ليبيا

توحيد المرتبات في ليبيا.. جدل قانوني وتحذيرات من إصلاح منقوص

خبراء: عدالة الأجور تتطلب تشريعًا واضحًا وإصلاحًا شاملًا لإدارة المال العام

يفتح قرار توحيد جدول المرتبات في ليبيا الباب أمام تساؤلات قانونية ومالية تتجاوز إعادة تنظيم الأجور، وسط تحذيرات من المساس بالحقوق الوظيفية بقرارات تنفيذية، ومطالبات بإصلاح أوسع يعالج اختلالات إدارة الدولة والإنفاق العام.

توحيد المرتبات بين ضرورة معالجة التشوهات القائمة ومخاوف تجاوز الأطر القانونية

يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي حلمي القماطي أن توحيد جدول المرتبات يمثل ضرورة لمعالجة التفاوتات الكبيرة في منظومة الأجور، لكنه شدد على أن الإصلاح لا ينبغي أن يأتي على حساب الحقوق التي كفلتها التشريعات، معتبرًا أن قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 474 لسنة 2026 يثير تساؤلات بشأن مشروعيته وآليات تطبيقه.

القماطي: إصلاح منظومة الأجور يجب أن يستند إلى قانون واضح ولا ينتقص من الحقوق بقرار إداري.

وأوضح القماطي أن القرار يتضمن إشكالية تتعلق بتوقيت نفاذه، إذ تنص مادته الرابعة على عرضه على مجلس الوزراء في اجتماعه المقبل للاعتماد، بينما تنص المادة الخامسة على العمل به من تاريخ صدوره في السادس من أكتوبر، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى استكمال إجراءات اعتماده قبل بدء سريانه.

وتتعلق الإشكالية الأبرز بالمادة الثالثة التي تقضي بإلغاء القرارات واللوائح الخاصة بجداول المرتبات، بما يشمل علاوات التمييز والمزايا المالية المرتبطة بها. ويرى القماطي أن مدى جواز إلغاء هذه الحقوق يتوقف على أساسها التشريعي، مشيرًا إلى المادة 142 من قانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010، التي يستند إليها في التأكيد على حماية الحقوق الوظيفية المقررة قانونًا.

القماطي: تعديل المرتبات والمزايا الوظيفية يحتاج إلى مسار تشريعي يحسم الاختصاصات ويحمي الحقوق القائمة.

وبحسب هذا الطرح، فإن التحدي لا يقتصر على اعتماد جدول موحد، بل يمتد إلى تحديد الجهة المختصة بتعديل الحقوق والمزايا المالية، والفصل بين الصلاحيات التنفيذية والتشريعية. ويطرح القماطي إعداد مشروع قانون متكامل للمرتبات والمزايا الوظيفية وإحالته إلى السلطة التشريعية باعتباره مسارًا يتيح مراجعة المنظومة بصورة شاملة، مع مراعاة طبيعة الوظائف والمسؤوليات والتخصص والخبرة والظروف الاقتصادية.

وفي المقابل، يذهب المحلل السياسي زياد حبيب إلى أن توحيد جداول المرتبات، حتى مع أهميته التنظيمية، لا يكفي بمفرده لمعالجة الأزمة الاقتصادية والمالية، محذرًا من اختزال المشكلات الهيكلية في إجراء يتعلق بالأجور، بينما تظل الاختلالات المرتبطة بإدارة الدولة والإنفاق العام والرقابة على الموارد قائمة.

زياد حبيب: توحيد المرتبات لا يحل الأزمة الاقتصادية ما لم يصاحبه إصلاح أوسع لإدارة الدولة والمال العام.

ودعا حبيب إلى مراجعة سياسات التعيين في الوظائف العامة، والحد من المحاصصة والمحسوبية، واعتماد الكفاءة والمهنية معيارًا لشغل المناصب. كما طالب بضمان خضوع مؤسسات الدولة لسلطة رسمية موحدة، والحد من تغول التشكيلات المسلحة على مؤسساتها، إلى جانب مراجعة التعاقدات والتكليفات بما يعزز الشفافية والرقابة والمصلحة العامة.

وامتدت مقترحاته إلى مراجعة حجم البعثات والسفارات والتمثيل الدبلوماسي بما يتناسب مع احتياجات الدولة وقدرتها المالية، مع ترشيد الإنفاق العام وإخضاع العقود والمرتبات لمعايير المساءلة والرقابة.

حبيب: الإصلاح المالي يتطلب ضبط الإنفاق والتعيينات والتعاقدات وتعزيز الشفافية والمساءلة.

وتعكس الرؤيتان اختلافًا في زاوية معالجة الملف، مع التقائهما عند ضرورة تجاوز الحلول الجزئية. فبينما يركز القماطي على سلامة المسار القانوني وحماية الحقوق الوظيفية عند توحيد الأجور، يشدد حبيب على أن استدامة أي إصلاح ترتبط بمعالجة أوجه الخلل في إدارة الموارد والمؤسسات العامة.

وبذلك، يبقى نجاح توحيد المرتبات مرتبطًا بقدرته على تحقيق العدالة بين الموظفين دون خلق نزاعات قانونية جديدة، وبمدى اقترانه بإصلاح مالي وإداري يحد من الهدر ويعزز كفاءة الإنفاق. فالمعيار ليس إصدار جدول موحد فحسب، بل بناء منظومة أجور عادلة ومستقرة تستند إلى تشريع واضح، وتعمل ضمن مؤسسات خاضعة للرقابة والمساءلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى