ليبيا بعد 12 عامًا من الكرامة.. من المعركة إلى مشروع الدولة
ليبيا 24- إدريس أحميد:
في السادس عشر من مايو عام 2014، انطلقت عملية الكرامة في مدينة بنغازي، في مرحلة كانت فيها ليبيا تعيش حالة غير مسبوقة من الفوضى الأمنية وانتشار السلاح وتعدد الجماعات المسلحة، بينما كانت بنغازي ومدن الشرق تواجه موجة من الاغتيالات والعنف والتفجيرات والتهديدات التي طالت عسكريين وأمنيين وإعلاميين وناشطين ومدنيين.
كانت البلاد في ذلك الوقت تفتقد إلى مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة قادرة على فرض الأمن وحماية المواطنين، في وقت توسعت فيه الجماعات المسلحة ذات التوجهات المتطرفة، وأصبحت بنغازي واحدة من أبرز ساحات المواجهة.
وفي هذه الظروف، أعلن المشير خليفة حفتر انطلاق عملية الكرامة، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع الليبي، حملت بالنسبة إلى مؤيديها عنوان مواجهة الإرهاب والفوضى وإعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية.
لم تكن المعركة سهلة، ولم تكن نتائجها محسومة منذ البداية. فقد استمرت المواجهات لسنوات، وسقط خلالها عدد كبير من العسكريين والمدنيين، وتعرضت المدينة لدمار واسع، قبل أن تعلن القوات التابعة للقيادة العامة انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية في بنغازي عام 2017.
ومن بنغازي انتقلت المواجهات إلى درنة، التي كانت بدورها قد شهدت نشاطًا لجماعات متطرفة، قبل أن تمتد العمليات إلى مناطق الجنوب والوسط.
من بنغازي إلى الجنوب
لم يتوقف مشروع الكرامة عند حدود بنغازي، بل توسع باتجاه مناطق أخرى من البلاد، وفي مقدمتها الجنوب، الذي يمثل مساحة جغرافية واسعة من ليبيا، ويضم مناطق وحقولًا نفطية ومواقع استراتيجية وحدودًا تمتد مع عدد من دول الجوار.
وقد كان الجنوب خلال سنوات الانقسام يعاني من هشاشة أمنية وانتشار السلاح والتهريب ونشاط مجموعات مسلحة وأجنبية، وهو ما جعل تأمينه يمثل تحديًا كبيرًا أمام أي مؤسسة عسكرية تسعى إلى فرض الاستقرار في البلاد.
ومع توسع انتشار القوات التابعة للقيادة العامة، أصبح تأمين الحدود وحماية المنشآت والموارد ومكافحة الجماعات المسلحة والتهريب جزءًا من المشهد الأمني الجديد.
كما امتدت العمليات إلى مناطق الوسط، وصولًا إلى مدينة سرت ذات الموقع الاستراتيجي على البحر المتوسط، لتصبح مناطق واسعة من البلاد تحت نفوذ القيادة العامة.
من الأمن إلى التنمية
لكن مشروع الكرامة، كما يراه أنصاره، لم يتوقف عند الجانب العسكري.
فبعد سنوات من المعارك، بدأ التركيز على الإعمار والتنمية وإعادة بناء المدن والبنية التحتية، وبرزت مشروعات واسعة في بنغازي، كما أصبحت إعادة إعمار درنة بعد كارثة إعصار دانيال واحدة من أكبر التحديات التنموية والإنسانية التي واجهتها المنطقة.
وهنا تبرز نقطة مهمة في قراءة تجربة السنوات الماضية: فالمشروع الذي بدأ في الميدان العسكري أصبح مطالبًا بالانتقال إلى مرحلة أكثر اتساعًا، عنوانها بناء المؤسسات وتحسين الخدمات وتحقيق التنمية وترسيخ الاستقرار.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع وطني؛ فالأمن لا يكون غاية في ذاته، وإنما وسيلة للوصول إلى دولة مستقرة وقادرة على حماية مواطنيها وتوفير الخدمات وتحريك الاقتصاد.
الكرامة ومشروع الدولة
بعد اثني عشر عامًا، أصبح من الممكن النظر إلى الكرامة ليس باعتبارها عملية عسكرية بدأت في بنغازي فحسب، وإنما باعتبارها مشروعًا له أبعاد أمنية وعسكرية وتنموية وسياسية، وفق ما يطرحه مؤيدوه.
فهذا المشروع، من وجهة نظر أنصاره، استطاع أن يواجه الجماعات المتطرفة، وأن يعيد بناء قوة عسكرية واسعة الانتشار، وأن يفرض واقعًا أمنيًا جديدًا في مناطق واسعة من البلاد، ثم انتقل إلى ملفات التنمية والإعمار، بالتوازي مع إعلان دعم المسار السياسي والانتخابات والحل الليبي-الليبي.
ولهذا يرى مؤيدو الكرامة أنها من أبرز التجارب والمشروعات التي ظهرت في ليبيا خلال ربع القرن الأخير، خصوصًا إذا ما قورنت بحجم الفوضى والانقسام الذي عاشته البلاد منذ عام 2011.
لكن نجاح أي مشروع وطني لا يقاس فقط بما حققه في مناطق نفوذه، وإنما بقدرته على التحول إلى مشروع جامع لكل الليبيين.
وهنا تبرز المهمة الأكبر أمام القيادة العامة: المساهمة في توحيد المؤسسة العسكرية، ودعم توحيد المؤسسات الأمنية، وإنهاء حالة الانقسام، وفتح الطريق أمام بناء دولة واحدة ذات مؤسسات وطنية موحدة.
المؤسسة العسكرية والاستحقاق الوطني
لا يمكن الحديث عن مستقبل ليبيا دون الحديث عن المؤسسة العسكرية.
فالانقسام العسكري ظل أحد أبرز مظاهر الأزمة الليبية خلال السنوات الماضية، ولذلك فإن أي تقدم في التواصل بين القيادات العسكرية في الشرق والغرب والجنوب يمكن أن يشكل خطوة مهمة باتجاه توحيد المؤسسة العسكرية.
وقد شكلت لجنة 5+5 إحدى أهم القنوات التي جمعت ممثلين عن طرفي الصراع، وأسهمت في تنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار وفتح قنوات للتواصل العسكري.
لكن المطلوب اليوم هو الانتقال من مجرد التنسيق إلى توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية، بما يضمن أن تكون حماية ليبيا وسيادتها مسؤولية مؤسسة وطنية واحدة.
وهنا يمكن أن يكون للقيادة العامة دور مهم بحكم ما تمتلكه من خبرة عسكرية وانتشار ميداني، وبحكم علاقاتها واتصالاتها مع مؤسسات عسكرية ودولية مختلفة.
وفي المقابل، فإن توحيد المؤسسة العسكرية يجب أن يكون جزءًا من اتفاق وطني أوسع، لا أن يتحول إلى سبب جديد للانقسام.
من الكرامة إلى الانتخابات
ومن المهم أيضًا أن تترافق العملية الأمنية والعسكرية مع المسار السياسي.
فالقيادة العامة أعلنت في أكثر من مناسبة دعمها للحل السياسي والانتخابات، والتأكيد على أن يكون الحل ليبيًا-ليبيًا.
وهذا الموقف يضع أمام جميع الأطراف مسؤولية تاريخية: فلا يمكن بناء دولة مستقرة من خلال القوة وحدها، كما لا يمكن إنجاح العملية السياسية في ظل وجود مؤسسات عسكرية وأمنية منقسمة.
المعادلة المطلوبة هي أن تسير الأمن والسياسة والتنمية في اتجاه واحد، وصولًا إلى دولة موحدة يختار الليبيون سلطاتها عبر انتخابات نزيهة، وتكون فيها المؤسسة العسكرية والأمنية خاضعة للدولة والقانون.
بعد 12 عامًا.. ماذا بعد الكرامة؟
في الذكرى الثانية عشرة، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا حدث في 16 مايو 2014؟
بل يجب أن نسأل أيضًا: ماذا نريد بعد 16 مايو 2026؟
لقد بدأت الكرامة في ظروف شديدة الصعوبة، وارتبطت في بدايتها بمواجهة الإرهاب والفوضى وانتشار السلاح. وبعد اثني عشر عامًا، أصبح التحدي مختلفًا وأكثر اتساعًا: كيف تتحول نتائج المعارك إلى مشروع دولة؟ وكيف يتحول الاستقرار الأمني إلى تنمية؟ وكيف تتحول القوة العسكرية إلى مؤسسة وطنية موحدة؟ وكيف يصبح المسار السياسي طريقًا حقيقيًا لإنهاء الانقسام؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون حاضرة ونحن نستعيد ذكرى الكرامة.
فالهدف النهائي لأي مشروع وطني ليس استمرار الحرب، وإنما الوصول إلى دولة موحدة، آمنة ومستقرة، تمتلك مؤسسات قوية، وجيشًا وطنيًا، واقتصادًا قادرًا على التنمية، وحدودًا مؤمنة، وقرارًا وطنيًا مستقلًا.
وفي هذه المناسبة، نستذكر جميع الذين فقدوا حياتهم خلال سنوات الصراع، من العسكريين والمدنيين، ونترحم على أرواحهم، ونأمل أن تكون تضحياتهم دافعًا نحو إنهاء الانقسام، وليس استمرار الصراع.
وبعد اثني عشر عامًا من الكرامة، ربما يكون الاستحقاق الأكبر هو أن يتحول ما تحقق في الميدان إلى مشروع دولة يجمع الليبيين، ويضع الأمن والاستقرار والتنمية والمصالحة والانتخابات في مسار وطني واحد.



