نائبًا ينهون 12 عامًا من التفرد برئاسة مجلس النواب ويفتحون باب انتخاب قيادة جديدة
«النواب» يخلع عقيلة صالح: 98 صوتاً تُنهي 12 عاماً من التفرد... والمواطن يترقب
ليبيا 24
من قاعة «النواب» إلى شوارع ليبيا: هل يسقط آخر حصون الانقسام؟
جلسة تُعيد ترتيب المشهد
في مشهد لم تشهده قاعة مجلس النواب منذ سنوات، اجتمع نحو 102 نائب برئاسة النائب الثاني مصباح دومة، في غياب متعمد للرئيس عقيلة صالح، ليتخذوا قراراً وصفه مراقبون بأنه «لحظة فارقة» في تاريخ المؤسسة التشريعية.
جلسة الاثنين لم تكن عادية؛ فقد صوت 98 نائباً على تعديل القانون رقم 4 لسنة 2014، مُقرين دورة برلمانية مدتها 12 شهراً، قبل أن يُعلن دومة تجميد عمل هيئة الرئاسة بالكامل، في خطوة تُنهي فعلياً الصفة القانونية لعقيلة صالح.
شرعية الجلسة: قراءة قانونية
يقول عضو المجلس خليفة الدغاري إن الجلسة جاءت استناداً إلى اللائحة الداخلية التي «تنص على عقد جلستين أسبوعياً، الاثنين والثلاثاء»، وتتيح عقد جلسة بناءً على طلب عدد من الأعضاء.
وقد تقدّم 88 نائباً بطلب ممهور بتوقيعاتهم إلى النائب الثاني، الذي استجاب للطلب، ليُعقد الاجتماع بحضور 102 نائب. هذا العدد يتجاوز النصاب القانوني المطلوب، ما يمنح الجلسة شرعية إجرائية يصعب الطعن فيها.
تصريحات الجهاني: «لا قيمة له ولا لبيانه»
يُصرّ عضو المجلس عصام الجهاني على أن الجلسة «صحيحة بحكم القانون»، مشيراً إلى أن الناطق باسم المجلس نفسه «انصاع لرغبة القاعة ورفض تلقي التعليمات من الرئيس السابق».
ويذهب الجهاني أبعد من ذلك ليؤكد أن جلسة الثلاثاء «ستشهد عرض المترشحين لمكتب الرئاسة للاختيار بينهم، بغض النظر عن أي بيان من الرئاسة السابقة».
هذه التصريحات تحمل دلالة قانونية بالغة: من نُزعت عنه الصفة لا يملك بعدها صلاحية الدعوة أو التعيين أو الإحالة، وكل بيان يصدر عنه يُعدّ بمثابة تصرف من عدم.
الدغاري: «التعديل حظي بـ 98 صوتاً»
يكشف الدغاري تفاصيل إجرائية دقيقة: «بعد حل هيئة الرئاسة، ستتولى الجلسات بصورة مؤقتة هيئة يرأسها أكبر الأعضاء سناً، ويعاونه أصغر الأعضاء سنناً كمقرر، إلى حين التوافق على موعد لإجراء انتخابات هيئة رئاسة جديدة».
هذا الترتيب المؤقت يكشف أن المجلس لم يترك فراغاً دستورياً، بل أعدّ آلية انتقالية تحفظ استمرارية العمل التشريعي.
المعارضة تشكك… لكن الأرقام تحسم
لم يسلم هذا التحرك من تشكيك. فقد ذكرت وكالة الأنباء الليبية أن «نواباً آخرين يشككون، ويعتبرونها جلسة غير صحيحة، لأن الدعوة لعقد الجلسة الرسمية يوم غد».
لكن التشكيك يصطدم بحقيقة أن الدعوة للجلسة جاءت من النائب الثاني، وهو المخوّل دستورياً عند غياب الرئيس، وأن النصاب تحقق فعلياً بحضور أكثر من مئة نائب. من ينطق بالأرقام لا يستطيع من ينطق بالشك أن يلجمه.
السياق الأوسع: لماذا الآن؟
يأتي هذا الحراك بعد أسبوعين من اجتماع 86 نائباً مع المشير خليفة حفتر في بنغازي، حيث جرى «التوافق على دعم توحيد مجلس النواب، وتعديل لائحته الداخلية، واختيار رئاسة جديدة للمجلس».
هذا التوقيت يكشف أن ما حدث ليس انفعالاً لحظياً، بل تتويجاً لمسار تفاوضي مضطرد. عقيلة صالح لم يفقد موقعه في جلسة واحدة؛ لقد تراكمت ضده أسباب داخلية تتعلق بإدارة المجلس، وأخرى خارجية تتعلق بترتيبات المشهد السياسي الكلي.
أثر القرار على المواطن الليبي
بعيداً عن صخب العناوين، يبقى السؤال الأهم: ماذا يعني هذا للمواطن الليبي المثقل بأعباء الانقسام والانهيار الاقتصادي؟ إن تجميد هيئة الرئاسة يعني أن المؤسسة التشريعية الوحيدة المنتخبة في البلاد تخرج من حالة الجمود التي لازمتها.
لم يكن المواطن الليبي يوماً طرفاً في هذا الصراع على الكراسي، لكنه كان دائماً أول من يدفع الثمن: تأخر القوانين، تعطّل الموازنة، تعطّل المصالحة. عودة المجلس إلى الحياة تعني عودة الأمل ولو كان ضيقاً، بأن أصوات النواب المنتخبين ستُسمع أخيراً بعد سنوات من الاحتكار.
ما بعد السابع من أكتوبر؟
الشهور القليلة القادمة حاسمة. ستُعرض أسماء المترشحين لرئاسة المجلس، وسيختار النواب رئيساً جديداً في غضون سبعة أيام وفقاً للتعديل الجديد. لكن السؤال الأعمق: هل ستستمر هذه الروح التوافقية أم ستنقلب إلى صراع جديد على الترشيح؟ وهل ستُترجم هذه الخطوة إلى انفراج في المسار السياسي الكلي، أم ستبقى مجرد تغيير في رأس الهرم دون تغيير في السياسات؟
الإجابة ليست في بنغازي وحدها، بل في الشارع الليبي الذي ملّ الوعود وانتظر الأفعال.



