ليبياليبيا

جدول المرتبات الموحد: عدالة اجتماعية مؤجلة أم مسكن مؤقت لإنفاق حكومي خارج السيطرة؟

توحيد المرتبات دون انضباط مالي يهدد ما تبقى من قيمة الدينار وحقوق المواطن

ليبيا 24

فجوة الإنفاق والإيرادات تتفاقم وحكومة منتهية الولاية تكتفي بالوعود بينما يدفع الليبيون الثمن

في وقت يتجرع فيه المواطن الليبي مرارة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية، يطل علينا مجلس النواب بطرح جدول موحد للمرتبات وكأنه حلاً سحرياً لأزمة اقتصادية معقدة صنعت تفاصيلها حكومات متعاقبة آثرت مصالحها الضيقة على حساب معيشة الليبيين.

غير أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير، فما لم تقترن هذه الخطوة بإجراءات مالية واقتصادية شاملة، فإنها ستظل إجراءً شكلياً لا يلامس جوهر الأزمة التي يعاني منها المواطن المكلوم، بينما تستمر الحكومة المنتهية الولاية في إنفاقها غير المنضبط وكأن المال العام ملك خاص لها.

المرتبات بين العدالة المفقودة والوعود المؤجلة

يأتي الحديث عن جدول موحد للمرتبات في ظل اختلال واضح في عدالة الأجور وتفاوت صارخ بين القطاعات، حيث حصلت بعض الجهات على زيادات دون غيرها، مما خلق شعوراً عميقاً بالغبن لدى قطاعات واسعة من الموظفين.

والأصل في أي نظام أجور عادل أن يرتبط الأجر بالعمل والمسؤولية والمؤهل والخبرة وطبيعة الوظيفة، إلا أن تطبيق هذه القاعدة يظل تحدياً هائلاً في دولة يبلغ عدد سكانها نحو ثمانية ملايين نسمة، ويعمل في مؤسساتها العامة قرابة مليونين وثلاثمائة ألف شخص، في ظل تضخم الجهاز الإداري وضعف الإنتاجية واختلال منظومة الإدارة والرقابة التي لم تحرك ساكناً حيالها الحكومات المتعاقبة.

وليس توحيد المرتبات فكرة جديدة على ليبيا، فقد شكل القانون رقم 15 لسنة 1981 إطاراً لتنظيم مرتبات العاملين بالدولة لسنوات طويلة.

واليوم، ومع تزايد أعداد العاملين في القطاع العام واتساع الاختلالات المالية والإدارية، لم يعد توحيد المرتبات مجرد مطلب وظيفي، بل أصبح ضرورة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الاستقرار والسلم الاجتماعي.

الوهم الكبير: هل يحل الجدول الموحد الأزمة؟

السؤال الأهم الذي يفرض نفسه: هل يؤدي توحيد المرتبات إلى حل الأزمة المالية والاقتصادية، وخفض الأسعار، والحد من تراجع قيمة الدينار؟

الإجابة القاطعة هي: لا، إذا اقتصر الأمر على إصدار جدول موحد دون اتخاذ إجراءات مالية واقتصادية متكاملة. وهذا ما تدركه الحكومة المنتهية الولاية جيداً، لكنها تفضل الترويج لحلول جزئية لتصرف انتباه المواطن عن فشلها الذريع في إدارة الملف الاقتصادي.

صحيح أن إعادة تنظيم المرتبات قد تسهم في تخفيض فاتورتها إذا اقترنت بمعالجة التضخم الوظيفي والازدواجية الوظيفية والمرتبات غير المستحقة، لكنها قد تتحول إلى إجراء شكلي لا يحقق أهدافه، بل قد تتيح الوفورات الناتجة عنها مجالاً لمزيد من التوسع في الإنفاق العام، بما يغذي الفساد والإنفاق الاستهلاكي ويعمق الاختلالات القائمة.

إن جوهر الأزمة الليبية لا يكمن في المرتبات وحدها، وإنما في الفجوة المتزايدة بين الإيرادات العامة والإنفاق العام، وفي غياب الانضباط المالي الذي يربط الإنفاق بالموارد المتاحة للدولة.

وهنا يبرز السؤال المحرج: من المسؤول عن هذا الغياب إن لم تكن الحكومة التي تدير المال العام؟

الفجوة الخطيرة بين الإيرادات والإنفاق

الخطوة الأولى نحو أي إصلاح حقيقي تتمثل في ضبط الإنفاق العام وفقاً للإيرادات الفعلية المحصلة، لا وفقاً لتقديرات متفائلة أو التزامات تتجاوز قدرة الاقتصاد الوطني.

فإذا كانت الإيرادات السنوية من النفط والغاز في حدود خمسة وعشرين مليار دولار، فإن المحافظة على سعر صرف عند مستوى اثنين وأربعين وستة من مائة دينار للدولار تقتضي مواءمة الإنفاق العام مع الموارد المتاحة. وبحساب تقريبي، تعادل هذه الإيرادات نحو مائة وستين ملياراً وخمسمائة مليون دينار وفق سعر الصرف المذكور.

وهذا الرقم ليس بالضرورة سقفاً نهائياً للإنفاق، إذ يتوقف تحديده على إجمالي الإيرادات العامة الفعلية، والالتزامات القائمة، والاحتياجات الأساسية للدولة، لكنه يوضح حجم الفجوة التي ينبغي التعامل معها بجدية.

فمن غير المنطقي أن ننفق ثلاثمائة مليار دينار، ونواصل التوسع في الالتزامات العامة، ثم نتوقع المحافظة على سعر صرف يبلغ ستة دنانير للدولار أو أقل، من دون معالجة مصادر الضغط على العملة الأجنبية والاختلال بين الإنفاق والموارد.

فبدلاً من أن تعالج الحكومة المنتهية الولاية هذا الخلل البنيوي، تكتفي بإصدار بيانات متفائلة وإطلاق وعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ، بينما يدفع المواطن الليبي وحده ثمن هذا العبث الاقتصادي.

الاعتمادات المستندية والاستيراد: ثغرات تحتاج إلى رقابة

إلى جانب ضبط الإنفاق، لا بد من إصلاح منظومة الاعتمادات المستندية وتنظيم الاستيراد وفق احتياجات السوق والقدرة الفعلية للاقتصاد على توفير النقد الأجنبي، مع تعزيز الرقابة على الاستخدامات النهائية للاعتمادات ومكافحة التلاعب والتهريب.

كما ينبغي إلزام الموردين بإعلان أسعار البيع للمستهلك بصورة واضحة، بما يعزز الشفافية والمنافسة ويحمي المواطنين من الممارسات الاحتكارية التي تنشط في ظل غياب الرقابة الحكومية.

الإصلاح ليس خياراً: بل ضرورة وطنية

إن الإصلاح الاقتصادي والمالي لا يتحقق بإجراء منفرد، مهما بلغت أهميته، وإنما من خلال حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات، تشمل ترشيد الإنفاق العام، وإصلاح منظومة المرتبات، وضبط التوظيف، وتطوير الإدارة المالية، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين إدارة الإيرادات النفطية، وحماية القدرة الشرائية للمواطن.

إن إقرار جدول موحد للمرتبات خطوة مهمة نحو العدالة، لكنه ليس بديلاً عن الإصلاح المالي، ولا ضمانة تلقائية لخفض الأسعار أو استقرار سعر الصرف.

فالعدالة في توزيع المرتبات يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع العدالة في توزيع الموارد، والانضباط في إدارة المال العام، وربط الإنفاق بقدرة الدولة الحقيقية.

اليوم ما زالت أمامنا فرصة لاتخاذ قرارات إصلاحية شجاعة تعيد الانضباط إلى المالية العامة وتحافظ على ما تبقى من قوة الدينار. أما تأجيل المعالجة والاستمرار في الإنفاق غير المنضبط، فقد يجعل كلفة الإصلاح غداً أكبر بكثير.

نحن أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في دوامة الإنفاق والفوضى واستنزاف المال العام التي ترعاها الحكومة المنتهية الولاية، وإما الشروع في إصلاح حقيقي يحمي الاقتصاد الوطني، ويحفظ حقوق المواطنين، ويضع أسساً أكثر استدامة لبناء الدولة.

فالإصلاح ليس خياراً يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، بل مسؤولية وطنية لا تحتمل المزيد من التأجيل، والشعب الليبي الذي قدم الكثير لن يقبل بمزيد من الوعود الفارغة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى