ليبيا

عصر يفضح اقتصاد الفوضى: علاوة التمييز بين حق الموظف ونهب المال العام في ليبيا

وزير الاقتصاد السابق يطرح خارطة إنقاذ: مجلس تشريعات اقتصادية ومؤسسة توريد حقيقية لإنهاء أزمة الدولار

ليبيا 24

عصر من قلب المعاناة الليبية: لا حلول نقدية بمعزل عن إرادة سياسية حقيقية

في وقتٍ تتكدس فيه ملفات الأزمة الاقتصادية الليبية فوق طاولة حكومة انتهت ولايتها منذ زمن، يطل منير علي عصر، وزير الاقتصاد والصناعة السابق، عبر صفحته على فيسبوك، ليس بخطاب المسؤول السابق، بل بضمير الموظف الليلي الذي ينتظر راتبه، والأب الذي يبحث عن دواء لأبنائه، والمواطن الذي يراقب الدينار يتراجع أمام الدولار كل صباح.

حديث عصر لم يكن مجرد مقترحات نظرية، بل كان صرخة تحذير من تكرار أخطاء الماضي، ومن تحويل ملف المرتبات والعلاوات إلى مسرح للتفاوت والفساد.

علاوة التمييز: عندما تصبح العدالة باباً للنهب

انطلق عصر من سؤال جوهري: كيف نحمي الموظف الذي يعمل في ظروف استثنائية من دون أن نفتح باباً لا يُغلق أمام فاتورة المرتبات؟ وقال بوضوح إنه لا يجوز تحريم الموظف من حقه، ولا يجوز أن تتحول علاوة التمييز إلى “باب مفتوح” يعيد إنتاج التفاوت بين المؤسسات.

وطرح نظاماً يستند إلى الوظيفة الفعلية لا المسمى الوظيفي، مع معايير واضحة: خطورة العمل، ندرة التخصص، العمل في مناطق نائية، المناوبات، حجم المسؤولية، والحاجة الوطنية. وشدد على ضرورة وضع سقف محدد للعلاوة يُدرس مالياً وإدارياً، بنسب متدرجة، قابلة للمراجعة وفق الظروف المالية للدولة، لا حقاً ثابتاً بمعزل عن الأسباب.

وحذر عصر من أن الموظف في مكتب إداري لا يمكن أن يُعامل كمن يؤدي العمل ذاته في بيئة خطرة أو منشأة استراتيجية، مؤكداً أن العدالة ليست في منح الجميع النسبة ذاتها، بل في إعطاء كل حالة ما تستحقه وفق معيار واضح.

واقترح احتساب العلاوة من الراتب الأساسي فقط، مع ربطها باستمرار سببها، ومراجعة النظام كل ثلاث سنوات، وإعداد دراسة مالية قبل أي قرار توضح عدد المستفيدين ومتوسط العلاوة والتكلفة السنوية وأثرها على التضخم والإنفاق العام.

الفخ القديم: جدول مرتبات موحد بعشرات البدلات

وحذر الوزير السابق من تكرار خطأ قديم: أن نعالج تفاوت المرتبات بعلاوات كثيرة، ثم نكتشف بعد سنوات أن جدول المرتبات الموحد أصبح مجرد عنوان، بينما الفروق الحقيقية انتقلت إلى عشرات البدلات.

وشدد على أن المال العام حق للمواطن، والراتب حق للموظف، وحسن إدارة المال العام مسؤولية الدولة. وقال: “لا نريد إلغاء التمييز لمن يستحقه، ولا نريد فتح باب التمييز لمن لا يستحقه”.

أزمة الدولار: الحل ليس في البنك المركزي وحده

انتقل عصر إلى الجرح الأعمق: أزمة البنك المركزي والطلب على الدولار للأغراض التجارية للسلع الأساسية. وطرح حلماً عملياً: إنشاء مؤسسة حقيقية لتوريد السلع الأساسية، بعدد محدود من العاملين، بأنظمة إلكترونية حديثة، تحدد عدد السكان وأرقامهم الوطنية ومحل إقامتهم والاحتياج الفعلي لكل فرد.

وتكون الشراء عبر مناقصة عالمية معلنة، والاستفادة من خصم الجملة والشراء وفق البورصة العالمية وبموسم الإنتاج.

وتباع السلع بسعر التكلفة الحقيقية لأنها ليست سلعاً ربحية. ومن يريد المتاجرة والربح فعليه بالسلع الكمالية والترفيهية.

السياسة النقدية وحدها لا تكفي

وحسم عصر موقفه: لا يمكن للسياسة النقدية وحدها أن تعيد للدينار قوته. يجب وجود مجلس تشريعات يضم السياسة النقدية والمالية والتجارية، وتنبثق منه سياسات أخرى للاستثمار والتوظيف والنفط والتصنيع.
فالسياسة النقدية لوحدها لن تجدي نفعاً ملموساً على المدى القريب والمتوسط والبعيد.

رسالة من قلب الألم

في نهاية حديثه، لم يخفِ عصر حجم المأساة: “الحل في ليبيا لمشكلة البنك المركزي والطلب على الدولار ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إرادة سياسية حقيقية، لا حكومة انتهت ولايتها وتتسول الشرعية من الخارج”.

وبدا واضحاً أن الرجل يتحدث من موقع المسؤولية الأخلاقية، لا من موقع الحملات الانتخابية.

رسالته إلى المواطن الليبي المكلوم: “موظف يأخذ حقه… ودولة لا تحمل نفسها ما لا تستطيع تحمله”. هذه هي المعادلة التي يجب أن تحكم إصلاح المرتبات في ليبيا، وهذا هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما تبقى من اقتصاد يلفظ أنفاسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى