الدولار سلعة المحتكرين… ودرميش يفضح وهم سعر الصرف وغياب الدولة في ليبيا
خبير اقتصادي: ليبيا سوق احتكار قلة... وسعر الصرف وهمي وحكومة منتهية الولاية تترك المواطن وحده.
ليبيا 24
درميش: لا نمو ولا تنمية تحت احتكار القلة… والحل تأهيل الشباب وسياسة اقتصادية شاملة لا ضرائب ووعود.
في تصريحات جديدة، حذّر الدكتور محمد يوسف درميش، مشرف الملف الاقتصادي والاجتماعي سابقًا بالمركز القومي للدراسات والبحوث العلمية، من أن الاقتصاد الليبي يعيش حالة خطيرة من احتكار القلة، ومن أن سعر الدولار في السوق السوداء ليس سعرًا حقيقيًا، بل سعر وهمي يصنعه المحتكر كما يريد، في غياب تام لمؤسسات الدولة عن دورها في حماية المستهلك والاقتصاد الوطني.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواصل فيه حكومة عبد الحميد الدبيبة المنتهية الولاية إدارة المشهد بوعود متكررة، بينما يدفع المواطن الليبي المكلوم فاتورة القرارات الاقتصادية المتلاحقة وحده.
تطوير تنظيمي غائب وإدارة عامة بلا إصلاح
يؤكد درميش أن مسمى التطوير التنظيمي في كل المجالات العامة ضروري جدًا، لكنه لا وجود له نهائيًا في التنظيمات الإدارية في ليبيا، مشيرًا إلى أن هناك توصية قديمة تعود إلى بحث عن الإدارة العامة في الدولة الليبية سنة 2002، لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
وهنا تظهر مفارقة مؤلمة: دولة تملك الموارد، لكنها تفتقد الإدارة القادرة على تحويلها إلى حياة أفضل.
احتكار القلة… سعر وهمي وصفقات مؤجلة
يشدد الخبير الاقتصادي على أن سوق اقتصاد الدولة الليبية هو سوق احتكار قلة، متغول فيه المحتكر يضع سعر الدولار في السوق كما يريد، في غياب تام لمؤسسات الدولة كالبنك المركزي ووزارة الاقتصاد.
ويطالب كل الليبيين بأن يعرفوا أن سعر السوق ليس السعر الحقيقي، فهو وهمي لا يعبر عن الحقيقة، ويضعه المحتكر من أجل ضرب صفقات.
ويضيف أن الدولار جُعل سلعة خاصة بعد تخفيض قيمة الدينار عدة مرات، فأصبح لا يستطيع شراءه إلا القليل، في ظل غياب أدوات السياسة الاقتصادية الثلاث وعدم قيامها بدورها الحقيقي لحماية المواطن والاقتصاد الوطني، لكي يقطع السرطان من جذوره.
شباب ليبيا بين مشروعات فاشلة وتأهيل مهني
يرى درميش أن المشروعات الحقيقية للشباب هي التربية والتعليم والتأهيل المهني المخطط، وليست المشروعات الخاسرة والفاشلة.
ويخاطب المسؤولين بوضوح: كفاكم استخفافًا بالشباب. فالشاب الليبي لا يحتاج إلى وعود مؤقتة، بل إلى تكوين حقيقي يفتح له أبواب العمل والابتكار.
قرارات اقتصادية تطحن المواطن: الفقر والجريمة والطلاق
يدعو درميش مركز بحوث العلوم الاجتماعية إلى عمل دراسات حول تداعيات القرارات المتعلقة بالأمور الاقتصادية التي أدت إلى انخفاض مستوى دخل الفرد واستنزاف مدخراته، وآثارها على المجتمع، ومنها زيادة نسبة الفقر، مثل ضريبة الواردات، والضريبة على شراء العملة، وتوحيد سعر الصرف على سعر غير عادل. ويؤكد أن هذه القرارات زادت من كثرة الجريمة، وكثرة الطلاق، وغير ذلك من الآثار الاجتماعية المؤلمة.
إعانة أقل من منحة اللاجئين… دولة بلا حماية
يصف درميش الإعانة الاجتماعية بأنها أقل من منحة اللاجئين، وتقدم من الدولة للمواطنين بصورة توفير فرصة عمل لهم. ويقول بمرارة: هذه ليبيا الآن.
فالمفارقة أن المواطن صاحب الأرض والنفط والثروة يعيش على هامش الحياة، بينما تتمدد مظاهر العجز والفوضى.
موارد موجودة وعجز غريب: نقطة مطر تغرق البلاد
يتساءل الخبير الاقتصادي: الجعب موجود والآلات موجودة والمهندسين تبارك الله والأسمنت موجود والقطران موجود، فلماذا نحن هكذا؟ وللأسف نقطة مطر نغرق. مشكلة… إلخ.
وهي إشارة إلى أن الأزمة ليست في غياب الإمكانيات، بل في غياب الإرادة والإدارة والمحاسبة.
البنك المركزي ومن يقرر سعر الصرف
يوضح درميش أن المحتكر يرفع السعر الوهمي للدولار في السوق لكي يقوم البنك المركزي بتوفير البيئة الخصبة له لضرب صفقة في الدولار المخزن عنده، على من يا معلم؟ كل سنتين صفقة.
ويلفت إلى أن عدم قيام البنك المركزي بدوره الحقيقي في تطوير القطاع البنكي لمواكبة الحداثة، والمساهمة في التمويل والاستثمار كمؤسسة بنكية، وقيامه بدوره وفق القانون رقم 1 لسنة 2005، والتنسيق مع أدوات السياسة الاقتصادية التجارية والمالية، وفر بيئة خصبة لاحتكار القلة وتغولهم على السوق السوداء، مما أدى إلى زيادة أسعار السلع والخدمات والتضخم ومعاناة المواطن.
ويختصر الحقيقة بقوله: المشكلة ليست في سعر الصرف، المشكلة في من يقرر ويضع ويدير سعر الصرف، هنا مربط الفرس.
النقل البحري وفرص العمل
يقترح درميش إعادة هيكلة قطاع النقل البحري واستحداث وزارة له، مؤكدًا أن ذلك سيساهم في فتح فرص عمل كثيرة، وفي زيادة الدخل القومي. وهو حل عملي يمكن أن يخفف الضغط عن الشباب ويحرك عجلة الاقتصاد.
ما معنى الاقتصاد؟ موارد طبيعية وبشرية ومالية
يشرح درميش أن على كل مواطن قبل الحديث عن الاقتصاد الليبي أن يعرف ماهية الاقتصاد، فهو كل الموارد الطبيعية والبشرية والمالية التي تملكها الدولة.
الموارد الطبيعية هي كل ما هو داخل مساحة الدولة الجغرافية وداخل حدودها البحرية والجوية والبرية، وما تملكه من موارد مستغلة أو غير مستغلة. والموارد البشرية هي كل الطاقات البشرية المتمثلة في الإنسان والسكان، وما يمتلكون من مؤهلات ومعارف وفنون وإبداع وابتكار. والموارد المالية هي جميع الأصول المتداولة والثابتة والأرصدة بالعملات الصعبة واستثماراتها في كل المجالات الداخلية والخارجية.
كما أن كل ما يملكه القطاع الخاص الأجنبي والمحلي من أصول ثابتة ومتداولة يعتبر جزءًا لا يتجزأ من الحركة الاقتصادية في الدولة.
السياسة الاقتصادية حزمة واحدة لا سعر صرف فقط
ينبه درميش إلى أن الاقتصاد في كل الدول ليس ميزان مدفوعات ومقبوضات، ولا مؤشرات اقتصادية وأرقامًا فقط، بل هو مجموعة من المضامين تتفاعل فيما بينها لتحقيق أهداف واضحة ومحددة وقابلة للتحقيق، مع مراعاة كل العوامل المؤثرة، وذلك من أجل الوصول إلى أعلى درجات الكفاءة والفاعلية والكفاية في معدلات الأداء، مع القدرة على التكيف مع المتغيرات اليومية والأسبوعية والشهرية لتحقيق الرفاه الاقتصادي.
فالسياسة الاقتصادية ليست سعر الصرف، ولا ضرائب على شراء العملات الأجنبية أو الواردات، فهي مجموعة من السياسات المالية والنقدية والتجارية، محكومة ومرتبطة مع مجموعة سياسات في حزمة واحدة تسير في خطوط موازية مع السياسات الأخرى، وتسمى السياسة العامة للدولة.
المواطن يدفع الفاتورة وحكومة منتهية الولاية تكتفي بالوعود
الصورة واضحة: سوق احتكار قلة، سعر صرف وهمي، مؤسسات غائبة، شباب يُستخف به، وقرارات اقتصادية تزيد الفقر والجريمة والطلاق. وحكومة الدبيبة المنتهية الولاية، بدل أن تحمي المواطن وتضبط السوق وتفعّل أدوات السياسة الاقتصادية، تتركه وحيدًا في مواجهة المحتكرين وغلاء المعيشة.
لا نمو ولا تنمية في سوق احتكار القلة، والحل ليس في وعود جديدة، بل في إدارة حقيقية، ومحاسبة، وتأهيل للشباب، وسياسة اقتصادية شاملة تضع المواطن الليبي في القلب، لا في الهامش.



