غير مصنف

فيضانات ليبيا تكشف فجوة بين الثروة النفطية وضعف البنية التحتية

كل المقالات

كشفت موجات السيول والفيضانات التي ضربت مناطق عدة في ليبيا عن أزمة تتجاوز تداعيات الأمطار الغزيرة، لتضع أمام الدولة اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على إدارة مواردها النفطية وتحويلها إلى بنية تحتية قادرة على حماية المواطنين ومواجهة المخاطر المناخية.

فرغم امتلاك ليبيا أكبر احتياطات نفطية في أفريقيا وتسجيل إيرادات نفطية بلغت نحو 98.98 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، لا تزال قطاعات أساسية تعاني ضعفًا واضحًا في البنية التحتية والخدمات، من الكهرباء والمياه إلى الصرف الصحي والطرق والسدود.

ثروة نفطية وبنية تحتية متآكلة

تأتي أزمة السدود في مقدمة الملفات التي كشفتها الفيضانات مجددًا، إذ تمتلك ليبيا نحو 16 سدًا يعود معظمها إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بينما لم تشهد البلاد إنشاء سدود جديدة منذ عام 2011.

الاستجابة تبدأ قبل الكارثة
الأضرار الأخيرة تكشف أن التعامل مع الكوارث لا يمكن أن يقتصر على تحريك فرق الإنقاذ وتقديم المساعدات بعد وقوعها..فالاستجابة الفعالة تحتاج إلى منظومة متكاملة تربط بين التنبؤات الجوية وخرائط المخاطر والإنذار المبكر والقرارات الميدانية، بما يسمح بإغلاق الطرق المعرضة للخطر وإخلاء المناطق المهددة وتحريك فرق الإنقاذ قبل تفاقم الوضع.
وهنا تبدو إحدى أبرز نقاط الضعف في إدارة الكوارث داخل ليبيا، وهي الفجوة بين توفر المعلومات المتعلقة بالأحوال الجوية وبين تحويلها إلى قرارات وقائية على الأرض.

النفط وحده لا يصنع التنمية

المفارقة الأبرز أن الأزمة تحدث في بلد يمتلك موارد مالية كبيرة، بينما تعاني قطاعات خدمية أساسية نقص الاستثمار والصيانة.
وتشير تقديرات إلى أن واردات المحروقات بلغت نحو 6.1 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، في مقابل صادرات نفطية بنحو 18.46 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بما يعكس حجم الاختلالات التي تواجه إدارة الموارد والإنفاق العام.
المشكلة بالتالي لا تبدو في غياب التمويل فقط، وإنما في كيفية توجيهه وترتيب أولوياته، إذ يمكن أن تذهب الإيرادات النفطية إلى الأجور والدعم والنفقات التشغيلية، بينما تتراجع مخصصات البنية التحتية والصيانة طويلة الأجل.

الانقسام المؤسسي يضاعف الكلفة

تزيد الانقسامات السياسية والمؤسساتية من صعوبة وضع خطة وطنية موحدة لتطوير البنية التحتية، وتطرح تساؤلات حول من يحدد الأولويات ومن ينفذ المشروعات ومن يراقب نتائج الإنفاق.
وفي ظل استمرار الاعتماد الكبير على النفط، يصبح غياب التخطيط طويل الأمد أكثر كلفة، خصوصًا أن مشروعات السدود والطرق وشبكات المياه والصرف لا تحتاج فقط إلى تمويل الإنشاء، وإنما إلى برامج دائمة للصيانة والتأهيل والتحديث.
وتؤكد تجارب السنوات الماضية أن تأجيل الصيانة لا يوفر المال، بل يؤجل الكلفة ويرفعها، إذ تتحول الأعطال المتراكمة في النهاية إلى أضرار واسعة وإعادة إعمار أكثر تكلفة.

من إدارة الضرر إلى إدارة المخاطر

الدرس الأهم الذي تفرضه الفيضانات الأخيرة هو ضرورة الانتقال من التعامل مع الكارثة بعد وقوعها إلى إدارة مخاطرها قبل وقوعها ما يتطلب إنشاء خرائط وطنية لمخاطر الفيضانات والسيول، وتحديث شبكات الصرف، وتأهيل السدود والطرق، ووضع خطط إخلاء واضحة، إلى جانب ربط الإنذار المبكر بقرارات تنفيذية ملزمة.

كما تحتاج ليبيا إلى قاعدة بيانات وطنية دقيقة لحالة الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه والصرف، بحيث يصبح الإنفاق على البنية التحتية قائمًا على الاحتياجات الفعلية ودرجة الخطورة وليس على اعتبارات ظرفية.

اختبار حقيقي لإدارة الثروة

الفيضانات لا تكشف فقط ضعف بعض المنشآت، وإنما تطرح سؤالًا أوسع حول قدرة الدولة على تحويل عائداتها النفطية إلى أصول تحمي المجتمع وتحافظ على قيمة المال العام.
فامتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تحقيق التنمية، ما لم تقترن الإيرادات بالتخطيط والرقابة والصيانة والاستثمار طويل الأجل.
وبذلك تبدو الأزمة الليبية في جوهرها أبعد من كونها نتيجة أمطار غزيرة أو تغيرات مناخية، إذ تكشف الفيضانات هشاشة تراكمت على مدار عقود، وأظهرت أن غياب الصيانة والتخطيط وتوحيد المؤسسات يمكن أن يحول ظاهرة طبيعية إلى أزمة واسعة تمس الطرق والمياه والكهرباء والصحة وحياة المواطنين.
فالاختبار الحقيقي أمام ليبيا ليس فقط في قدرتها على مواجهة السيول الحالية، وإنما في قدرتها على استثمار ثروتها النفطية في بناء دولة أكثر استعدادًا للكوارث وأقل اعتمادًا على حلول الطوارئ بعد وقوعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى