أزمة المرتبات في ليبيا.. غياب سلم موحد يدفع القطاعات إلى سباق المطالب
خبراء يدعون إلى إعادة بناء منظومة الأجور وفق معايير علمية وعدالة مالية

لم تعد قضية المرتبات في ليبيا مجرد مطالبات متفرقة بزيادة الأجور أو تحسين البدلات، بل تحولت إلى ملف متكرر يكشف غياب رؤية وطنية متكاملة لإدارة الأجور والإنفاق العام.
وتتكرر المطالبات من قطاع إلى آخر، فيما تتعامل حكومة الدبيبة منتهية الولاية معها في كثير من الأحيان باعتبارها ملفات منفصلة تبرز تحت ضغط الاعتصامات والاحتجاجات، قبل أن تتم معالجتها بقرارات مؤقتة قد تخفف الأزمة في قطاع لكنها تفتح الباب أمام مطالب جديدة في قطاعات أخرى.
منطق الاحتجاج بدل منظومة الأجور
ما يحدث مع المعلمين وما سبقه مع الأطباء وغيرهم من العاملين في قطاعات الدولة يعكس في جانب منه غياب استراتيجية واضحة لتحديد قيمة الأجر بصورة عادلة ومستدامة.
فالمشكلة لا تكمن في حصول المعلم على زيادة أو تحسين راتب الطبيب أو استجابة الدولة لمطالب أي فئة أخرى، وإنما في غياب منظومة تحدد الأسس التي تستند إليها هذه الزيادات، ومدى تأثيرها في بقية موظفي الدولة، والمعايير التي يمكن من خلالها قياس عدالة الأجر بين الوظائف المختلفة.
ويؤدي غياب هذه المعايير إلى نشوء منافسة غير صحية بين القطاعات، بحيث تصبح القدرة على تنظيم الاحتجاج أو الاعتصام عاملاً مؤثراً في الحصول على مكاسب مالية، بينما تبقى القطاعات الأقل قدرة على الضغط في انتظار دورها.
الحاجة إلى دراسة حقيقية لمستوى المعيشة
المعالجة المستدامة لا تبدأ بقرار جديد لزيادة المرتبات، وإنما بإعادة النظر في فلسفة الأجور داخل الدولة الليبية من أساسها.
ويحتاج ذلك إلى تشكيل فريق من الخبرات الوطنية المتخصصة في الاقتصاد والاجتماع والعمل والإدارة والمالية والإحصاء، لإجراء دراسة شاملة لمستويات المعيشة وتكاليف الحياة واحتياجات الأسر الليبية، بالتوازي مع دراسة قدرة الدولة على تحمل أعباء الإنفاق العام.
مثل هذه الدراسة يمكن أن توفر أساساً علمياً لتحديد الحد الأدنى الملائم للأجور، بدلاً من الاعتماد على تقديرات متغيرة أو قرارات مرتبطة بظروف الاحتجاجات والضغوط القطاعية.
سلم وطني يربط الأجر بالمسؤولية
الخطوة الأهم تتمثل في بناء سلم وطني موحد للمرتبات يضع معايير واضحة لتحديد الأجور وفق الدرجة الوظيفية والمؤهل والخبرة والمسؤولية وطبيعة العمل.
كما ينبغي أن يتضمن النظام آلية للمراجعة الدورية للمرتبات بما يتناسب مع معدلات التضخم وتغير تكاليف المعيشة، إلى جانب وضع ضوابط واضحة للبدلات والحوافز حتى لا تتحول هذه البنود إلى مصدر لفوارق غير مبررة بين موظفي الدولة.
فالعدالة في الأجور لا تعني حصول جميع الموظفين على المرتب نفسه، وإنما تعني خضوع الجميع لمعايير واحدة ومعلنة تحدد قيمة الوظيفة ومسؤولياتها بصورة موضوعية.
العدالة لا تعني المساواة المطلقة
المعلم الذي يتعامل يومياً مع عشرات الطلاب، والطبيب الذي يتحمل مسؤولية حياة الإنسان، والمهندس والممرض والموظف الإداري والعامل وأفراد الأجهزة المختلفة، جميعهم يمثلون أجزاء أساسية من منظومة الدولة.
لكن تقدير قيمة كل وظيفة يجب أن يستند إلى نظام علمي واضح، لا إلى قدرة القطاع على الضغط أو حجم الاحتجاج.
ومن هذا المنظور، فإن الاعتصامات ليست بالضرورة أصل المشكلة، وإنما قد تكون في بعض الحالات نتيجة مباشرة لغياب نظام عادل وشفاف للأجور، يحدد الحقوق والواجبات ويمنح الموظف وضوحاً بشأن مساره المالي والوظيفي.
إصلاح منظومة لا إدارة أزمات
وتبقى المعالجة الحقيقية لأزمة المرتبات مرتبطة بقدرة الدولة على الانتقال من سياسة الاستجابة للمطالب المتفرقة إلى سياسة مالية تقوم على التخطيط والعدالة والاستدامة.
فزيادة راتب قطاع دون إصلاح منظومة الأجور بأكملها قد تؤجل الأزمة ولا تنهيها، بينما يظل بناء سلم وطني للمرتبات يستند إلى بيانات حقيقية وقدرة الدولة المالية هو المسار الأكثر اتزاناً لمعالجة ملف طال أمده وأصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بكفاءة إدارة المال العام والاستقرار الاجتماعي.



