المجلس الأعلى للدولة.. حين تتحول المشاركة المؤسسية إلى نصاب إجرائي ومستقبل الليبيين إلى رهينة
عثمان يكشف مفارقة مؤسسية: مجلس الدولة رفض مسار البعثة سبع مرات يطالب اليوم بما طالب به منذ خمس سنوات
ليبيا 24
مبادرة عاجلة داخل المجلس الأعلى للدولة لإنقاذ المؤسسة من الانهيار قبل جلسة مجلس الأمن المرتقبة في الرابع عشر من أكتوبر
المجلس الأعلى للدولة: مؤسسة تبحث عن شرعيتها الضائعة بين ازدواجية المعايير وتضييع مستقبل الليبيين
مشهد مؤسسي مأزوم
في وقت يواجه فيه الليبيون أزمات متلاحقة تمس حياتهم اليومية ومستقبل أبنائهم، يجد المجلس الأعلى للدولة نفسه غارقاً في جدل داخلي حول شرعية قراراته وآلية اتخاذها، في مشهد يعكس حجم الأزمة المؤسسية التي تعصف بأحد أهم أعمدة العملية السياسية في البلاد.
فبينما ينتظر الشعب الليبي خطوات جادة نحو إنهاء الانقسام واستعادة الدولة، ينشغل المجلس بمعارك إجرائية حول النصاب والتمثيل، في مفارقة صارخة يسلط عليها عضو المجلس أبوبكر محمد عثمان الضوء في تصريحات بالغة الدلالة.
المفارقة الكبرى: سبع مرات رفض وذات المطالب تعود
يكشف عثمان عن مفارقة مؤسسية تستحق التوقف العميق. فالمجلس الذي جعل من المشاركة المؤسسية شرطاً أساسياً لا غنى عنه، ورفض على أساسها مسار البعثة الأممية سبع مرات، آخرها في جلسته الأخيرة حيث صوّت 72 عضواً من أصل 92 حاضراً على الرفض، مستنداً إلى غياب التوافق والمرجعية الدستورية والقانونية، يجد نفسه اليوم أمام ذات الوضع الذي طالب به هو نفسه الآخرين على مدار خمس سنوات.
فالمطالبة بمرجعية دستورية وقانونية لم تكن حاضرة عندما تم تهميش فرع دائرة انتخابية وممثلها من المشاركة السياسية، في تناقض صارخ يكشف ازدواجية المعايير التي تحكم أداء المجلس.
القضية الوطنية الجوهرية: ما وراء النصاب الإجرائي
يشدد عثمان على أن القضية المطروحة ليست مجرد خلاف إجرائي حول النصاب، بل قضية وطنية جوهرية يراد من خلالها تحديد وتقرير مصير البلاد. والاتفاق السياسي نفسه أنشأ المجلس على أساس 145 عضواً، مع النص صراحة على مراعاة التمثيل العادل للدوائر الانتخابية.
ومن هنا فإن الواجب يقتضي إشراك ممثلي الدوائر الثلاث عشرة وفروعها، معارضة وموالاة، في جلسة استثنائية، سجلها الانتخابي محصّن من أي شبهة تلاعب، لاستظهار الإرادة الجامعة للشعب بمختلف مكوناته وفئاته عبر ممثليه الشرعيين. وما عدا ذلك، فإنه يذهب إما إلى إطالة أمد الأزمة أو إلى تجاوز المجلس دون أن يدرك ذلك.
المشاركة المؤسسية: معيار للحكم على الآخرين أم أداة للهروب من المسؤولية؟
يضع عثمان يده على جوهر الإشكالية حين يقول إن المشاركة المؤسسية التي جعلها المجلس معياراً للحكم على الآخرين، لا يجوز أن تتحول إلى مجرد نصاب إجرائي عندما يتعلق الأمر بقرار يمس مستقبل البلاد.
فالمعيار الذي تطالب به المؤسسة من غيرها يجب أن يكون ذاته الذي تحكم به على نفسها، وإلا تحول الخطاب المؤسسي إلى مجرد أداة للمناورة السياسية. وهذا الإجراء، في اعتقاده، يعيد للمجلس مكانته الحقيقية، وللنظام القانوني النافذ اعتباره، وللعملية السياسية جديتها ومصداقيتها.
مبادرة عاجلة: إنقاذ المؤسسة قبل فوات الأوان
في ضوء التطورات السياسية المتسارعة، يطلق عثمان مبادرة وصفها بالهامة والعاجلة. فاللحظة لم تعد تحتمل اختزال إرادة المجلس في موقف تيار أو كتلة أو رئاسة. فالمجلس ملك لأعضائه جميعاً، ولا يجوز أن تتحول الخلافات السياسية إلى إقصاء أو تعطيل لحق الأعضاء في المشاركة.
وانطلاقاً من المادة 73 من النظام الداخلي، يدعو الأعضاء ممن يرون أن الخلل أصبح مؤسسياً إلى الالتقاء حول مبادرة تقوم على إعادة الاعتبار للنظام الداخلي كإطار منظم لعمل المجلس، ومراجعة أحكامه ومواءمتها مع الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي، وإعادة فتح النقاش في المواقف والقضايا الوطنية الكبرى في إطار مشاركة مؤسسية أوسع، وحماية الحقوق المالية والإدارية والمؤسسية لجميع الأعضاء باعتبارها حقوقاً تترتب على العضوية وليست امتيازاً تمنحه جهة لأخرى.
ويؤكد عثمان أن هذه المبادرة لا تستهدف إنشاء جسم مواز ينازع المجلس القائم اختصاصاته، وإنما هي دعوة جادة إلى تصحيح مساره واستعادة المؤسسة إلى أعضائها ولائحتها وفتح المجال أمام استخدام الأدوات التي يتيحها النظام الداخلي متى توافرت شروطه.
ويدعو الكتل والأعضاء إلى عرض المبادرة ومناقشتها واعتمادها في أسرع وقت ممكن، وقبل جلسة مجلس الأمن المزمع عقدها في 14 أكتوبر 2026 للاستماع إلى إحاطة المبعوثة الأممية، بما يتيح للمجلس أن يدخل هذه المرحلة بموقف مؤسسي أكثر تماسكاً.
التعليم: حين يصبح الطالب رهينة للصراعات
وفي ملف لا يقل أهمية عن السياسة، يسلط عثمان الضوء على المشهد التعليمي المتأزم. فبينما تعلن النقابة العامة للمعلمين استئناف الدراسة ورفع الاعتصام، ترد مواقف من المعلمين باستمرار الاعتصام. وبين هذا الموقف وذاك، تبقى المدارس والطلاب في حالة من عدم اليقين.
والحكومة مطالبة بتسوية حقوق المعلمين بوضوح والتزام، والمعلمون مطالبون بحماية حقهم المشروع دون أن يتحول الطالب إلى طرف في النزاع. أما الطالب، فليس له نقابة تفاوض باسمه، ولا يملك وسيلة ضغط؛ لكنه يملك حقاً لا يقل عن حقوق الجميع، وهو حقه في التعليم.
ويقترح عثمان اتفاقاً واضحاً ومعلناً: يعود الطلاب إلى مدارسهم، وتستكمل في الوقت نفسه مفاوضات المعلمين ضمن جدول زمني ملزم لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
درس الكلمات الجميلة: من تكالة إلى الصالحين
وفي لفتة بالغة الدلالة، يستحضر عثمان تجربة سابقة مع المجلس الأعلى للدولة، حين انتخب محمد تكالة رئيساً له عام 2023، وقال كلمة حملت المعاني ذاتها تقريباً من التوافق واحترام الدستور والحوار والمصالحة. ثم مضت الأيام والسنون، ولم يكن ما جرى لاحقاً مطابقاً لما قيل في تلك المناسبة.
ويتعلم عثمان درساً بسيطاً: إن الكلمات الأولى بعد الانتخاب لا تكشف بالضرورة عما ستفعله المؤسسة؛ فالذي يكشف ذلك هو ما يأتي بعدها من مواقف وقرارات وممارسة. وهذا الدرس ينطبق اليوم على رئيس مجلس النواب الجديد، دون حكم مسبق، ودون انتقاص من قيمة كلمته.
مؤسسة تبحث عن شرعيتها الضائعة
ما يكشفه عثمان هو صورة مؤسسة تعاني من أزمة شرعية عميقة. فالمجلس الذي يفترض أن يكون صوت الليبيين في العملية السياسية، يجد نفسه أسيراً لصراعات داخلية حول النصاب والتمثيل والحقوق. والمواطن الليبي المكلوم، الذي ينتظر حلولاً لأزماته المعيشية والأمنية والتعليمية، يجد نفسه بعيداً عن أولويات مؤسساته التي يفترض أن تمثله.
وربما يكون الدرس الأهم الذي يقدمه عثمان هو أن المؤسسات لا تُبنى بالنصوص وحدها، بل بالممارسة والالتزام بالمعايير ذاتها التي تطالب بها الآخرين. فالمشاركة المؤسسية ليست شعاراً يرفع في وجه الخصوم، بل التزاماً يجب أن تسري أحكامه على الجميع، داخلياً وخارجياً، وإلا تحولت المؤسسة إلى مجرد غلاف فارغ يبحث عن شرعية ضائعة بين نصاب إجرائي وكلمات جميلة لا يصدقها الواقع.



