ليبيا أمام مسار سياسي جديد في ظل «4+4» وتصاعد التلويح الأمريكي بالعقوبات
حوار موسع وضغوط دولية لاختبار فرص التوافق والانتخابات

تواجه العملية السياسية في ليبيا مرحلة مفصلية مع استمرار الخلاف بشأن اتفاق «4+4»، وتصاعد التحذيرات الأمريكية من فرض عقوبات على معرقلي التسوية، في تطور يعيد طرح تساؤلات حول قدرة الضغوط الدولية على كسر الانسداد السياسي، ودفع الأطراف الليبية نحو توافق يفضي إلى توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.
وفي ظل تعثر التفاهمات القائمة، تبرز احتمالات لجوء بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى آلية حوار وطني موسعة، تستوعب أطرافًا سياسية ومؤسساتية إضافية، في محاولة لتجاوز الخلافات التي تحول دون تنفيذ الترتيبات المتفق عليها.
تعثر «4+4» يعيد طرح بدائل الحوار
يرى المحلل السياسي حسام الدين العبدلي أن استمرار الخلاف بشأن اتفاق «4+4» قد يدفع البعثة الأممية إلى توسيع دائرة المشاركة السياسية، بما يسمح بإعادة صياغة التفاهمات وتجاوز العقبات التي تواجه المسار الحالي.
وأوضح العبدلي أن مجلس النواب وافق على الاتفاق، بما يتضمنه من تعديلات مرتبطة بالقوانين الانتخابية وإجراءات تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في حين رفضه المجلس الأعلى للدولة، وسط اعتراضات تتعلق بآلية اختيار ممثليه والجوانب الدستورية المرتبطة بالتفاهمات.
ويعكس هذا التباين صعوبة الانتقال من التوافقات السياسية المحدودة إلى ترتيبات تحظى بقبول مؤسساتي أوسع، خصوصًا أن تمرير الاتفاق، وفق رؤية العبدلي، يظل مرتبطًا بالتوافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، في إطار المرجعيات السياسية القائمة.
ومن هذا المنطلق، قد تتجه المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى منح المجلس الأعلى للدولة وقتًا إضافيًا للتشاور، قبل الانتقال إلى خيارات بديلة تشمل توسيع المشاركة في الحوار، وإشراك أعضاء إضافيين من المجلسين، إلى جانب قوى سياسية لم تكن طرفًا في التفاهمات السابقة.
غير أن توسيع دائرة الحوار لا يعني بالضرورة تجاوز الخلافات؛ إذ إن إدخال أطراف جديدة قد يفتح المجال أمام توافق أوسع، لكنه قد يعيد أيضًا إنتاج التباينات نفسها إذا لم تُحسم القضايا الأساسية المتعلقة بالقوانين الانتخابية والإطار الدستوري المنظم للاستحقاقات المقبلة.
العقوبات الأمريكية.. ضغط سياسي أم إدارة للأزمة؟
بالتوازي مع تعثر المسار التوافقي، يبرز التلويح الأمريكي بفرض عقوبات على معرقلي التسوية بوصفه أداة ضغط تستهدف تغيير حسابات الأطراف الليبية ودفعها نحو ترتيبات سياسية جديدة.
وفي هذا السياق، اعتبر رئيس حزب صوت الشعب الليبي، فتحي الشبلي، أن الرسائل الأمريكية تتجاوز التصريحات الدبلوماسية، وتعكس توجهًا نحو ممارسة ضغوط على الأطراف التي تحول دون إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.
وأشار الشبلي إلى أن العقوبات المحتملة قد تشمل تجميد الأصول المالية، وفرض قيود على السفر، واستهداف المصالح الاقتصادية لأفراد أو كيانات تُصنَّف ضمن الجهات المعرقلة للمسار السياسي، سواء عبر إجراءات أمريكية مباشرة أو من خلال تحركات دولية في مجلس الأمن.
لكن الانتقال من التهديد إلى التنفيذ يظل مرهونًا بالحسابات السياسية لواشنطن، ومدى توافقها مع الأطراف الدولية الأخرى، فضلًا عن طبيعة المعايير القانونية التي ستستند إليها أي إجراءات عقابية.
وتكشف هذه المقاربة عن رهان دولي على أن رفع تكلفة تعطيل التسوية قد يدفع الأطراف إلى تقديم تنازلات، إلا أن فاعلية هذا الرهان ستظل موضع اختبار، في ظل تعقيدات المشهد الليبي وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية.
أزمة تتجاوز الخلاف على الاتفاقات
على الرغم من إمكانية إسهام الضغوط الخارجية في تحريك المفاوضات، فإنها لا تعالج بالضرورة الأسباب البنيوية للأزمة الليبية، التي ترتبط بالصراع على السلطة والثروة، واستمرار الانقسام المؤسسي، وغياب تسوية نهائية لمسألة الشرعية الانتخابية.
وفي هذا الإطار، حذّر الشبلي من التعويل على العقوبات باعتبارها مدخلًا كافيًا لتحقيق الاستقرار، مؤكدًا أن التجربة الليبية تُظهر محدودية قدرة الإجراءات العقابية وحدها على إنتاج تسوية سياسية مستدامة، ما لم تترافق مع معالجة جذور الصراع والتوصل إلى مسار وطني واضح ومحدد زمنيًا.
وتتقاطع هذه الرؤية مع تقدير العبدلي بأن نجاح أي آلية سياسية جديدة لن يتوقف على صياغة الاتفاق أو توسيع المشاركة فحسب، بل سيعتمد أيضًا على قبول الأطراف الفاعلة على الأرض، وتوافر دعم دولي قادر على مساندة تنفيذ التفاهمات.
فرص التوافق مرهونة بضمانات التنفيذ
تضع التطورات الراهنة البعثة الأممية أمام معادلة معقدة: الحفاظ على المرجعيات والمؤسسات القائمة من جهة، والبحث عن صيغة أكثر شمولًا لتجاوز تعطّل التوافق من جهة أخرى. كما تضع الأطراف الليبية أمام اختبار يتجاوز إعلان المواقف إلى تقديم بدائل عملية قابلة للتنفيذ.
فإذا نجحت الآلية الموسعة في معالجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية والإطار الدستوري، فقد تتيح فرصة لإعادة تحريك المسار السياسي. أما إذا اقتصر التوسع على إضافة مشاركين من دون حسم القضايا الخلافية، فقد تتحول المبادرة إلى جولة جديدة من الحوار لا تغيّر موازين التعطيل القائمة.
وفي المقابل، قد يرفع التلويح بالعقوبات كلفة استمرار الانسداد، لكنه لا يضمن وحده انتقال ليبيا إلى الانتخابات أو توحيد مؤسساتها. فالعامل الحاسم سيظل قدرة القوى السياسية على التوصل إلى اتفاق قابل للتطبيق، مدعوم بضمانات واضحة وآليات تنفيذ ومحاسبة.
وبذلك، تتحدد فرص المرحلة المقبلة عند تقاطع مسارين: محاولة أممية لتوسيع قاعدة التوافق، وضغط أمريكي يستهدف الحد من تعطيل التسوية. وبينهما، يبقى نجاح أي تحرك مرهونًا بمدى استعداد الأطراف الليبية للانتقال من إدارة الانقسام إلى تسوية تعالج أسبابه وتحدد طريقًا عمليًا نحو الانتخابات.



