ليبيا

مجلس النواب يطوي صفحة الجمود: هيئة رئاسة جديدة تقود معركة التشريع والرقابة نحو الانتخابات

عام واحد فقط: رئاسة مجلس النواب تضع الانتخابات والمصالحة ومكافحة الفساد على رأس أولوياتها

ليبيا 24

نقاش داخل مجلس النواب: هل يفتح تغيير الرئاسة طريق الانتخابات أم يعيد ترتيب النفوذ؟

حين تتحول التصريحات إلى طاولة حوار واحدة

في مشهد سياسي يبدو وكأنه جلسة نقاش مفتوحة بين نواب ومحللين، تتداخل التصريحات حول انتخاب هيئة رئاسة جديدة لمجلس النواب الليبي بقيادة الصالحين عبدالنبي، لتكشف عن اتفاق ضمني على أن التغيير خطوة ضرورية، واختلاف في تقدير ما إذا كانت كافية لإنهاء الأزمة.

فبين من يرى فيها بوابة للانتخابات، ومن يحذر من أن تبقى حبيسة إعادة توزيع النفوذ، تتشكل صورة المرحلة المقبلة التي ينتظرها المواطن الليبي بقلق وأمل.

الشرعية والإجراءات: اتفاق على أن المؤسسة لا تُختزل في الأشخاص

يبدأ النقاش من نقطة يكاد يجمع عليها المتحدثون: أن مجلس النواب مؤسسة دائمة لا ترتبط بأشخاص. هنا يوضح عضو المجلس صالح افحيمة أن البرلمان “مؤسسة لا تعتمد على أشخاص ولا توجد مراسم تسليم واستلام عند انتخاب رئيس له”، مشيرًا إلى أن الرئاسة السابقة لم تلتزم باللائحة الداخلية في عقد الجلسات الدورية. ويضيف أن الجلسة الأخيرة كانت مكتملة النصاب وقانونية بحضور مئة واثني عشر نائبًا من أصل نحو مئة وأربعة وخمسين.

ويجد هذا الطرح سندًا حقوقيًا لدى الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الإنسان بليبيا، الدكتور عبدالمنعم الحر، الذي يؤكد أنه “لا توجد نصوص دستورية أو قانونية تمنح حصانة دائمة لشخص الرئاسة ضد التغيير أو الإقالة”، معتبرًا أن فتح باب الاقتراع واختيار قيادة جديدة “يعزز المساءلة البرلمانية ويعيد الحيوية للمؤسسة التشريعية بعد سنوات من الجمود”.

وهنا يتقاطع الرأيان في أن التغيير ليس انقلابًا على المؤسسة، بل تصحيح لمسارها، وهو ما يرد عليه افحيمة بالتشديد على أن المجلس “مستمر في العمل بالآلية السابقة”، وأن ملف المرتبات يتصدر أولويات الجلسة الأولى، وأن “الحسم سيكون بالتصويت في جلسة رسمية” بشأن مخرجات اللجنة المشتركة.

الأولويات التشريعية والرقابية: من النصوص إلى حياة المواطن

لكن السؤال الذي ينتقل إليه النقاش هو: ماذا يعني هذا التغيير للمواطن الليبي؟ هنا يربط عضو المجلس إسماعيل الشريف بين انتخاب هيئة الرئاسة وبين “تحريك الملفات التشريعية والرقابية، ومراجعة القوانين ذات الأولوية، خاصة المتعلقة بالصحة والتعليم والأمن القومي والقطاعات الحيوية”.

ولا يتوقف عند النصوص، بل يذهب إلى أن “المرحلة المقبلة ستشهد عقد جلسات لمجلس النواب في عدد من المدن بمناطق الوسط والجنوب والغرب”، في خطوة يراها وسيلة “لتعزيز التواصل مع المواطنين والوقوف بشكل مباشر على احتياجات هذه المناطق”.

ويستكمل عضو المجلس علي الصول هذه الصورة من زاوية مختلفة، فيؤكد أن “المجلس متماسك ولن يشهد أي انقسام”، وأن هيئة الرئاسة الجديدة تسعى إلى “الوصول إلى مرحلة من الاستقرار وإجراء الانتخابات في ظل سلطة تنفيذية ومؤسسات موحدة”.

وهنا يظهر الخيط الرابط بين الرؤيتين: فالتشريع والرقابة ليسا غاية بذاتهما، بل وسيلة لتوحيد المؤسسات وتحسين حياة المواطن.

ويضيف الصول أن هيئة الرئاسة “ستشرع في إعادة تشكيل عدد من اللجان، من بينها اللجان المعنية بملفي المصالحة الوطنية ومكافحة الفساد”، في إشارة إلى أن الأولويات ليست فقط خدمية، بل تمتد إلى معالجة جذور الأزمة.

الانتخابات: بين من يراها قريبة ومن يخشى التأجيل

عند هذا الحد، ينتقل النقاش إلى القضية الأكثر حساسية: الانتخابات. هنا يبرز رأي رئيس لجنة الأمن القومي السابق في المؤتمر الوطني، عبدالمنعم اليسير، الذي يرى أن انتخاب الرئاسة الجديدة “يمكن أن يسهم في تهيئة الظروف التشريعية والسياسية لإجراء الانتخابات، إذا جعلت القيادة الجديدة من أولوياتها الذهاب إلى الانتخابات دون تأخير”.

ويشدد على أنه “لا يرى ضرورة لإعادة فتح النقاش التشريعي بصورة تؤدي إلى تأجيل الانتخابات مجددًا”، داعيًا إلى “الانطلاق من قوانين ألفين وواحد وعشرين وتمكين المفوضية من تنفيذ الانتخابات”.

لكن اليسير لا يكتفي بالتمني، بل يضع اختبارًا عمليًا: “الاختبار الأول يتمثل في اتخاذ خطوات ملموسة نحو الانتخابات، بالتنسيق مع المفوضية، دون إعادة إنتاج حلقات التفاوض والتأجيل”.

وهنا يتقاطع معه المحلل السياسي معتز بلعيد، الذي يرى أن انتخاب عبدالنبي “جاء في توقيت مناسب، خاصة في ظل المقترح الأمريكي القائم حاليًا”، وأنه “يسهم بشكل كبير في تهيئة الظروف التشريعية والسياسية لإجراء الانتخابات”.

لكن بلعيد يضيف بُعدًا آخر، فيشير إلى أن “الاختبار الأول أمام رئاسة المجلس الجديدة قد يتمثل في مساعي بعض النواب لعقد جلسة للبرلمان في طرابلس”، مستبعدًا نجاحها “في ظل تصويت غالبية النواب خلال الجلسة الماضية، إلى جانب وجود قبول شعبي ومحلي وإقليمي واسع بالرئاسة الجديدة”.

التوازنات السياسية: بين الفرصة الحقيقية وإعادة توزيع النفوذ

لكن ليس كل المتحدثين يرون الصورة بهذا التفاؤل المطلق. هنا يبرز رأي الخبير والمحلل السياسي عصام التاجوري، الذي يعتبر أن انتخاب الرئاسة الجديدة “لا يمثل مجرد تغيير في قيادة المؤسسة التشريعية، بل يعد مؤشرًا على بداية مرحلة مختلفة في إدارة التوازنات السياسية”.

ويضع التاجوري معيارًا صارمًا للحكم على هذه المرحلة: “قيمة هذه الخطوة لن تتحدد بمن انتُخب رئيسًا للمجلس بقدر ما ستتحدد بما سيأتي بعدها”.

ويحذر من أن “بقاء التغيير محصورًا في إعادة توزيع النفوذ داخل مجلس النواب سيجعل تأثيره محدودًا في نطاق المؤسسة نفسها”.

وهنا يتقاطع التاجوري مع اليسير في نقطة جوهرية: أن العبرة بالأفعال لا التصريحات.

فبينما يؤكد اليسير أن “جدية الالتزام بالانتخابات تظهر في قبول منافسة عادلة ونتائج يقررها الليبيون”، يشدد التاجوري على أن “المرحلة المقبلة تتطلب مراقبة الأفعال وليس التصريحات”، متسائلًا: “من سيتحرك باتجاه من، وكيف ستتعامل الرئاسة الجديدة مع مجلس الدولة والبعثة الأممية وبقية مراكز القوة في المشهد الليبي”.

دور المجلس المنتخب: أفضلية ديمقراطية ومسؤولية مضاعفة

في خضم هذا النقاش، يذكّر بلعيد بموقع مجلس النواب الخاص بين مؤسسات الدولة، فيقول إن المجلس “يمتلك دورًا مهمًا في المرحلة الحالية، خاصة فيما يتعلق بالتشريعات ومسار الحوار السياسي، باعتباره المجلس المنتخب الوحيد بين الأجسام الموجودة على طاولة الحوار”.

ويضيف أن “صفة المجلس المنتخب تمنحه أفضلية، كونه جاء عبر انتخابات”. لكن هذه الأفضلية، كما يوضح اليسير، تفرض مسؤولية مضاعفة: “على مجلس النواب خلال الأشهر المقبلة أن يعمل فورًا على تمكين المفوضية من إجراء الانتخابات وفق قوانين ألفين وواحد وعشرين، وتوفير التمويل اللازم، ودعم إجراءات حماية الناخبين والمرشحين ومراكز الاقتراع، وضمان استقلال الفصل في الطعون”.

وهنا يلتقي الجميع عند نقطة واحدة: أن الإطار الزمني “يجب أن يكون التزامًا بالإنجاز وليس مبررًا للانتظار”، كما يقول اليسير، الذي يلخص موقفه بوضوح: “فتح المجال أمام الجميع، وترك القرار للشعب الليبي، وحماية اختياره من سلطة السلاح والمال والنفوذ، ثم احترام النتائج وتسليم السلطة”.

المواطن الليبي بين الأمل والحذر

في المحصلة، يكشف هذا النقاش المتداخل أن انتخاب هيئة رئاسة جديدة لمجلس النواب الليبي ليس نهاية المطاف، بل بدايته.

فبين افحيمة الذي يؤكد شرعية الإجراءات، والحر الذي يرى في التغيير تجسيدًا للمساءلة، والشريف الذي يربط التشريع باحتياجات المواطن، والصول الذي يطمئن إلى تماسك المجلس، واليسير الذي يضع الانتخابات اختبارًا أوليًا، وبلعيد الذي يراهن على التوقيت الإقليمي، والتاجوري الذي يحذر من الاقتصار على إعادة توزيع النفوذ، تتشكل صورة مركبة لمرحلة مفصلية.

والمواطن الليبي، الذي طالما انتظر لحظة الاستقرار، يتابع هذا النقاش بأمل حذر. فهو يدرك أن التغيير الحقيقي لا يقاس بتبدل الوجوه، بل بتحسن الخدمات، وتوفر الأمن، وانتصاف العدالة، وفتح الطريق أمام اختيار شعبي حر. وهذا هو المقياس الذي ستُحاسب عليه كل القيادات، داخل مجلس النواب وخارجه، في الأشهر المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى