طرابلس تحت حصار السيول.. وفيات صعقًا وغرقًا ونداءات استغاثة وسط تساؤلات عن مصير 912 مليون دينار للتنمية
طرابلس تغرق.. وحكومة الدبيبة تكتفي بالمشاهدة: مواطنون يموتون صعقاً وغرقاً بينما 912 مليون دينار تتبخر في "باب التنمية"
ليبيا 24
912.8 مليون دينار “للباب التنمية”.. وطرابلس تغرق: مفارقة مأساوية تكشف حجم الفشل والفساد في إدارة الدبيبة.. ومواطنون يدفعون الثمن أغلى الأرواح
طرابلس تحت الماء: عندما تصبح الكارثة شاهداً على فشل حكومة منتهية الولاية
في مشهد يختزل سنوات من الإهمال وسوء الإدارة، تحوّلت العاصمة الليبية طرابلس إلى مدينة منكوبة تغرق في مياه الأمطار، بينما يقف المواطن الليبي وحيداً يواجه مصيره وسط صمت رسمي مطبق من حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية الولاية.
لم تكن الأمطار الغزيرة مجرد ظاهرة جوية عابرة، بل كشفت عن هشاشة بنية تحتية لم تجد من يرممها رغم الأموال الطائلة التي أُنفقت تحت مسمى “باب التنمية”.
مشهد الكارثة: شوارع أنهار وعائلات محاصرة
منذ الساعات الأولى ليوم الثلاثاء، تحوّلت شوارع طرابلس الرئيسية إلى أنهار جارية. في سوق الجمعة، غمرت المياه السيارات والمنازل، وارتفع منسوب المياه حتى دخلت إلى البيوت في منطقة أولاد ذياب.
وفي بن عاشور، لم يجد السكان سوى مغادرة منازلهم بعد أن تحوّلت أزقتهم إلى برك آسنة.
في المدينة القديمة، غرق سوق المشير لبيع الذهب وصرف العملات، بينما تحوّل ملعب النهر بالمدينة الرياضية إلى بحيرة.
أما كلية التقنية الإلكترونية، فقد غرقت مبانيها بالكامل، في مشهد يطرح سؤالاً مريراً: أين ذهبت 912.8 مليون دينار أُنفقت على “باب التنمية” خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026؟
ضحايا وأرواح تُزهق تحت الماء
لم تتوقف الكارثة عند حدود الخسائر المادية. الهلال الأحمر الليبي فرع طرابلس انتشل جثمان مواطن ليبي توفي إثر صعقة كهربائية وسط مياه الأمطار بمصرف الجمهورية.
المواطن، الذي نعاه المصرف لاحقاً، كان في طريقه إلى عمله حين اخترقته الأسلاك المكشوفة التي غمرتها المياه.
مدير مكتب الإعلام بالهلال الأحمر فرع طرابلس، معاذ الزرقاني، لم يخفِ حجم المأساة: “انتشلنا جثة مواطن ليبي توفي إثر صعقة كهربائية وسط مياه الأمطار.
الشوارع مغلقة بسبب الأمطار والسيول، والوضع في طرابلس كارثي”. وحذّر المواطنين من الاقتراب من الأسلاك الكهربائية المكشوفة تجنباً لمخاطر مماثلة.
نداءات استغاثة من تحت المياه
في مناطق فشلوم والنوفليين وجامع الصقع وشارع الظل، وجدت عائلات كاملة نفسها محاصرة داخل منازلها.
نداءات الاستغاثة تتعالى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تنتظر هذه العائلات من ينقذها. بلدية عين زارة دعت المواطنين إلى البقاء في منازلهم وتجنب التنقل إلا للضرورة القصوى، بينما أعلنت بلدية سوق الجمعة أن المنطقة “منكوبة”.
المتحدث باسم مركز طب الطوارئ والدعم، مالك مرسيط، أكد جاهزية المركز للتعامل مع البلاغات، داعياً المواطنين إلى التواصل عبر الرقم 1412.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكفي جهود الإسعاف والطوارئ لتعويض سنوات من الإهمال؟
البنية التحتية تتهاوى: انهيارات أرضية ومجمعات صحية غارقة
انهيار أرضي بطريق جامعة طرابلس، وغرق المجمع الصحي الهاني بمياه الأمطار، ومصرف الجمهورية يعلن تعليق العمل في كافة فروعه بطرابلس.
هذه المشاهد ليست سوى فصل من مسلسل انهيار بنية تحتية لم تشهد أي تطوير حقيقي منذ سنوات.
رئاسة جامعة طرابلس أعلنت تعليق الدراسة، والهيئة العامة للأوقاف أصدرت رخصة شرعية للمصلين بالصلاة في منازلهم عند تعذر الوصول إلى المساجد.
الشركة العامة للكهرباء فصلت التغذية عن بعض المناطق كإجراء احترازي، لكن هذا الإجراء جاء متأخراً بعد أن فقد مواطن حياته.
الفساد الممنهج: أين ذهبت المليارات؟
في الوقت الذي تغرق فيه طرابلس، يتصاعد السؤال الأكثر إلحاحاً: أين ذهبت 912.8 مليون دينار أُنفقت على “باب التنمية” خلال ثمانية أشهر فقط؟
لماذا لم تشهد العاصمة أي مشاريع حقيقية لتصريف مياه الأمطار؟ لماذا تتكرر الكارثة ذاتها كل عام دون أي معالجة جذرية؟
حكومة الدبيبة، التي انتهت ولايتها منذ سنوات، تواصل التمسك بالسلطة بينما يعاني المواطن الليبي من أبسط حقوقه: بيئة آمنة وبنية تحتية تحميه من تقلبات الطبيعة. الأموال تُنفق، والوعود تُطلق، لكن النتيجة واحدة: طرابلس تغرق، والمواطن يدفع الثمن.
صمت مطبق ومأساة إنسانية متفاقمة
بينما تتعالى نداءات الاستغاثة من تحت المياه، يبدو أن الحكومة المنتهية الولاية اختارت الصمت.
لا خطة طوارئ واضحة، لا تحرك ميداني حقيقي، لا مساءلة. فقط بيانات متفرقة من هنا وهناك، بينما المواطن الليبي المكلوم ينتظر من ينقذه.
مؤسسة رؤية المواطنين دعت إلى توخي الحيطة والحذر، لكن التحذيرات وحدها لا تكفي. هيئة السلامة الوطنية خصصت أرقاماً للطوارئ، لكن الأرقام لا تجفف الشوارع ولا تعيد الحياة إلى من فقدها.
الطريق إلى الأمام: عندما يصبح التغيير ضرورة
ما حدث في طرابلس ليس مجرد كارثة طبيعية، بل نتيجة حتمية لسنوات من الفساد وسوء الإدارة. المواطن الليبي، الذي ضحى بالكثير من أجل وطنه، يستحق أكثر من هذا.
يستحق حكومة تضع حياته فوق كل اعتبار، وبنية تحتية تصمد أمام تقلبات الطبيعة، ومستقبلاً لا يغرق في المياه كلما هطل المطر.
المأساة التي تعيشها طرابلس اليوم هي دعوة مفتوحة لكل ليبي شريف للتحرك. لا يمكن أن يستمر هذا الوضع، ولا يمكن أن يبقى المواطن رهينة لحكومة فاشلة انتهت ولايتها منذ زمن.
ليبيا تستحق أفضل من هذا، وطرابلس تستحق أن تعود عاصمة تنبض بالحياة، لا مدينة تغرق في مياه الأمطار والإهمال.



