ثروة الليبيين تتبخر.. النفط يتجاوز المائة دولار وخزانة البلاد تستلم 361 مليوناً فقط والمواطن يدفع الثمن
المصرف المركزي ومؤسسة النفط يتبادلان الاتهامات بشأن الإيرادات النفطية والمواطن الليبي يتحمل فاتورة الغلاء العالمي
ليبيا 24
الشريف: ارتفاع أسعار النفط عالمياً لم ينعكس على إيرادات البلاد والمسؤولية تشمل السلطات التنفيذية والتشريعية والرقابية والقضائية
في مشهد اقتصادي يثير القلق، تتكشف أرقام صادمة عن إيرادات النفط الليبي، في وقت تتجاوز فيه أسعار الخام العالمي حاجز المائة دولار للبرميل، ويستقر الإنتاج عند نحو مليون وأربعمائة ألف برميل يومياً.
فما حولته مؤسسة النفط إلى المصرف المركزي عن الأسبوعين الأولين من شهر أكتوبر 2026 لم يتجاوز 361 مليون دولار، وهو رقم يصفه أستاذ الاقتصاد بالجامعات الليبية إدريس الشريف بأنه يكشف عن ثقب أسود يزداد اتساعاً يوماً بعد يوم في خزانة البلاد.
فجوة قاتلة بين الأسعار العالمية والإيرادات المحلية
يرصد الشريف مفارقة مؤلمة يعيشها الليبيون: حين ترتفع الأسعار العالمية، يدفعون الثمن عبر فاتورة المحروقات وتكلفة الواردات المتضخمة بفعل التضخم العالمي، لكن حين ترتفع أسعار النفط، لا يلمسون العائد.
ويصف ذلك بأنه فجوة ضخمة وخلل كبير في إدارة ثروة البلد الوحيدة، لا يجوز أن يستمر على حساب اقتصاد البلاد ومعيشة مواطنيها. ويؤكد أن الجميع مسؤولون، وأن تبادل الاتهامات لن يعفي أحداً من المسؤولية.
اتهامات متبادلة ومسؤولية مشتركة
المصرف المركزي ومؤسسة النفط يتبادلان التصريحات والاتهامات بشأن التدني الحاد في الإيرادات النفطية، رغم الارتفاع الاستثنائي في الأسعار واستقرار مستويات الإنتاج. الشريف يرى أن المسؤولية عن هذا الخلل المدمر مشتركة، لكن لكل جهة نصيبها وفق اختصاصها.
فمؤسسة النفط مسؤولة عن سوء إدارة القطاع وعدم حماية الإيرادات من الفقد والهدر والتسرب في مختلف مراحل الإنتاج والتصدير والتحصيل، وأي تجاوزات أو ضياع للإيرادات من المنبع بأي وجه أو شبهات فساد تستوجب التحقيق والمساءلة.
أما المصرف المركزي، فهو مسؤول عن سوء إدارة النقد الأجنبي وعجزه عن ضبط استخداماته، خصوصاً الاعتمادات والحوالات، فضلاً عن مسؤوليته عن تمويل الإنفاق المنفلت بالعجز خارج ميزانية معتمدة وتراكم الدين العام.
مسؤولية أوسع تشمل الجميع دون استثناء
لكن الشريف يذهب أبعد من ذلك، إذ يؤكد أن المسؤولية الأوسع تشمل جميع الجهات التنفيذية والتشريعية والرقابية وحتى القضائية التي سمحت باستمرار هذه الاختلالات الكبيرة وعجزت عن فرض الانضباط المالي وضمان الشفافية والمحاسبة.
ويشدد على أن النفط ملك الليبيين وركيزة اقتصادهم الوحيدة، وإيراداته حق لهم، وأي ضياع أو تبديد لها يجب أن يُكشف ويُحاسب المسؤولون عنه دون استثناء أو انتقائية.
الشفافية والمحاسبة: مطلب وطني عاجل
يدعو الشريف إلى كشف واضح للإيرادات من البئر إلى الخزانة، وللمصروفات من الاعتماد إلى المستفيد. ويحذر من أنه بغير الشفافية والمساءلة والمحاسبة، ستظل الاتهامات تتبادلها المؤسسات بينما يدفع المواطن وحده ثمن الفشل والانهيار.
ويصف ثقب النفط الأسود بأنه يزداد اتساعاً يوماً بعد يوم، مشيراً إلى أن الحكومات والبرلمان في سبات عميق وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد.
المواطن الليبي: الضحية الأولى والأخيرة
في المحصلة، يجد المواطن الليبي نفسه أمام معادلة قاسية: بلد يسبح على بحر من النفط، لكن خزانته تفرغ، وأسعار السلع ترتفع، والخدمات تتراجع. وبينما تتبادل المؤسسات الاتهامات، تبقى حكومة منتهية الولاية يتشبث بها رئيسها عبد الحميد الدبيبة رغم انتهاء شرعيتها، وبرلمان في سبات عميق، ومؤسسات تتنصل من مسؤولياتها، كلها عوامل تضاعف معاناة المواطن الذي يدفع فاتورة غلاء عالمي دون أن يلمس عائد طفرة نفطية كان يجب أن تكون طوق نجاته.
والسؤال الأكثر إلحاحاً: إلى متى يبقى الليبي وحده من يدفع الثمن بينما تتبادل المؤسسات الاتهامات وتغض الحكومات والبرلمان الطرف عن ثروة تتبخر أمام أعينهم؟



