الخناق يطبق على أديس أبابا: فانو تسقط معسكرات الجيش في أمهرة وتقطع شريان الشمال
فانو تسيطر على ماسيرو دينب وتقطع إمداد الجيش الإثيوبي نحو جوندر والحدود السودانية
ليبيا 24
تقدير الموقف: انتقال الصراع من مقاومة محلية إلى إدارة استنزاف إقليمية
دخل الصراع في شمال إثيوبيا مرحلة جديدة أكثر خطورة، بعد سيطرة قوات فانو على بلدة ماسيرو دينب في منطقة جوندر الوسطى بإقليم أمهرة، واجتياح معسكرات الجيش الإثيوبي فيها، والاستيلاء على عدد من مركبات النقل العسكرية.
هذا التطور ليس حدثاً تكتيكياً عابراً، بل تعبير عن تحول أوسع في موازين القوة الميدانية، يضع القيادة العسكرية في أديس أبابا أمام مأزق مركب: جبهة أمهرة تلتهم قدراتها الدفاعية، وتمنعها من تجميع قواها بالكامل للتركيز على الحدود الإريترية أو على عمق تيغراي.
ماسيرو دينب: ضربة على محور المتمة وعزل جوندر غرباً
تقع بلدة ماسيرو دينب على المحور الرابط بين جوندر ومعبر المتمة الحدودي مع السودان. وسيطرة فانو عليها تعني التحكم المباشر في حركة البضائع والمدنيين المتجهين إلى الحدود السودانية، وعزل جوندر من جهتها الغربية تماماً.
والأهم من ذلك أن هذا الامتداد يمنح مقاتلي فانو قاعدة انطلاق جبلية قريبة جداً من الحامية العسكرية للجيش داخل مركز مدينة جوندر، وهو ما يفسر حدة الهجوم الليلي الذي شنته الحركة.
فاجتياح المعسكرات في ماسيرو دينب ليس مجرد نصر معنوي، بل يعني تضييق الخناق أكثر على حامية الجيش المتمركزة داخل مدينة جوندر الكبرى.
المركبات العسكرية: مكسب إمدادي يغير معادلة الحركة
نجاح فانو في السيطرة على مركبات نقل عسكرية وعتاد الجيش يحل لها أزمة الإمداد الأكبر، حيث يمنح الحركة القدرة على التحرك السريع ونقل مقاتليها عبر الأقاليم الريفية دون الحاجة للمشي لمسافات طويلة في الجبال.
وهذا المكسب لا يقتصر على الجانب المادي، بل يعيد تشكيل قدرة الحركة على المناورة العملياتية بين المحاور، ويرفع من سرعة الاستجابة والتجمع قبل تنفيذ الضربات.
إدارة القتال الليلي: تفريغ التفوق الجوي من مضمونه
باتت فانو تتجنب تماماً مواجهة الجيش الإثيوبي نهاراً لتفادي ضربات الطائرات المسيرة وسلاح الجو، وتستغل الليل لتنفيذ عمليات اقتحام خاطفة واجتياح المعسكرات الثابتة.
هذا الأسلوب يجعل الجيش الإثيوبي يواجه حرباً غير متناظرة مع حركة تتبع أساليب قتالية مبتكرة: تهاجم وتطرد قواته من مناطق، ولا تتمركز فيها إلا إذا كانت محصنة جغرافيا، فيحارب الجيش أشباحاً لا مركز لها.
والنتيجة أن التفوق الجوي الإثيوبي يفقد قدرته الحاسمة، لأن الضربات الجوية تحتاج أهدافاً واضحة وممرات اقتراب ثابتة، وهو ما تفرغه فانو من المضمون عبر الانتشار الريفي والاقتحامات الليلية.
ولديا وديسي: قطع العقد الإمدادية وشل الحاميات
الوضع الحالي في أمهرة هو سيطرة القوات الحكومية على أغلب المدن الرئيسية، لكن فانو تسيطر على الطرق والبلدات والقرى المحيطة بتلك المدن.
فبلدة ولديا تحت حصار شبه كامل، حيث يتحصن الجيش الإثيوبي بأسلحته الثقيلة داخل المنطقة السكنية للمدينة، فيما نجحت ميليشيات فانو في تنفيذ حصار بري محكم من خلال قطع الطريق السريع الرئيسي الواصل بين ديسي وولديا.
هذا القطع أدى إلى شلل حركة النقل تماماً وعزل قوات الجيش المتمركزة داخل ولديا، محولاً إياها إلى حامية معزولة برياً تتعرض لكمائن مستمرة من الطوق الريفي المحيط بها.
وفي مدينة ديسي، تفرض القوات الحكومية سيطرتها على وسط المدينة، لكنها تواجه الاختراق الأكبر.
فديسي تعتبر العقدة الإمدادية الأهم لنقل القوات من أديس أبابا إلى الشمال، والتطور الخطير الذي جرى في الأسابيع الأخيرة هو زحف جبهات مقاتلي فانو نحو ديسي ونجاحهم في عزل وتطويق ممراتها البرية، كجزء من عملية تنسيق واسعة بين جبهات المعارضة للضغط المتزامن على محاور الجيش وإضعاف سلاسل إمداده المتجهة إلى تيغراي.
لاليبيلا: معركة الممر الجوي الوحيد
مدينة لاليبيلا تقع تحت نفوذ الجيش، لكن السيطرة هناك متأرجحة بشكل دوري جراء معارك الكر والفر.
وحالياً تشهد الضواحي الأربعة للمدينة اشتباكات عنيفة، حيث تتركز أعنف المعارك الليلة في محيط مطار لاليبيلا الاستراتيجي، حيث تحاول فانو اقتحامه لتعطيل الممر الجوي الوحيد المتبقي لإمداد القوات الحكومية بالذخائر والمؤن في تلك المنطقة الجبلية.
وإذا سقط المطار أو تعطل، فإن الحامية الحكومية في لاليبيلا ستنتقل من وضع الدفاع المتأرجح إلى وضع العزل شبه الكامل.
الأماتا: فتح جبهة جنوب تيغراي
في حدث آخر، بدأت تظهر بوادر لقلب الوضع في بلدة الأماتا جنوب إقليم تيغراي، وهي بلدة مهمة جداً لوقوعها على مسار أي قوات تمر ذهاباً أو إياباً من الإقليم.
البلدة وقعت بالفعل تحت سيطرة القوات الحكومية، لكن تتواجد بها ميليشيات محلية متحالفة مع فانو، وما حدث أن القوات الحكومية اشتبكت مع تلك الميليشيات.
الأنباء تحدثت عن معارك ضارية وحركة نزوح للأهالي وعدد كبير من القتلى. وهذا التطور يعني أن جبهة أمهرة لم تعد معزولة، بل بدأت تتصل بجبهة جنوب تيغراي عبر نقاط اشتباك متقدمة، ما يزيد من تعقيد خطوط الدفاع الإثيوبية.
21 مقاطعة و70٪: نمط سيطرة ريفي على المدن
تم توثيق اشتباكات وكمائن داخل أكثر من 22 مقاطعة ومدينة في أمهرة شملت وولو وغوجام وجوندر، مما جعل شلل حركة الإمداد العسكري المتجه إلى تيغراي عبر الطريق السريع أزمة حقيقية ومستمرة أمام القيادة العسكرية في أديس أبابا.
وحركة فانو تسيطر حالياً على 70٪ من مساحة الإقليم، والجيش الإثيوبي يسيطر على المدن الرئيسية لكنه يعاني داخلها من شبه حصار، كما أن الحركة تهاجم مدينة جوندر وتضغط باتجاه بحر دار. ونجحت فانو في الإبقاء على عوائق مرورية وكمائن مسلحة على طول الطريقين السريعين 3 و30، مما يشكل أزمة إمداد معقدة لنقل الوقود والذخائر والدعم من العاصمة إلى جبهة الشمال في تيغراي.
الحدود الإريترية وميناء عصب: استحالة الهجوم الخارجي
ما منع إثيوبيا حتى الآن من مهاجمة إريتريا هو قطع خطوط الإمداد للقوات المتمركزة في الشمال بسبب فانو في أمهرة. فالجيش الإثيوبي لن يستطيع الهجوم من الحدود الشمالية ولا تجاه ميناء عصب بدون خطوط إمداد قوية.
وما يحدث في أمهرة يعد مأزقاً بكل المقاييس للجيش الإثيوبي، لأنه يواجه حرباً غير متناظرة مع حركة تهاجم وتطرد قواته من مناطق ولا تتمركز فيها إلا إذا كانت محصنة جغرافيا.
وفي الوقت نفسه لا يستطيع الدفع بتعزيزات ضخمة لأن قوته الضاربة موجودة في إقليم تيغراي، لذلك يعتمد على قواته في أمهرة بدون دعم كبير، وهي برغم أنها قوات كبيرة نوعاً ما إلا أنها متناثرة في الإقليم الكبير وغير قادرة على تنفيذ عمل حاسم بسبب وضعها الميداني وعدم وجود مركز لحركة فانو.
وإذا أراد الجيش الهجوم على ميناء عصب فسيتعرض لاستنزاف مزدوج من الجيش الإريتري وفانو، وفي الخلفية هناك تيغراي بقوتها التي لم تستنزف كثيراً.
تيغراي: حرب استنزاف منظمة
هذا الأمر انعكس بدوره على القوات في إقليم تيغراي، حيث لم يشن الجيش أي هجوم مضاد لاستعادة السيطرة على البلدات التي استولت عليها تيغراي بالأمس. هذه البلدات سقطت بعد انسحاب قوات الجيش منها بعد ضغط من قوات تيغراي، لكن قوات الجيش لم تقاوم كثيراً قبل الانسحاب.
وقوات الجيش في تيغراي يبدو أنها بدأت ترشد الاستهلاك تحسباً لهجوم كبير من تيغراي أو اندلاع حرب مع إريتريا، لذلك لم نعد نشهد الكثير من التحركات القوية. واستعادت جبهة تيغراي السيطرة على مدن أبي عدي ويشلا وشيواتي هغوم.
وأبي عدي هي المدينة الاستراتيجية الأبرز التي استعادتها تيغراي في منطقة تمبين، أما يشلا وشيواتي هغوم فهما بلدتان حاكمتان في النطاق الأوسط للإقليم.
كما وردت أنباء عن وقوع قوة تابعة للجيش الإثيوبي في كمين بالقرب من منطقة ييتشيلا، مما أسفر عن سقوط قتلى وأسر عدد من الجنود.
ويواجه الجيش الإثيوبي صعوبة في الحفاظ على نفوذه خارج المدن الرئيسية بسبب انشغاله بالاشتباكات المشتعلة مع ميليشيات فانو في أمهرة لمحاولة تأمين خطوط إمداده التي تعاني من قطع فانو لها.
وما فعلته تيغراي اليوم هو بداية حرب الاستنزاف، لأن أي محاولة لاستعادة تلك المدن من الجيش قد لا تجد صعوبة كبيرة، وستنسحب تيغراي مجدداً ثم تعاود الكرة مرة أخرى.
وتيغراي لا تضع نفسها في موقف دفاعي خارج مناطقها الجبلية لأن كلفة الدفاع كبيرة، لكنها تترك الأرض للجيش ثم تعاود الهجوم عليه.
الخطر على العاصمة: فانو وأورومو وتيغراي
المأزق الإثيوبي الحالي غير قابل للحل سريعاً، لأن أحد أجزاء الحل هو إعادة تموضع جزء كبير من القوات في الشمال تجاه أمهرة، ما يعني تمدد تيغراي مجدداً بسهولة لنعود إلى المربع الأول.
وفي المقابل، فحركة فانو على وشك أن تجعل النفوذ الحكومي الإثيوبي يقتصر على العاصمة وما يليها من الجنوب. والوضع الحالي في أمهرة لا يعبر عن وجود أي شكل من أشكال الدولة، وكذلك في تيغراي، والأمور فيهما خارجة عن السيطرة، لذلك قد تمتد الفوضى لمحيط أديس أبابا، خصوصاً أن في هذه المناطق تنشط حركة جيش تحرير أورومو، وهي لم تدخل بعد في الحرب لكنها مرتبطة بتنسيق مع الحركات المتمردة.
وحركة فانو حالياً ليست فقط مأزقاً يعيق إمداد القوات في الشمال، بل تمثل تهديداً خطيراً للحكومة نفسها في أديس أبابا، لأن أي تنسيق مستقبلي مع جيش تحرير أورومو سيجعل المتمردين على أبواب العاصمة.
لكن ستكون هذه الخطوة متسرعة إذا لم تحصل فانو على دعم كبير بالقوات من تيغراي، لأن إمكانيات فانو أو أورومو لا تؤهلهم لاقتحام العاصمة بدون دعم ضخم بالقوات من تيغراي.
وتيغراي قد لا تكون مضطرة للكثير من العمل جغرافيا، بل يمكن أن تفتح نقطة اتصال جغرافية مع فانو تدفع منها بالقوات، وتيغراي كانت تمتلك بالفعل قوات في أمهرة تقاتل مع فانو، ويبدو أنها لم تسحب تلك القوات بل ما زالت تقاتل في أمهرة مع فانو.
إريتريا أمام مكسب استراتيجي
في المحصلة، فإن ما يجري في أمهرة وتيغراي لا يضع إثيوبيا أمام أزمة عسكرية محدودة، بل أمام تفكك تدريجي لقدرتها على فرض السيادة في الشمال.
وكل مؤشر ميداني يقول إن الجيش الإثيوبي فقد المبادرة، وأن فانو تحولت من حركة مقاومة محلية إلى عامل حاسم في معادلة الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، تبدو إريتريا الطرف الأكثر تماسكاً وأقدر على تحصيل مكاسب ميدانية وسياسية من انشغال خصمها الإثيوبي في حروب داخلية متعددة الجبهات، بينما تبقى أديس أبابا عالقة بين حصار المدن، وقطع الطرق، وتهديد محيط العاصمة، وعدم القدرة على فتح جبهة خارجية دون أن تنهار جبهتها الداخلية.



