ليبيا

3 ثقوب سوداء تبتلع ثروات الليبيين.. وحكومة الدبيبة تترك فاتورتها للمواطن المكلوم

اقتصاد ليبيا بين مطرقة "الثقوب السوداء" وسندان الفقر المدقع: حكومة الدبيبة تختتم ولايتها بفواتير يدفعها المواطن المكلوم

ليبيا 24

الفقر المدقع يطرق أبواب الأسر الليبية: حين يصبح المواطن ضحية بين خط الفقر وثقوب الفساد

في بلد يسبح على بحر من الذهب الأسود، بات السؤال الذي يطارد الشارع الليبي بسيطًا وموجعًا في آن: كيف يعيش مواطن في دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي في القارة الأفريقية على أقل من ثلاثة دولارات في اليوم؟

هذا ليس سؤالًا نظريًا، بل هو الواقع الذي يفرض نفسه على ملايين الليبيين الذين يشاهدون ثرواتهم تتبخر عبر ثلاث ثقوب سوداء، بينما تتآكل قدرتهم الشرائية يوماً بعد يوم، في ظل حكومة منتهية الولاية تواصل إدارة المشهد المالي دون رقيب أو حسيب.

خط الفقر المدقع: رقم إحصائي أم حكم بالإعدام المعيشي؟

منذ يونيو 2025، أصبح خط الفقر المدقع الدولي الذي يعتمده البنك الدولي في قياس الفقر ومتابعة هدف الأمم المتحدة للقضاء على الفقر المدقع هو ثلاثة دولارات للفرد يوميًا بدلًا من 2.15 دولار وفق المعيار السابق.

وبالحساب المجرد، يعادل ذلك 450 دولارًا شهريًا لأسرة تتكون من خمسة أفراد. لكن الأهم — وهذا هو جوهر المأساة — أن هذا المبلغ ليس ميزانية معيشة، ولا هو مبلغ تقول الأمم المتحدة أو البنك الدولي إنه يكفي الأسرة لتوفير احتياجاتها لحياة كريمة.

إنه فقط عتبة إحصائية لقياس الفقر المدقع، ولا يعني أن الأسرة تستطيع بهذا المبلغ توفير الغذاء والسكن والملابس والرعاية الصحية والتعليم والكهرباء والمياه والنقل بصورة كافية.

وتزداد الصورة قتامة عندما ندرك أن البنك الدولي صنّف ليبيا ضمن الدول متوسطة الدخل العليا، مما يُطبق عليها خط فقر أعلى يبلغ 6.85 دولار للفرد يوميًا، أي نحو 1315 دينارًا شهريًا.

وإذا كان هذا الدخل مخصصًا لأسرة تعول أربعة أو خمسة أفراد، فإنه يضعها تحت خط الفقر.

والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، إذ كشفت دراسة ميدانية للبنك الدولي أن مناطق مثل تازربو في الجنوب الليبي تعاني من معدلات فقر تصل إلى نحو 80%، تليها درنة والجغبوب بنسبة 70%، بينما يعيش 29% من السكان على أقل من ثلاثة دولارات يوميًا، و13% من الأسر تبيع ممتلكاتها لتغطية احتياجاتها المالية، و35% منها غارقة في الديون لشراء الغذاء.

والسؤال الذي يطرحه الخبير الاقتصادي إدريس الشريف يبدو مشروعًا وأكثر من ضروري: كم عدد الأسر الليبية التي تقع أسفل هذا الخط اليوم؟

الإجابة، بكل مرارة، تتضح من خلال المعطيات التي تؤكد أن الفقراء في ليبيا ليسوا أقلية، بل هم شريحة متسعة تتآكل أرصدتهم وقوتهم الشرائية يومًا بعد يوم، في ظل سياسات اقتصادية لا تراعي أبسط معايير العدالة الاجتماعية.

الثقوب السوداء الثلاثة: حين تتسرب الثروة قبل أن تصل إلى الخزانة

المفارقة الكبرى في المشهد الاقتصادي الليبي ليست في قلة الموارد، بل في الطريقة التي تتبخر بها هذه الموارد قبل أن تصل إلى المواطن.

الخبير الاقتصادي إدريس الشريف، أستاذ الاقتصاد بالجامعات الليبية، يقدّم تشخيصًا وصفه كثيرون بالصادم، حين يقول إن المال العام في ليبيا يتعرض لتسرب كبير عبر ثلاث مراحل وصفها بـ”الثقوب السوداء”، تبدأ من الإيرادات قبل وصولها إلى الخزانة العامة، وتمتد إلى استخدام النقد الأجنبي، وصولًا إلى الإنفاق العام.

الثقب الأول، وهو الأكبر بحسب توصيف الشريف، يبتلع جزءًا كبيرًا من الإيرادات من المنبع وقبل وصولها إلى حسابات الخزانة بالمركزي، وتحديدًا في قطاعات النفط والاتصالات والاستثمارات.

أما الثقب الثاني، فيبتلع جزءًا مهمًا مما تبقى من الدولارات بعد وصولها إلى المصرف المركزي عبر الاعتمادات الوهمية. في حين يبتلع الثقب الثالث جزءًا هامًا من الدينارات بعد تحويل الإيرادات إلى إنفاق محلي عبر الإنفاق العام المنفلت من قيود الميزانية.

وباختصار يوجزه الشريف بوضوح: يتسرب جزء كبير من ثروة البلد في ثلاث مراحل؛ من المنبع عند استخراجها وتحصيل عوائدها، وعند استخدام الدولار بعد تحويل ما يقابله من دينارات إلى الخزانة العامة، ثم عند إنفاق هذه الأموال على الأبواب المختلفة.

هذه الثقوب معروفة لدى الجهات المعنية، وسدها ومكافحة التسرب والهدر فيها بالتوازي مع وضع جدول مرتبات عادل ومدروس، كفيلان بتوفير موارد تسمح بزيادة مرتبات الفئات المغبونة كالتعليم والصحة، دون الحاجة إلى تعديل جديد في سعر الصرف يتحمل تكلفته المواطن.

وهذا التشخيص يضع حكومة الوحدة الوطنية المنتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في مواجهة مباشرة مع أرقام تتحدث عن نفسها.

فحجم الإنفاق العام خلال السنوات الخمس الماضية تجاوز 500 مليار دينار، وهو رقم يطرح علامات استفهام خطيرة حول أوجه الصرف ونتائجه الفعلية، في ظل غياب مشاريع ملموسة تعود بالنفع المباشر على المواطنين، وانتشار شبهات تتعلق بسوء الإدارة واستغلال المال العام لأغراض ضيقة.

المواطن يدفع الفاتورة مرتين: انهيار الدينار وتآكل الأجور

بين ثقوب الفساد الثلاثة التي تبتلع الثروة، وارتفاع تكاليف المعيشة، يقف المواطن الليبي في مواجهة حقيقية مع تدهور مستمر في مستوى معيشته.

فقد خفض مصرف ليبيا المركزي سعر صرف الدينار مرتين، بنسبة 13.3% في إبريل 2025 و14.7% في يناير 2026، مما يعني خسارة مباشرة في القيمة الحقيقية لأي مدخرات محتفظ بها بالعملة المحلية. وهذه القرارات، التي تُتخذ دون حسابات دقيقة لتأثيرها على المواطن، جعلت الأسر الليبية تدفع ثمن السياسات النقدية من قوت أبنائها.

وتكشف الأرقام حجم المأساة بوضوح: يبلغ الحد الأدنى القانوني للأجور في ليبيا 1,000 دينار شهريًا، فيما تبلغ المعاشات الدنيا للمتقاعدين نحو 900 دينار، وهو مبلغ يعادل نحو 100 دولار شهريًا، أي ما يقارب 3.3 دولارات يوميًا.

وهذا المستوى من الدخل يضع المتقاعد قريبًا جدًا من حدود الفقر المدقع، ولا سيما مع استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

وتأتي هذه الضغوط في وقت فقد فيه الدينار الليبي جزءًا من قيمته أمام العملات الأجنبية، مما دفع موظفين كثرًا إلى البحث عن أعمال إضافية لتغطية نفقات المعيشة المتزايدة.

فهناك من يبدأ يومه أمام تلاميذه وينهيه خلف مقود سيارة أجرة، أو في عمل بالقطاع الخاص، في محاولة لتأمين دخل إضافي لا يوفره راتبه وحده. وشهدت ليبيا تحركات واعتصامات من المعلمين والعاملين في قطاع الصحة للمطالبة بتحسين الرواتب، في ظل تراجع قيمة الدينار وارتفاع تكاليف السلع والخدمات.

ويشير المحللون إلى أن المشكلة تتعلق بضعف الإنتاجية والاعتماد على الإنفاق النفطي، حيث لا تعني زيادة الأجور تحسنًا في المعيشة إذا تزامنت مع ارتفاع الأسعار.

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الكبير: كيف يمكن لحكومة أن تطلب من مواطنيها التحلي بالصبر بينما هي تغض الطرف عن ثقوب الفساد التي تبتلع ثرواتهم؟

دعم المحروقات: خط الدفاع الأخير

في خضم هذه الأزمة، يبقى دعم المحروقات خط الدفاع الأخير للمواطن الليبي، حسبما يؤكد خبراء الاقتصاد. فهذا الدعم، رغم كلفته الباهظة على الخزانة العامة، لا يزال يمثل طوق النجاة الوحيد للفئات الأكثر فقرًا التي لا تستطيع تحمل تكاليف النقل والتدفئة والطهي بالأسعار العالمية.

وأي مساس بهذا الدعم دون بدائل حقيقية سيكون بمثابة حكم بالإعدام على ملايين الأسر التي بالكاد تستطيع تأمين قوت يومها.

إلى متى يبقى المواطن كبش فداء؟

المشهد الاقتصادي في ليبيا اليوم يضع المواطن في مواجهة مباشرة مع سؤال وجودي: هل يستحق هذا الشعب، الذي يمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم، أن يعيش تحت خط الفقر المدقع؟

الإجابة تكمن في قرار سياسي واقتصادي واجب التنفيذ: سد الثقوب السوداء الثلاثة، ووقف الهدر، ومحاسبة المسؤولين عن تسرب المال العام، ووضع جدول مرتبات عادل يكفل حياة كريمة للمعلمين والأطباء والمتقاعدين. هذه ليست مطالب رفاهية، بل هي حقوق أساسية يضمنها أي نظام اقتصادي عادل.

والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن حكومة منتهية الولاية تواصل إدارة المشهد المالي دون شرعية انتخابية ودون رقابة حقيقية، هي حكومة تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية عن كل دينار تسرب، وعن كل أسرة انزلقت تحت خط الفقر المدقع.

الوقت ينفد، والمواطن الليبي — بعد سنوات من الانتظار — لم يعد يتحمل المزيد من الوعود، وهو يطالب بحقه في العيش الكريم، لا في البقاء على قيد الحياة فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى